تقليص حوادث الحج يتطلب إخراجه من إطاره السعودي

حجم الخط
0

د. سعيد شهابي

موسم الحج الذي انتهي كان واحدا من المواسم الساخنة التي تصاحب هذه العبادة المتميزة عادة. وسبب تميزه ليس الكارثة البشرية التي اودت بحياة المئات من الاشخاص فحسب، بل بما صاحب الموسم من فعاليات سياسية فتحت مجددا ملف العلاقة بين الدين والسياسة في الاسلام. ويمكن التطرق لثلاثة محاور للتعاطي مع الموسم الاخير، وهي محاور جديدة ـ قديمة. اول هذه المحاور يتصل بمدي فاعلية الاجراءات السعودية لوقف الكوارث البشرية التي لم تتوقف منذ عشرين عاما، وثانيها مدي التلازم بين الحج كعبادة والمناخات السياسية التي يوفرها للحجيج، علي مستوي الافراد والحركات والحكومات. وثالثها موقع الحج في الخطاب الرسمي السعودي، ومدي ارتباط ذلك بالشرعية السياسية والدينية لذلك الحكم. هذه المحاور، برغم انفصالها وتميزها عن بعضها البعض، فانها متداخلة بشكل كبير، ويصعب النظر اليها بانفصال الا بتفكيك الصورة العامة للمشهد الديني الذي يحتضن الحج وغيره من العبادات. في البداية يجب الاعتراف بان تواجد أكثر من مليوني شخص في منطقة صغيرة لفترة قصيرة أمر يستلزم امكانات ضخمة لا تتوفر بسهولة لدولة واحدة بمفردها. والحجم العملي لموسم الحج وما يتطلبه من تعبئة للمؤونات والخدمات لا يقل عما يتطلبه التعاطي مع الكوارث الطبيعية الكبري التي تحتاج لنظام لوجستي قد لا يكون متوفرا لدي الدول التي تحدث فيها الكوارث، كزلزال كشمير او حتي تسونامي جنوب آسيا، او اعصار امريكا. وقد عمدت الحكومة السعودية لتطوير ادائها بشكل مضطرد، خصوصا بعد توالي الحوادث البشرية الكبيرة منذ 1987. فقامت بتوسعة الحرم عدة مرات، والشوارع، وعمدت لتطوير نوعية الخيام التي يحتاجها الحجيج في مني، وسعت لتوفير مياه الشرب اللازمة، بالاضافة لتوفير وسائل النقل المريحة. وليس من المروءة بمكان انكار ما تقوم به الحكومة السعودية من جهود لتقليل المخاطر وتوفير الاحتياجات الضرورية لحجاج بيت الله الحرام. مع ذلك تقع الحوادث بشكل سنوي تقريبا، ويسقط العشرات وربما المئات من القتلي فيها، وتطلق التصريحات وتشكل لجان التحقيق، ثم تنتهي المسألة. فأين هو الخلل؟ وهل بامكان اية دولة اخري ان تقدم أداء أفضل؟ او هل ثمة بديل فني لادارة الموسم يختلف عما هو متوفر في الوقت الحاضر؟ برغم ما تقدم، فليس من المعقول الصمت علي استمرار الحوادث الكارثية المتواصلة. في 1987 خرج الحجاج الايرانيون في مسيرة البراءة من امريكا و اسرائيل التي دعا اليها الامام الخميني رحمه الله، فتصدت لهم قوات الامن السعودية، وقتلت منهم اكثر من 400. ومنذ ذلك العام توقفت تلك المسيرات بشكلها المعهود، وحلت محلها فعاليات فكرية وثقافية اخري. ولكن الحوادث لم تتوقف، فقد تم اعدام ستة عشر حاجا كويتيا في العام التالي بتهم متفاوتة من بينها احداث تفجيرات في منشآت سعودية في مكة. وفي 1990 قتل اكثر من 1400 شخص في نفق المعيصم، بسبب غلق احد طرفيه بشكل أدي الي تدافع الحجيج وحدوث الكارثة. وتوالت الحوادث في السنوات اللاحقة، ومنها الحريق الذي حدث في مخيمات مني في 1997 وراح ضحيته 340 شخصا، وجرح 1500 آخرين. وحدثت حالات اخري من التدافع. ففي 2001 توفي 35 حاجا أثناء رمي الجمرات، وفي عام 1998 توفي 180 شخصا في حادث مماثل. وفي عام 1994 لقي 270 حاجّا مصرعهم أثناء التزاحم علي رمي الجمرات. وفي الموسم الاخير قتل اكثر من سبعين حاجا في انهيار فندق بمكة، وقتل حوالي 350 حاجا في حادثة التدافع عند رمي الجمرات. في الثمانينات طرحت فكرة تعاون الدول الاسلامية مع السلطات السعودية في تنظيم شؤون الحج، ولكن كان هناك رفض قاطع من العائلة المالكة السعودية التي رأت في ذلك تخليا عن دور تاريخي لها، ورفضت تلك الدعوات جملة وتفصيلا. وسعت بعد حوادث الثمانينات لنظام الحصص لتحديد عدد الحجاج من كل بلد، ليتناسب مع سكانه. جاء ذلك القرار الذي تبنته منظمة المؤتمر الاسلامي بناء علي رغبة المملكة، بعد مجزرة الحجاج الايرانيين في 1987 واصرار السعودية علي خفض عددهم في السنوات اللاحقة. حدث الخفض، والتزمت الدول الاسلامية بقرار الحصص. ولكن السعودية استثنت من نظام الحصص مواطني دول مجلس التعاون الخليجي، بالاضافة الي مواطنيها، الامر الذي أبقي عدد الحجاج مرتفعا. وليس معروفا عدد الحجاج ممن لا تخضع بلدانهم لنظام الحصص، ولكن تقدر الاحصاءات عدد السعوديين ومواطني دول المجلس بما بين نصف مليون الي مليون حاج سنويا، وهو امر غير منطقي، لانه يتعلق بشعائر مشتركة بين جميع المسلمين، وليست ملكا لأحد. فاذا اتفق علي تنظيم ممارسة تلك الشعائر، فيجب ان تسري القرارات علي جميع الدول. ولو حدث ذلك لانخفض عدد الحجاج بنسبة لا تقل عن ثلاثين بالمئة، ولأصبح الضغط علي الخدمات والمناسك أقل كثيرا مما هو عليه الآن. ان امام السعودية في هذا المجال خيارين: اولهما السماح بمشاركة الدول الاسلامية الاخري في تنظيم مناسك الحج، من خلال مجلس اداري تابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي مثلا. وثانيهما: تطبيق نظام الحصص علي جميع الدول بما فيها السعودية، وبذلك يصبح الضغط البشري في الاماكن المقدسة أقل مما هو عليه الآن. وبالامكان ايضا فرض اجراءات اخري للتنظيم، كأن تعطي الاولوية للذين لم يتشرفوا بأداء الفريضة من قبل، ووضع قيود علي الذين يذهبون للحج في كل عام. هذه الاجراءات ليست ذات طابع سياسي، بل تهدف لوقف نزيف الدم الذي يحدث كل عام في هذا الموسم، وحماية ارواح البشر الذين يلاقون حتفهم بلا ضرورة. ويمكن اعتبار موسم الحج هذا العام من المواسم السيئة، حيث بدأ بانهيار الفندق الذي راح ضحيته اكثر من سبعين شخصا، وانتهي بالتدافع عند الجمرات. المحور الثاني الذي دار اللغط حوله من قبل، وما يزال يمثل مادة للحديث يدور حول طبيعة الحج، ومدي الترابط فيه بين العبادة والسياسة. وفي الثمانينات طرحت ايران ما اعتبر مبدأ لتسييس الحج، فحدثت ردة فعل شديدة من السعودية معارضة لذلك، وأصرت علي ابقاء الحج في اطاره العبادي البحت. غير ان المتابع لما يدور في الحج هذه الايام يري بوضوح البعد السياسي فيه، سواء من خلال التصريحات او الممارسات. فالدكتور عبد الله التركي، الامين العام لرابطة العالم الاسلامي يدعو الي استثمار موسم الحج لمراجعة الذات واستشعار ما تضمنه الحج من معان سامية لتعزيز معاني الاخوة والوحدة والتضامن لمعالجة قضايا الامة الاسلامية. وفي كلمة وجهها بمناسبة الوقوف بعرفة دعا الدكتور التركي الدول الاسلامية والمنظمات الرسمية والشعبية في العالم الاسلامي لتكثيف التعاون للتصدي للمشكلات والتحديات والقضايا التي تعاني منها الامة، ومؤكدا ان الاسلام وما فيه من تشريع عادل هو الضامن الوحيد لحماية الامة المسلمة من جميع الاخطار التي جدت في الساحة العالمية. وطالب العالم اجمع بوضع حد للمظالم والاعتداءات الصارخة التي يتعرض لها ابناء الشعب الفلسطيني جراء الحصار والاضطهاد. كما دعا الشعب العراقي الي التآلف والوفاق والتعاون في اعادة بناء الوطن مطالبا الدول الاسلامية بدعم وحدة العراق وتقديم المساعدة اللازمة للشعبين العراقي والفلسطيني وفقا لقرارات القمة الاسلامية الثالثة التي عقدت في مكة المكرمة في كانون الاول (ديسمبر) الماضي. هذه دعوة سياسية لا تختلف عما كان الايرانيون يدعون اليه من قبل. الفرق انهم كانوا يدعون للتصدي للمخططات الامريكية والاسرائيلية، بينما الفعاليات السعودية لا تتطرق لذلك. اما امام الحرم المكي، الشيخ عبد الله السديس فقد قال في خطبة صلاة العيد للحجاج ان الغرب يستغل ظاهرة الارهاب الدولية لتخويف الناس وتنفيرهم من الاسلام، مؤكدا ان الاسلام بريء من تهمة الارهاب. واضاف قائلا: اشتدت الحملة علي الاسلام ورشق اتباعه بمصطلحات موهنة والفاظ مغرضة لتشويه صورته والتنفير منه، واتهم الدول الغربية بالنفاق في الترويج للحرية والديمقراطية مشيرا الي الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، وقال اما العبث بالمقدسات بحرب القنابل الذكية والمجنزرات القوية من العدو الصهيوني الغاشم ضد اخواننا في فلسطين فلا يعد ذلك ارهابا بافكهم بينما الدفاع عن الحقوق المشروعة في الارض والحفاظ علي الدين والعرض يعد ارهابا بزعمهم وبئس مازعموا. واشار الي الوضع العراقي ايضا بشكل مقتضب. هذا التعاطي مع القضايا السياسية يؤكد صعوبة الفصل بين عبادات المسلمين وواقعهم، ويكشف ضرورة اعادة النظر في المقولات التي استعملتها الحكومة السعودية في الثمانينات ضد الدعوة لتوعية المسلمين بقضاياهم ومناقشة همومهم، وتوجيه طاقاتهم نحو اعداء الامة، خصوصا من يحتل اراضيهم. ويمثل المحور الثالث مصاديق عملية لتداخل الدين بالسياسة في فصل الحج. فالحكومة السعودية كانت حاضرة في الاماكن المقدسة لمقابلة الوفود واجراء الحوارات معهم، وفتح الحوار مع الاطراف ذات الاهمية. وكان لقاء الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود مع حجة الاسلام السيد مقتدي الصدر علي هامش الحج واحدا من الفعاليات السياسية للحكومة السعودية، وهو مصداق لمقولة ان الحج مؤتمر اسلامي سياسي يجدر بالمسلمين الاستفادة منه لمناقشة شؤونهم والسعي لحل قضاياهم. اما القول بابقائه عبادة خالصة غير متصلة بالواقع الحياتي للمسلمين فهو أمر لا تصدقه الوقائع، ولا يقره المنطق البشري السوي الذي يسعي للاستفادة من الفرص لتحسين الاوضاع والتغلب علي المصاعب واحتواء الهموم. ليس المطلوب تحويل موسم الحج الي مؤتمر سياسي بحت، بما يؤدي الي اضعاف الجانب العبادي والروحي في هذه المناسك، ولكن المطلوب ان تتحول الشعيرة الي موسم منفتح للمسلمين، يتدارسون فيه اوضاعهم، ويسمح لهم فيه بالنقاش الحر حول قضاياهم، من خلال مؤتمرات وندوات مكثفة، بشكل طوعي، وبحضور السياسيين وعلماء الدين والمفكرين من كافة اقطار العالم الاسلامي. ليس كثيرا علي هؤلاء الحجاج ان يقرأوا في طقوس الحج معاني واقعية تتصل بشؤونهم، وتخلق فيهم الوعي. فبرغم ما يشاع عادة من اقوال بفصل الدين عن السياسة، فان الملاحظ ان دور العبادة، ومنها كنائس المسيحيين، لا تستطيع الانفصال عن الواقع الذي يفرض نفسه علي الجميع أيا كانوا. ہ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية