لدى الإقبال على قراءة الشعر يتوقَّع المرء أن يقرأ لغةً هانئةً رقيقةً، وجميلةً قبل كل شيء. لكن استعراض أمثلةٍ من الشعر قديمِه وحديثِه تُبيِّن أن الشاعرَ إنسانٌ، قبل كل شيء، قد يَستحسنُ أو يَستقبحُ، أو يغضبُ أو يثور، ويظهر هذا كلّه في شعره، في بعض الأحيان.
ولنبدأ بمثال من شعراء الجاهلية. فهذا الحُطَيئة شاعرٌ هجّاء لم يَسلم من هجائه حتى والداه، وقد سبق أن هجا نفسه فقال:
أبَتْ شفتايَ اليومَ إلاّ تكلُّما/ بهَجوٍ فما أدري لمن أنا قائِلُه
أرى ليَ وجهاً قبَّح الله خَلقَه/ فقُبِّحتَ من وجهٍ وقُبِّح حامِلُه.
أي نوع من المرآة كان الحطيئة ينظر فيها؟ فاللغة التي يستعملها «رائعةٌ في قُبحِها» إن جاز القول. وقد أدرك الحُطيئة الإسلام لكنه لم يُسلم حتى عهد أبي بكر. غير أنّ مثالاً آخر من شعر الحُطيئة يكشف عن لغةٍ أخرى رائعةٍ في صُورها إذ تُقدِّم المديح والهجاء في بيت واحدٍ رفَع من سُمعة قبيلة «بنو أنف الناقة» بين القبائل العربية، وحَطَّ من قدر غيرهم من القبائل، ولا ندري ما الذي دفع الشاعر إلى ذلك:
قَومٌ هم الأنفُ والأذنابُ دونَهمُ/ فمن يساوي بأنف الناقةِ الذَنَبا؟!
أيّة مقابلةٍ هذه وأيّة لغةٍ هذه التي تستطيع أن ترفعَ مَنزلة قبيلةٍ بين القبائل، وأي نوعٍ من القِرى قدّموا للشاعر فنطق بهذه الصورة، بهذه اللغة العجيبة؟!
مثال آخر من الشعر الجاهلي للأعشى (ت سنة 570) في مديح «المُحَلّق» جَعل منه مثالاً في الكَرَم، لأن النار التي توقَد في الليل أمام خيمةٍ دليلٌ على استعداد أهلها لاستقبال الضيوف، وهذه صورة النار أمام خيمة المُحَلَّق:
تُشَبّ لمَقرورَين يَصطَليانِها/ وباتَ على النارِ النّدى والمُحَلَّقُ

وهذا ما يجعل الندى، أي الكَرَم، َوالمُحَلَّق صنوان لا يفترقان: صورة الندى هي صورة المُحَلَّق، فكيف تكون اللغة على هذا القدر من التصوير الحيّ!
وعلى الجانب الآخر ثمة أمثلةٌ من الهجاء لا تقصِّر لغة الشاعر في رَفدِها بأبشع أنواع الإقذاع. من ذلك رجزٌ ينسب إلى لبيد وقد وجَد الربيعَ بن زياد عند النعمان، وكان لبيدُ يكره الربيعَ فبادَر النُعمانَ بقوله: مهلاً أبيتَ اللعنَ لا تأكل مَعه… لأنهم كانوا يتناولون الطعام بأيديهم و من القصعة الواحدة في الغالب، ويَدُ الربيع وأصابعُه قذرة، كما يقول لبيد، فيجب على النعمان ألا ّياكل مع الربيع. وبقية الرجَز من القباحة ما لا يمكن ذِكره.
وهجاء المتنبّي لكافور الإخشيدي قد بلغ من الشهرة ما يقارب من شهرة مدائحه للأمير الحمداني. وربما كان أشهر أمثلة الهجاء وصف كافور الإخشيدي:
من علَّمَ الأسودَ المثقوبُ مِشفَرُه/ أقومُه البيض أم آباؤه الصيدُ؟ أم أذنُه بيدِ النخّاس داميةً/ أم قدرُه وهو بالفلسين مَردودُ؟
وفي هجاء رعيّة الإخشيدي جميعاً نذكر الهجاء المؤلم:
أغايةُ الدّين أن تُحفوا شواربَكم/ يا أمَّةً ضَحِكت من جهلها الأممُ!
والبلاغة المُحيِّرة هنا: هل الفاعل الأُمم هي التي ضَحِكت من جهل الأمّة التي يحكمها كافور، أم أن الأمّة ضَحِكت لأنها جاهلة؟ ومثل ذلك قوله:
وجاهلٍ غَرّه من جَهله ضَحكي/ حتى أتَتهُ يَدٌ فرّاسةٌ وفَمُ..
إلى جانب مديح المتنبي لسيف الدولة الحمداني، لم يُقَصِّر الشاعر في مدح نفسه، بمبالغةٍ قد يشفع لها قليلاً هذا الأسلوب الجَزل الذي لا يُعادله أسلوب:
أيَّ عظيم أتّقي/ أيَّ مكانٍ أرتقي/ وكلّما قد خَلَق الله وما لم يَخلقِ/ مُحتقَرٌ في نظري/ كشعرةٍ في مَفرِقي.
هذا بالإضافة إلى بيته المشهور:
أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدَبي/ وأسمَعَت كلماتي من به صَمَمُ.
قد يقول قائلٌ إن هذه نرجسيةٌ مُفرطة. ولكن الذي يعني القارئ هنا هو هذه الدقّةُ في الوصف وتحديد المشاعر مما يجعل اللغة تقوم مقام جهاز تصوير هائل بالأبعاد الثلاثة.
ويبلغ الهجاء عند المتنبّي حدّ الإقذاع البذيء في «ضبّة» وهو الهجاء الذي تسبب في مقتله:
ما أنصف القومُ ضبّة/ وأمّه الطُرطبّة…… فكيف لشاعر يمدح الأمير الحمداني بأرفع وأجمل والأكثر تهذيباً من الكلام يمكن أن يهجوا مرَءاً نكِرةً مثل «ضَبة» وبلغةٍ دقيقةٍ مُعبِّرةٍ لا تطاولها لغة!
ومن المعاصرين يبرز الجواهري مُحَلِّقاً في المديح بلغةٍ لا نكاد نجد ما يقترب منها بلاغةً وامتلاءً بالتضمينات التاريخية والثقافية. ومن الصعب اختيار أمثلةٍ من مدائح الجواهري، ولو أن بعض الحُسّاد يصفون مَدائحَه بالتقرّب والتزلّف من الممدوح. ولكن لا يُعرف عن الجواهري أنه مَدَح طلباً لنوال، فمن أوائل مدائحه المشهورة، وكان في مركز مُهمّ في العهد الملكي في العراق، قصيدته في عيد ميلاد فيصل الثاني الملك الشاب:
تِه يا ربيع بزَهرك العَطِر الندي/
وبصِنوِكَ الزاهي رَبيع المَولِدِ
ما كان إلاّ أن جَعَلتُكَ مَقصدي /
حتى هَوَت غُرَرُ النجوم على يدي
وأنا ابن هذي الأرض صُغتُ من السما/
تاجاً لهذا الكوكبِ المُتوَقِّد…
وإذ لايعرف عن الجواهري أي انتماء سياسي أو حزبي فإنه كان يتفاعل مع الأحداث السياسية في العراق بوصفه مواطناً عربياً عراقياً. وقد مدح الجيش العراقي الذي قام بثوره 14 تموز /يوليو بقصيده فذة لانه رآى فيها جهداً لانقاذ العراق من الحكم الأجنبي وأعوانه:
سدد خطاي لكي أقول فاحسنا / فلقد أتيت بما يجل عن الثنا
جيش العراق ولم أزل بك مؤمنا/ وبانك الأمل المرجّى والمُنى
وفي أربعينات القرن الماضي ظهر في العراق عدد من التجمعات السياسية التي تدعي العمل لخدمه العراق، مثل ما كان أصحاب النازية يدعون قبلهم. وسرعان ما ظهر ان أغلب تلك التجمعات لا تقوم على فكر سياسي واضح بل انهم قد استطابوا مناكفة الحاكم لأسباب مصلحية وطمعا بالمناصب عند تسلم جماعتهم زمام السلطة. وكانت هذه التطورات لا تغيب عن فكر الشاعر فنظم قصيدة يسخر فيها من تلك الشخصيات، ومع انه لم يذكر الأسماء صراحة لكن الناس استطاعوا معرفه المقصودين:
أي طرطرا تطرطري/ تقدمي تأخري
تشيعي تسنني / تهودي تنصري
تكردي تعربي / تها تري بالعنصرِ
تعممي تبرنطي/ تعقلي تسدري
تزيدي تزبدي / تعنزي تشمري
في زمن الذرّ إلى/ بداوة تقهقري…
وأذكر أني في آخر مره اجتمعت فيها مع الجواهري سألته لماذا لا توجد هذه القصيدة في ديونه، فقال لان بعض الناس قد أساءوا التفسير فأردت للقصيدة ان تنسى. لكن الأمير عبد الاله كان يلح علي كلما اجتمعنا ان أقراها له، أنا أقرأ شيئا منها لك…
ولا يمكن الحديث عن لغه الشعراء، والمعاصرين منهم بخاصة، من دون الحديث عن لغة الشاعر العراقي المعاصر مظفر النوّاب، الذي اشتُهِر في أوائل ستينات القرن الماضي، وذلك بأشعاره باللغة الدارجة العراقية التي تتناول موضوعات سياسية عن أحوال العراق المعاصر. ولكن الأشهَر من ذلك هي قصائده الرقيقة الآسرة عن موضوعات الحب. وكانت قصيدته بعنوان «للريل وحَمَد» قد أخذت الناس بالنواصي والأقدام، وانقلبت إلى أغنيةٍ تستثير كثيراً من العواطف والأحزان. إلى جانب قصائده في الحُب، مثل «أميرة» اشتُهِرت قصائده مثل «المسلخ الدولي»و «وتريّات ليليّة: يا قاتلتي» وفي جميع قصائده العاطفية والسياسية نقرأ لغةً مباشِرةً تخلو من المُحسِّنات اللفظية والبلاغية، وتتميّز بالصراحة الجارحة و«البذاءة»، وهي تهمةٌ أجاب عنها الشاعر بأنها صورةٌ لعالمنا البذيء. وسُخريته جارحة، ولكنها مُستساغةٌ عند أغلب القرّاء. ففي عبارةٍ مثل «القدس عروسُ عروبتنا» صدرت عن مسؤول خليجي «لا يعرف الطيخ من البطيخ» كما قال الشاعر، قد استثارت سُخريةً ما بعدها سُخرية، وبقيت تتردّد على الألسنة الشتيمةُ التي أطلقها على أمثال ذلك المسؤول. والظاهرةُ التي تستَعصي على كل تفسير نفساني، أو أي شيء انتشار قصائد الشتيمة هذه في بلاد الخليج نفسها وكأن الناس لا يجِدون ما يتلذّذون به سواها.