نصر شمالي منذ مطلع عقد السبعينات الماضي ظهرت علناً بدايات تحوّل الاقتصاد الامريكي الى اقتصاد طفيلي، فصار العالم بأغنيائه وفقرائه ينتج بينما الولايات المتحدة تستهلك إنتاجه استهلاكاً نهماً جشعاً، فهي تغطي عجزها على حساب الآخرين، وعن طريق الإكراه، فتلجأ إداراتها المتعاقبة الى القسر لتعوّض النقص، وتستخدم السلاح الناري الذي هو وسيلتها الرئيسية عندما يفشل الترغيب والترهيب والابتزاز. إنّ الدول المنتجة للنفط هي الهدف الرئيسي للعمليات العدوانية الامريكية/الأطلســــية، وهــــي المصدر الأول والمرتكز الأعظم لدعم اقتصادها الطفيلي، وليس احتلال العــراق سوى عملاً من أعمال السيطرة على منابع النفط من جهة، والحفاظ على الديكتاتورية الامريكية العالمية من جهة أخرى. أما لماذا العراق فلأنه، إضافة الى أسباب أخرى، أقدم في تاريخه الحديث على خطوتين نوعيتين شديدتي الخطورة على الهيمنة الامريكية/الأطلسية، أولاهما تأسيس منظمة الأوبيك في العام 1960 لحماية حقوق الدول المنتجة، والثانية تحوله الى التعامل باليورو في العـام 2000 لكسر احتكار الدولار المستمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية! كان ترويض الاحتكارات الأطلسية لمنظمة الأوبيك قد تحقق الى حد بعيد، بسبب تبعية وتواطؤ بعض أعضائها، فجاء تحوّل العراق الى اليورو في العام 2000 بمنزلة هجوم معاكس من داخل منظمة الأوبيك.
وكمشروع ضربة للاحتكار الامريكي في الصميم، فقد ظهر أنّ دول منظمة الأوبيك ترغب في التحوّل الى التعامل باليورو، كما فعل العراق المؤسس لهذه المنظمة، الأمر الذي سوف يعرّض الاقتصاد الامريكي الطفيــــلي لأخطار جدية جســــيمة، وبالفعل أظــــهرت منظمــــة الأوبيك، في اجتماعها في اسبانيا (نيسان/ ابريل 2002) ميــــلها الى التـــخلّي عن الدولار لصالح اليورو، فجنّ جنون الإدارة الامريكية، وراحت تقرع طبول الحرب ضدّ العراق خصوصاً وضدّ دول الأوبيك عموماً.
لقد كان ذلك يعني، لو أنّه تحقق، استبدال الدولار في المصارف المركزية لدول النفط باليورو، واستبداله في التعامل التجاري الدولي، الأمــــر الذي يفــــقد الدولار الامريكي 40′ من قيمته، ويؤدي الى انسحاب الرساميل الأجنبية الموظفة في الولايات المتحدة، ويؤدي الى زيادة كبيرة في تكاليف المستوردات الامريكية، فإذا أضفنا موقف دول اليورو الأوروبية ندرك أي انقلاب عالمي يمكن أن يقع نتيجة تلك الخطوة الشجاعة، الصائبة، التي أقدم عليها العراق بالتحول إلى اليورو. كانت تلك فرصة تاريخية ضاعت، حيث نجحت أجهزة الدعاية الاحتكارية المركزية، وكذلك توابعها في أنحاء العالم، بتوجيه الأنظار إلى أمور أخرى جعلتها سبباً للعدوان، ونجحت في جعل الحرب ونهايتها قبل أن تنشب هي هاجس الرأي العام، وهكذا ما أن بدأت عمليات احتلال العراق حتى تبخّرت القضايا الأساسية المصيرية المتعلقة بالنفط والدولار واليورو، وأصبحت القضية العظمى الأولى، التي تشغل الجميع، هي قضية إيقاف الاشتباكات الحربية. إنّ الكثيرين، للأسف الشديد، يستجـــيبون بسرعة لإملاءات أجهزة الدعاية والحرب النفسية عندما تنشـــب الحرب، بل إنّ البعض يظهر استعداده لتسليم البلد الى حالة أقسى وأخطر من اســتمرار الاشتباك المسلح مقابل توقّف القتال! ومن غرائب الأمور أنّ أولئك الأكثر ضجيجاً وشكوى من الأوضاع البائسة المزمنة لأمتهم هم الأقصر نفساً ونظراً، فتراهم يريدون ربح المعركة من دون تكاليف، وأحياناً بمساعدة الأعداء. غير أنّ لخلاص الأمم المظلومة المنهوبة تكاليفه الباهظة التي لابد من تسديدها كاملة، والضحايا البشرية في مقدمة هذه التكاليف، فلا نهوض لأمة من دون شهداء، أوضحايا بشرية، وإنّ هذا لينطبق على أمم خاضت حروباً غير عادلة، وضحّت أعظم التضحيات من أجل تحقيق أهدافهــــا العــــدوانيـــة، فقد هلك في الحرب الأهلية الامريكية، أواسط القرن التاسع عشر، حوالي نصف مليون إنســان، وهي كانت حرباً ظالمة سعى فيها الشمال الصناعي المالي للسيطرة على الجنوب الزراعي، فكان له ما أراد، ونهضت هذه الدولة الباغية بتاريخها العدواني الصرف، وبسعيها الدؤوب لإحكام سيطرتها على العالم أجمع. لقد كان تعداد سكان الولايات المتحدة في تلك الحرب الأهلية بحدود الأربعين مليوناً، أي أن التكلفة البشرية كانت 1′! وفي الحرب العالمية الثانية هلك أيضاً حوالي نصف مليون أميركي على طريق وصول الإدارة الامريكية إلى مركز القيادة الأول في النظام الربوي العالمي، ومن ثم التحول إلى ديكتاتورية عالمية، وليس في سبيل قهر النازية والفاشية والانتصار للديمقراطية كما يزعمون، لأنّ الولايات المتحدة محكومة ديكتاتورياً بحزب واحد هو حزب رأس المال المؤلف من شقّين متكاملين: جمهوري وديمقراطي. إنّ الأمة العربية تعدّ اليوم ما يزيد عن 350 مليوناً، وبناء على المثال الامريكي العدواني، وليس على غيره من الأمثلة الأممية العادلة، وفي خضمّ هذه الــــحرب الظــــالمة المفتوحة ضدّ العرب والمفروضة عليهم منذ حوالي قرن من الزمان، والتي جعلتهم مزقاً وأشلاءً، دعونا نقدّر مايتوجب على أمتنا تقديمه من تضحيات بشرية دفاعاً عن قضيـــتها العادلة، ولنأخذ كمعيار أرقام الضحايا الامريكيين في المعارك العدوانية التي خاضوها، سواء في الحرب الأهلية أم في الحرب العالمية الثانية، بغض النظر عن تضاعف عدد السكان الامريكيين في الحرب الثانية.’ كاتب سوري