محمود الناكوع
هجمة شرسة تقوم بها الدول المصنعة للسلاح علي اسواق الشراء في البلدان العربية، وهي اسواق تصنعها ذات الدول المصدرة للاسلحة لاغراض تجارية بالدرجة الاولي، ومن يتابع ما ينشر من معلومات وتقارير عن صفقات السلاح يلاحظ ان دول الخليج تتعاقد كل عام علي كميات هائلة من الاسلحة: طائرات، دبابات، عربات عسكرية، سفن وزوارق حربية وصواريخ، ومن مصادر عدة، من الولايات المتحدة، من اوروبا، من الصين، من الاتحاد السوفييتي.. وذكرت بعض التقارير ان نحو ستة وتسعين في المائة من اجمالي صفقات الاسلحة التي وقعت في السنوات القليلة الماضية كانت مع دول منطقة الخليج العربي، واصبحت معارض السلاح في دولة الامارات تدر ارباحا قياسية علي العاملين في تجارة الاسلحة. وخلال الاسابيع القليلة الماضية اعلنت وزيرة الخارجية الامريكية عن كميات هائلة من الاسلحة ستذهب الي السعودية ومصر. وفي شمال افريقيا عقدت كل من الجزائر والمغرب وليبيا اتفاقيات لشراء كميات كبيرة من الاسلحة، بعضها من دول غرب اوروبا، وبعضها من روسيا، ومن دول كانت تابعة للاتحاد السوفييتي، وهناك اتجاهات عند هذه الدول لشراء المزيد من الاسلحة في المستقبل… جميع الدول العربية، وخاصة النفطية منها تدفع دفعا من قبل تجار السلاح الكبار لشراء الاسلحة، وجعل آلات مصانع السلاح تتحرك لنهب المزيد من اموال شعوب البلدان العربية التي تعاني من الجوع والجهل والمرض وقلة السكن…. مئات مليارات الدولارات تذهب من خزائن الشعوب العربية، الي صناع السلاح، وجزء كبير يذهب في شكل عمولات الي طوابير من السماسرة من شتي الالوان. ويمكن الجزم بان هذه الاسلحة لم تكدس من اجل خوض حروب دفاعية او هجومية استراتيجية، ولكن ربما تقع حروب عربية / عربية، وتلك قمة الكارثة. ومن هنا تاتي احتمالات الاخطار التي تهدد الشعوب العربية جراء تكديس الاسلحة، فالخطر الاول القريب ان الاموال ستذهب سدي، وسوف يتحول الكثير من تلك الاسلحة الي اكداس من الخردة، لانها لن تستعمل، ولن تصان بطرق جيدة. الخطر الثاني وهو الخطر الاعظم، ان هناك مخططات غربية تسير علي هدي سياسة فرق تسد المعروفة منذ القرن التاسع عشر، تلك المخططات تهدف في المرحلة المقبلة الي مزيد من التحريض لاحياء الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية والدينية، والنفخ فيها لتمزيق النسيج الاجتماعي في كل بلد عربي. وما يجري الآن في العراق من تفكيك هو اكبر دليل علي دخول المنطقة في هذا الاتجاه المدمر، وثبت في العراق ان النسيج الثقافي كان ضعيفا، وان قابلية المجتمع للدخول في صراع طائفي كانت قابلية قياسية، وان الانسجام والوفاق الذي كان سائدا، انما كان بفعل قوة الدولة المركزية في بغداد، وعندما تلاشت الدولة بعمل مقصود من قوات الاحتلال الامريكي / البريطاني، اي من صانعي القرار في واشنطن ولندن، انفجرت مخازن التعصب الطائفي والعرقي لتحرق وتحطم كل شيء بشكل جنوني. وما حدث في العراق يمكن ان يحدث في بلدان عربية واسلامية اخري، لان النسيج الثقافي ظل ضعيفا بسبب غياب الدولة المركزية العادلة. ومشكلة تكدس الاسلحة في بلدان عربية غير ديمقراطية، وغير مهتمة بالتنمية، وتوزيع الثروة توزيعا عادلا، جميع هذه الاسباب تفتح كل الابواب لصراعات مخيفة. لاحظوا ان القوات البريطانية سوف تنسحب قريبا من البصرة، ولا توجد قوة للدولة لحفظ النظام والسيطرة الامنية، فماذا سيحدث؟… يجب التذكير ان بريطانيا صاحبة سياسة فرق تسد قد استعملت الاختلاف في اللغة وفي الدين وفي الطبقات في الهند عام 1857 لتسيطر وتبسط نفوذها، وتنهب خيرات البلاد، وفي عام 1947 انسحبت بسبب مضاعفات الحرب العالمية الثانية وتركت الهندوس يتقاتلون مع المسلمين. وبعد شهور ستعيد السياسة ذاتها في البصرة، وربما ستقوم الولايات المتحدة بالدور ذاته فتنسحب من كل العراق دون وجود حكومة مركزية قوية، تصوروا ماذا سيحدث في البلاد… هذه التساؤلات لا تعني تبني الآراء التي تدعو الي عدم انسحاب قوات الاحتلال، ولكنها تعني ان الانسحاب ربما سيتم مع ضعف حكومة بغداد ما سيؤدي حتما الي تقسيم العراق، وهو ما تريده الدول المحتلة لاضعاف العراق ودوره، بل وتمزيقه. هذا هو المشهد العربي اليومالسلاح موجود، النسيج الثقافي ممزق، العدالة الاجتماعية غائبة، الديمقراطية لا وجود لها، اصوات العقلاء ضائعة في الهواء لا احد يسمع لها… وقد ثبت ان الغرب لا يهمه الا مصالحه الاقتصادية والامنية، وثبت ايضا انه لا يسمح باستخدام الاسلحة التي يبيعها للعرب الا في اطار حروب اقليمية او اهلية ولا يسمح ان توجه ضد اي حليف استراتيجي. وثبت ايضا ان شعوبنا ما زالت تحمل في ثقافتها اسباب ضعفها وتشرذمها واستعدادها لخوض معارك تدمير الذات، اكثر من استعدادها للتسامح والتعايش ورص الصفوف من اجل معارك الاتحاد والبناء والتعمير…. الغرب المدجج بالسلاح والخبرات والاموال تجيد حكوماته ومؤسساته فن ادارة الصراع، اما الحكومات العربية فانها تجيد تبذير الاموال، وتحقير الانسان واذلاله… ان الشعوب العربية، ونظمها الرسمية ستعاني الكثير في المستقبل القريب الا اذا تكونت جبهة عربية اسلامية قوية بقيادة دولة مركزية وطرحت مشروعا مقاوما للسيطرة الاجنبية. ہ كاتب من ليبيا8