كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’: شهدت الجزائر ثلاث محاولات انتحار عن طريق الحرق، ليرتفع عدد الحالات المسجلة إلى تسع حالات، في حين بدأت أصوات رجال الدين تحذر من خطورة هذه الظاهرة، وتحرمها تحريما قاطعا، بصرف النظر عن الأسباب المؤدية إليها.
وعلمت ‘القدس العربي’ أن مواطنا يبلغ من العمر 40 عاما أضرم النار في جسده أمس الأربعاء بمدينة بريان الواقعة بولاية غرداية (600 كيلومتر جنوب العاصمة) وسارع المواطنون الذين شهدوا الحادثة إلى إنقاذه، قبل نقله إلى المستشفى.
وتعتبر محاولة الانتحار هذه الثانية من نوعها في مدينة بريان، بعد المحاولة التي وقعت قبل أيام، عندما أقدم مواطن على حرق نفسه داخل مقر المجلس الشعبي للمدينة.
كما وقعت محاولة أخرى للانتحار حرقا بولاية الوادي (620 كيلومتراً جنوب شرق العاصمة)، ويتعلق الأمر بربّ عائلة تضم 8 أفراد، وقد سكب البنزين على جسده، وهم بإضرام النار قبل أن يسارع مواطنون إلى منعه من الانتحار، وسبب هذه المحاولة هو منعه من ممارسة نشاطه التجاري في أحد الأسواق، لأنه لا يملك ترخيصا.
وكان مواطن آخر يبلغ من العمر 35 عاما قد أقدم ليلة الثلاثاء على إضرام النار في جسده بولاية بومرداس ( 45 كيلومتراً شرق العاصمة) ويتعلق الأمر بشاب مصاب بمرض عقلي، وقد نقل إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الأولية، وحسب شهود عيان فإنه يعاني من حروق ليست على درجة كبيرة من الخطورة.
وبهذه الحالات الثلاث تصل محاولات الانتحار حرقا إلى تسع حالات منذ حوالي أسبوع، وذلك بعد أن ذاع صيت الشاب محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده في تونس، مع أن هذه الظاهرة كانت موجودة من قبل في الجزائر، وحاول في الماضي الكثيرون من المواطنين الانتحار في دار الصحافة، التي تضم مقرات كبرى الصحف، وذلك احتجاجا على سوء الأوضاع المعيشية.
وشرع عدد من رجال الدين في توجيه دعوات إلى المواطنين لتحذيرهم من مغبة الإقدام على الانتحار حرقا، على اعتبار أن ذلك حرام شرعا. وتناقلت بعض الصحف الصادرة أمس بعضا من هذه الفتاوى، خاصة بعد التصريح الذي أدلى به الشيخ يوسف القرضاوي بخصوص حالة البوعزيزي، عندما قال انه لم يكن يملك إرادة نفسه، وهو ما فهمه البعض على أنه إجازة للانتحار حرقا. ونقلت صحيفة ‘الخبر’ (خاصة) تصريحا للشيخ أبي عبد السلام، والذي فضل عدم التعليق على تصريح القرضاوي، مشيرا إلى أن الخالق وحده هو من يحرق بالنار، وأن الانتحار قتل محرم سواء كان بالحرق أو بطريقة أخرى.
وأشار إلى أن قتل النفس جريمة سواء قتل الإنسان نفسه أو غيره، فهو قاتل ويجب أن يعامل معاملة القاتل، مشيرا إلى أن تغيير المنكر عن طريق حرق النفس لا يجوز وأنه لا يغير المنكر بمنكر مثله أو أكثر منه.
أما فيما يتعلق بمحاولات الاقتداء بالبوعزيزي ”القدوة في الصلاح والبناء لا في الإفساد والقتل’، موضحا أن الله تعالى يقول في كتابه: ”إن من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعًا ومن قتلها كمن قتل الناس جميعا”، داعيا الشباب الجزائريين إلى الهدوء و’تجنب التهور’. من جهته أكد الشيخ شمس الدين بوروبي أنه لم يفهم كلام القرضاوي على أنه دعوة إلى الاحتجاج عن طريق الاحتراق، وإنما قال إن الشاب البوعزيزي لم يكن في كامل قواه العقلية أثناء انتحاره، موضحا أنه ‘ كان قد فقد عقله، وفاقد العقل في الشريعة الإسلامية غير مكلف ولا إثم عليه بل هو ضحية ديكتاتورية وظلم اجتماعي’. ودعا شمس الدين الشباب الجزائري إلى ‘عدم جعل البوعزيزي قدوة لهم’، مشيرا إلى أن حالته صادفت القضاء والقدر، ولا يجوز تعميمها على الناس.