تكريس عمان عاصمة للقصة.. وتكريم القاص محمود الريماوي

حجم الخط
0

ملتقى عمان الثالث للقصة القصيرة يعقد بمشاركة 70 كاتبا: عمان ـ’القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: اختتمت فعاليات ملتقى عمان الثالث للقصة القصيرة بالدعوة إلى تكريم أبرز روادها العرب، وذهب بيان الملتقى الذي عقد في العاصمة عمان على مدار ثلاثة أيام وبمشاركة 70 مبدعا من بينهم 20 عربيا للقول ‘بعد أنْ اعتقدنا أنَّ زمن القصة القصيرة قد ولى، إذ به ما يزال ماثلا، ويعدنا بالكثير عن هذا الفن الجميل والنبيل، صديق المهمشين ورفيق اللحظات العابرة. فبفضل ملتقى عمان للقصة، عاش هذا الفن ثلاثة أيام من النقاش والقراءات والورشات والطاولات المستديرة على هامش اللقاءات المجدولة’. وزاد البيان ‘كما التقى في هذه الأيام الثلاثة كتاب القصة من أنحاء الوطن العربي، بإخوتهم في الأردن، هذا البلد الذي يعرف طفرة قصصية، ويعد وجهة وقبلة للقصة العربية بامتياز. وتثمينا لهذا الاحتفاء بالقصة ارتأى غالبية ضيوف الملتقى طرح توصيات يؤكدون من خلالها، تكريس عمان عاصمة للقصة’. وشددت التوصيات على ‘أهمية القصة القصيرة، بوصفها عملاً إبداعياً يرتبط ارتباطاً عضوياً بالمجتمع، وقضايا الناس، والتحولات السياسية والفكرية والإنسانية. وأكد البيان الختامي للملتقى أن فن القصة القصيرة لا يموت، ولا يمكن أن تحتل مساحته أية أشكال سردية أخرى، وأنه إبداع مفتوح على تطورات البنية كافة: التقنية، والأسلوبية، والمضامين’. وكان الملتقى الثالث للقصة الذي نظمته الدائرة الثقافية في أمانة عمان الكبرى، بمشاركة عربية واسعة واستمر ثلاثة أيام بإدارة القاصة بسمة النسور، وبتنسيق عام القاص الزميل جعفر العقيلي، أصدر البيان الختامي عن لجنة ضمت الدكتورة امتنان الصمادي (الأردن)، أحمد زين (اليمن)، والدكتور عمر العسري (المغرب) الذي قرأ التوصيات في الحفل الختامي للملتقى الذي أدارته الإعلامية إكرام الزعبي، منوها: ‘جاء تكريم القاص الكبير محمود الريماوي، وكذلك تذكر القاص العربي الراحل غسان كنفاني، من أهم لحظات هذا الملتقى، في مطالبة بضرورة استمرار مثل هذه اللحظات من الوفاء لرموز القصة وإيقوناتها، ممن قدموا الكثير لهذا الفن العربي، على أمل أن يحتفي الملتقى بأسماء عربية أخرى مثل: محمد رجب، سعيد الكفراوي، أحمد بوزفور، محمد صوف، يوسف ضمرة، إبراهيم صموئيل ومحمد خضير’. وأقترح البيان ‘تماشيا مع هذا العرس القصصي نقترح العمل على تجميع كل النصوص القصصية في الدورتين السابقتين والدورة الحالية، والدراسات النقدية، في إصدار جامع يكون بمثابة ذاكرة حية للملتقى’. كما اقترح البيان ‘العمل على تنويع المكرمين بين القصاصين ونقاد القصة وتوسيع مظلة المشاركة العربية والالتفات بصورة أكبر إلى رواد القصة القصيرة في الوطن العربي وتشكيل لجنة استشارية للملتقى من الوطن العربي عامة والأردن خاصة، تعنى باختيار المشاركين، وبلورة المحور الرئيس للملتقى’. فضلا عن المطالبة بتخصيص يوم أو أكثر للمشاركين في الملتقى، لتعريفهم بالآثار والمعالم السياحية، خاصة أن المؤتمر يتزامن مع فعاليات مهرجان جرش، وتنظيم معرض مصغر على هامش الملتقى يعنى بالإصدار القصصي وآخر تشكيلي بعنوان ‘كتاب يرسمون’. كما طالبوا بأن تقام بعض فعاليات الملتقى في المحافظات والمدن الثقافية المهيأة لهذا الأمر وتنظيم لقاء مفتوح مع ناشري القصة القصيرة الأردنيين، من أجل تتبع حركة النشر وسوسيولوجية القراءة، وتشجيع الناشرين على اكتشاف قصاصين جدد. اليوم الأول: ستولد قصص أبطالها الثوار العرب ‘أهلا بكم في هذا الوطن الذي يتسع لكل المبدعين العرب’، بهذه الكلمات رحبت القاصة الدكتورة هند أبو الشعر بضيوف الملتقى، نيابةً عن المشاركين الأردنيين، وقالت: ‘كأن الملتقى يتألق.. على متن النصوص التي صهرت التجربة الحياتية في بوتقة إبداعية تجلت في فن القصة القصيرة التي كُتبت بأكثر من قلم وصيغت بأساليب شتى.. أغنت الذائقة المعرفية.. وأشرعت النوافذ بوجه أقلام لم يتسن لنا لقاءها إلا ضمن الحيز الورقي او الالكتروني.. وهما بالتأكيد حيزان لا يغنيان رغم كل ايجابيتهما عن اللقاء الحقيقي الذي يولّد تلاقحا معرفيها حضاريا يتجاوز آفاق الكتابة.. إلى آفاق الحياة.. بكل ألوانها.. القصة القصيرة، هي نص يقوم على متعة فنية وعقلية وفكر يحرك الوجدان، وهي نص لا يموت بمجرد أن تنتهي من قراءته’. وربطت أبو الشعر بين تطور فن القصة وما يجري من ثورات في عالمنا العربي، ورأت أن قصصاً جديدة ستولد بتقنيات ومضامين مختلفة، أبطالها هم الثوار العرب’. واستعادت أبو الشعر ما ذهبت إليه القاصة والناقدة الامريكية (هالي بيرنيت) التي تصف فن القصة القصيرة بأنه ‘فن ديمقراطي ذلك أنه فن الحكاية الذي يسمح للكتاب بالدخول إلى مملكته’. كلمة المشاركين العرب قدمتها القاصة المصرية أمينة زيدان، التي شكرت الجهات التي قامت بتنظيم المؤتمر، منوهة ‘لقد انحسر الضوء عن القصة القصيرة، خلال السنوات الماضية، وسلط، بصورة أكبر، على الرواية، وها نحن، في هذا الملتقى، نعيد الألق له، بوصفه فنا سرديا رفيعا’. وألقت القاصة المصرية أمينة زيدان كلمة المشاركين العرب موجهة التحية من القادمين من مصر وسورية وعمان والسودان وتونس واليمن وفلسطين والعراق لجهود القائمين على الملتقى والتي حرصت على بقائه واستمراره ‘رغم الظروف الجسام التي تحيط بالمنطقة العربية’، لافتة ‘إلى الظروف الكثيرة التي تخص فن القصة القصيرة وجعلت الضوء يتراجع عنها في الفترة السابقة بسبب طغيان الرواية على المشهد، مؤكدة أن كل الظروف المحيطة بنا ‘تطالبنا بالعودة إلى القصة التي بات معظمنا يتحول عنها إلى الرواية’، مشيدة بالكتاب الذين ظلوا مخلصين إلى هذا ‘الفن العظيم الذي ظل قائما بعظمة رواده العرب الذين يضيفون إليه من روحهم الإبداعية عبر الأزمنة’، رابطة بين ‘القصة القصيرة بتقنياتها الخاصة واللحظة التاريخية التي تكتب فيها’، معتبرة أن القصة هي ‘الضمير الذي نراه جميعا، ولكنه بالكتابة يحمّل بتقنيات وثيمات لغوية وسردية تجعل من القراءة فعلا ممتعا يقدر ثراء الكلمة، وانه يمكن استبدال عبارة زمن الرواية بزمن السرد الجميل، وتعدد أشكاله، لكي لا تصبح الكلمة عبئا على المتلقي بفرض شكل بعينه وتمييزه عن الأشكال الأخرى’. من جهته بين مدير المدينة المهندس هيثم جوينات في حفل الافتتاح ‘أن ملتقى عمان للقصة العربية الذي يعود في دورة جديدة للسنة الثالثة على التوالي يجيء استجابة لما قرره الملتقى الأول الذي انعقد العام 2009 بحضور نخبة من الكتاب، باختيار عمان عاصمة للقصة في العالم العربي، ووجدنا أن الاختيار ينسجم مع التوجهات الثقافية العامة التي نواصل العمل لأجلها في مديتنا ذات التنوع الثقافي الثري لتكريس قيم سلوكية مدنية، بخاصة أن القصة ارتبطت ببروز الخصائص الفردية في المجتمعات المعاصرة، حيث تشكل قضايا الحياة اليومية وتفاصيلها الموضوع الأساسي في عالم الكتابة القصصية’، ‘إننا نسعى جادين في كل سنة إلى تطوير الملتقى شكلا ومضمونا حفاظا على قيمته وسعيا لتكريس حضوره في ساحة الأدب العربي وهو أمر لا يمكن تحقيقه من دون المساهمات القيمة التي تتفضلون بتقديمها سواء خلال انعقاد الملتقى أو قبله أو بعده’. وكانت القاصة بسمة النسور مديرة الملتقى قالت في معرض إدارتها لحفل الافتتاح الذي أقيم في مركز الحسين الثقافي، مرحبة بالضيوف: ‘هو ذا الشمل يلتئم، مرة ثالثة، كما وعدنا، شمل كتاب القصة، نقادها، دارسيها،’قراءها، ومحبيها، وقد توافدوا من المغرب غربا، إلى عُمان شرقا، ومن سورية شمالا، إلى اليمن جنوبا، مرورا بمصر وتونس وفلسطين والعراق والكويت والبحرين، ليلتقوا في الأردن وإذ تحتضن عمان احتفاءنا بالقصة مرة أخرى، فإنما انطلاقا من رغبة صادقة في أن تكون عاصمة القصة العربية، وهو ما كان أعلن عنه بلا تردد في غير مناسبة، أبدت فيها امانة عمان الكبرى الجهة المنظمة للملتقى ما يبدو انحيازا لفن ادبي راسخ الجذور، متين البيان، يواصل دربه من بين فنون الكتابة الأخرى، بثقة تليق به’. ندوة استذكارية للراحل غسان كنفاني وحضر القاص والأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، الذي مرت ذكرى اغتياله في الثامن من شهر تموز/يوليو، في أولى أيام الملتقى، عبر قراءات وشهادات نقدية في مسيرته، وقصصه التي كتبها منذ نهاية الخمسينيات وحتى مقتله في بيروت عام 1973. الندوة الاستذكارية للراحل كنفاني أدراتها الكاتبة سميحة خريس، وتعذر حضور القاص الفلسطيني حسن حميد المقيم في سورية الندوة -لأسباب قاهرة ـ وكان أول المتحدثين الناقد نزيه أبو نضال، قدم ورقة بعنوان ‘غسان كنفاني قاص.. حين يكون الخطاب إبداعا’، أكد فيها على القيمة الفنية العالية لقصص كنفاني، والتزامها في الهم الوطني في آن واحد، مبينا أنه ‘بقدر ما كان أديبا ملتزماً بقضايا وطنه، كان غسان، أيضا، فناناً ومبدعاً كبيرا’، منوها أن ‘فلسطين، في قصص غسان كنفاني، لم تكن مجرد وطن احتل؛ فحسب، ولكنها رمز يتسع لكل قضايا وعذابات الإنسان’. وتحدث الدكتور محمد عبيد الله عميد كلية الآداب والفنون في جامعة فيلادلفيا في ورقته ‘غسان كنفاني ونقد القصة القصيرة’، عن غسان كنفاني الناقد الساخر والقاسي بنقده والمبدع الملتزم حيث ربط فكرة الإبداع بالالتزام وان الأديب الثوري هو ثوري بإبداعه أيضا وليس على الورق فقط، مع الاحتفاظ بالمقاييس الإبداعية بما يليق بالفكر الثوري. وبيّن الناقد الدكتور محمد عبيد الله في ورقته ‘غسان كنفاني ناقداً’، أن غسان كنفاني كان أديباً ثوريا في إبداعه، ‘ذلك أن المسار الثوري، بالنسبة له، لا يحمي الكتابة الرديئة التي تسيء للقضية التي تتناولها أكثر مما تدافع عنها، من هنا نفهم قسوة غسان كنفاني على الكتابات الرديئة التي كانت تطرح باسم الدفاع عن القضية الفلسطينية’، مستعيدا بعض مقالات كنفاني التي انتقد فيها الكثير من الكتاب العرب، وكتبها تحت اسم ‘فارس فارس’. وسلط الناقد الدكتور حسين جمعة الضوء على العلاقة بين حياته وبين إبداعه مستشهدا ببعض النصوص التي أكدت على متلازمة هذه العلاقة وأهميتها وأثرها في منجزه.

كان غسان كنفاني حاضرا بكل ألقه وشعث أيامه، مبينا ‘أن قصص كنفاني تحمل ملامح الحياة والموت، وتنفذ إلى أسرار النفس الإنسانية، مشحونة بقوة الكشف والاستكشاف’، مبينا أنه ‘كان لديه مسلك فني مغاير في أطروحاته الأدبية، لقد شق طريقاً غير مألوفة، سارت عليها أجيال من بعده. غسان كنفاني كاتب استمد مشروعه من عمق مأساة شعبه، وتفحص الظروف، بذكاء حاد، ورؤية متفردة، كرسته واحدا من أهم أدباء العربية’. اليوم الثاني: شهادات إبداعية في كتابة القصةخصص اليوم الثاني لشهادات إبداعية قدمها طالب الرفاعي/ الكويت، عبد العزيز بركة ساكن/ السودان، ومحمد إبراهيم طه /مصر، أدارت الجلسة الروائية والقاصة ليلى الأطرش التي وصفت الرفاعي ‘بالاسم البارز في عالمي القصة والرواية وفاز بجائزة الدولة التشجيعية للآداب في دولة الكويت’. يختزل القاص الكويتي طالب الرفاعي تجربته بالقول: ‘الكتابة حيلتي الوحيدة كي احيا يومي بأقل الخسائر’ وذلك ضمن فعاليات ملتقى عمان الثالث للقصة القصيرة’. وزاد ‘كتبت قصصي ورواياتي مختلسا النظر لوجوه وهمسات من عبروا على درب عمري وقارئا في وجوه وحوائط وأبواب وأصوات وروائح شوارع وأحياء وشواطئ بلدي’. وبين الرفاعي ‘لقد نشأت وتربيت في بيئة اجتماعية متسامحة دينيا واجتماعيا يتجاور فيها الكويتي إلى جانب العربي والأجنبي وربما اختياري الهندسة المدنية في جامعة الكويت، ومن ثم عملي في المواقع الإنشائية طوال 15 عاما وسط جيش والرطانات البشرية من مختلف بقاع الأرض كرسا محبتي وقبولي وتشربي بحضور الآخر إلى جانبي، وارتباط مصيري بمصيره’، مبينا انه استمد تجربته في مجموعته القصصية الأولى من العمالة الوافدة العربية والأجنبية’. ويعترف الرفاعي أن الكتابة مهنة شاقة ‘وهي قدر يتطلب شجاعة من الكاتب لأنه يعيش وحدته المختارة فهو يقرأ وحيدا ويكتب وحيدا’. وقال الرفاعي إن الصدفة التي قابل فيها الكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل فتحت له آفاقاً كبرى نحو التعرف إلى الأدب الروسي، ثم الأمريكي’والأوروبي. وأضاف أن كتاب ‘الأم’، لمكسيم غوركي، ‘كان أول نص أدبي أقرأه، بعدها توإلى اطلاعي على المنجز الأدبي لغيره من الكتاب، كديستويفسكي، وبوشكين، قبل أن أنتقل للأدب الغربي، وأخيراً العربي’. والكاتب طالب الرفاعي، مهندس مدني، ومؤسس مجلة ‘فنون’ الكويتية، أصدر في القصة: ‘أغمض روحي عليك’، و’مرآة الغبش’، و’حكايا رملية’. واستعاد الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن ‘طفولته في دارفور، وتأثره بطقوس الحياة الاجتماعية، والخرافات الشعبية، كما وتحدث عن تأثير كل ذلك في مسيرته القصصية، ثم انتقل للحديث عن فترة دراسته في جامعة أسيوط، بمصر، وتأثره بعدد من الكتاب المصريين، مختتماً بالقول إن ‘الكتابة فخري، ولعنتي، وخوازيق روحي’. والكاتب عبد العزيز ساكن أصدر العديد من المجموعات القصصية والروايات، منها: ‘موسيقى العظام’، ‘العاشق البدوي’، و’الطواحين’. وبين المصري محمد إبراهيم طه، في شهادته الإبداعية أنه ‘استلهم أجواء القرية المصرية، والأساطير والخرافات الاجتماعية في معظم أعماله، متوصلاً إلى نتيجة مفادها أن العلم والأسطورة يتعايشان مع بعضهما، ولا يمكن لأحدهما إزالة الآخر’، منوها بتأثره العميق بعوالم القرية التي ولد بها، في محافظة بنها، وقال إن مجموعته الأولى ‘كانت عن عالم القرية المدهش والفسيح’، مبينا ‘أن البساطة في التعبير لا تعني، أبداً، بساطة القضايا التي نطرحها، أو سهولة فهم العالم من حولنا’. وصدر لطه الطبيب الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية، وجائزة الشارقة للإبداع، في القصة: ‘توتة مائلة على نهر’، و’الركض في مساحة خضراء’. اليوم الثالث: تكريم القاص محمود الريماويوخصص ملتقى عمان الثالث للقصة القصيرة، يومه الثالث لتكريم القاص محمود الريماوي أحد أبرز رواد القصة. الندوة أدارها الروائي الكويتي طالب الرفاعي، بمشاركة النقاد الدكتور علي العسيري/ المغرب، الدكتور لؤي حمزة عباس/ العراق، الدكتورة مريم جبر/، فضلا عن شهادة إبداعية قدمها الكاتب المكرم.

في تقديمه للريماوي قال الأديب طالب الرفاعي إن صديقه المكرم أحد المثقفين العرب الذين أسهموا في نهضة الكويت الفكرية والحضارية، مشيرا إلى ‘أنه كان من أبرز الكتاب في صحف ومجلات الكويت وقد أغناها بعطائه القصصي المميز، تعرفت إليه في السبعينيات، وجدته رجلا صامتا، لا يسهل اختراقه، لكنه في ذات الوقت إنسان بسيط يفتح قلبه لمن يثق به ويحبه’. وبين الناقد المغربي علي العسيري في ورقته ‘نحو تأصيل واقعية الحدث في قصص الريماوي’ أن كتابات الريماوي ذات مسار إبداعي غني ومتنوع، وتتسم قصصه بعلامات مثيرة للاهتمام، وتعلن عن إيحاءات مستلهمة من تجربته الحياتية، سؤال الكتابة عند الريماوي حريص على اكتشاف الحياة والبحث فيها، وقصصه تتعالق بأكثر من شكل فني وحدث واقعي وذلك لإثراء مفهوم الحبكة، إنها قصص تسعى لتشخيص الأحداث وفق أسلوب تصويري مستمد من الحياة اليومية’. وعاين الناقد العراقي الدكتور لؤي حمزة عباس في ورقته ‘محمود الريماوي.. سحر القصة القصيرة’، التقنيات الفنية والأساليب اللغوية والمضامين الانسانية لقصص الريماوي، منوها أن ‘الريماوي يبني المتن اللغوي لقصصه على إدراك بطبيعة اللغة خارج النص القصصي واقتناص نبرتها، والتضاد عنده يصل إلى مفارقات أقرب إلى الشجن، وقصته تنشأ في رحابة التجربة الإنسانية’، لافتا أن قصصه تشف عن ‘اجتهاداته ومعتقداته وأفكاره في الحياة، متنقلاً بممكنات الكتابة على طريقة اللعب لاجتراح صيغ جديدة للقصة، واللعب القصصي عنده يناور مع اللغة ويسعى لهدمها، باحثاً عن مسافة أقصر بين المواجهة والتماس’. وتذهب الناقدة الدكتورة مريم جبر إلى أن ‘قصص محمود الريماوي تقوم على شيفرة النص الملتبسة بالأحداث اليومية، والمكان الغائم التفاصيل، وهي قصص ذات أبعاد أخلاقية وتلامس خبايا النفس البشرية، بلغة سلسة تعتمد على سهولة الأداء في الجملة القصصية’. محمود الريماوي: فن القصة لا ينوء بإرث ثقيل القاص المكرم محمود الريماوي قدم شهادة إبداعية، قال فيها: يدهشني شعورٌ يساورني بأن قصصي التي كتبتها باتت تقبع ورائي.. بعيدةً عني، وأن صلتي الحالية بها ‘موضوعية’ بأقل قدر من الهوى الذاتي حيالها، وأن عاطفتي نحو تلك القصص طيبة جداً لكنها ليست متأججة لم أتوقع من قبل أن يتلبسني شعورٌ كهذا، فقد كان في حسباني أن المبدع يستقوي بإبداعه على عاديات الزمان، ويتحصن به في مواجهة تفاهة الحياة وتخثرها.

أجل من دواعي الدهشة أن لا أتشبث بقصصي كما يتشبث مراكبيّ بمجذافه، ومزارعٌ بفأسه ومحراثه، ومحارب عبر العصور بدريئته، وأن أدع تلك القصص تبحث بقوتها الذاتية عن حظها في اجتذاب قارئين’لها، وتصارع من أجل الديمومة.

وإذ أسائل ذات نفسي: علام ينتابني هذا الشعور.. أهو إمارة على تبخيسٍ لقيمة للفن والمنجز الإبداعي بعد طول إيمان به؟ أم هو لون من عدمية تضرب صفحاً عما يخُطّه العابر على رمل الأيام؟ أم أن صاحب الشعور بلغ من العمر والتجربة عتياً، ما لا يعود ينفع معه التلهي بتقليب دفاتر قديمة؟.

في القناعة أن هذه التساؤلات على أهميتها لا تجيب عن مغزى التباعد عن أثر’منجز، وأن الجواب كامنٌ على الأرجح في أن المبدع يظل يستولي عليه ذلك الشعور المُمض بالنقصان، وأنه لا ينفك يواصل سباقه العبثي مع الزمن، لاستجلاء مكامن روحه: هندستها وموسقتها، كيما يبرهن المبدع أن ثمة قصصا لم تُرو ولم تكتب بعد، وأن حياة المبدع تتجدد ويصنعها على هواه بقوة الإبداع، وأنه ليس محض كائن حي عضوياً، ولا هو مجرد عقل يعقل. لهذا عُدّ المبدع خلاقاً إذ يجترح حياة نابضة موّارة، توازي الحياة المنظورة والمتبددة. بل إنه يولد مرات مرة بالميلاد البيولوجي، ومرات لاحقات بصنيعه الإبداعي كما كتب ذات مرة أمين شنار.

لطالما آمن محدثكم بأن الإبداع القصصي يتجاوز الأشكال والبنى قديمها وحديثها، وأن فن القصة من المرونة بمكان، بحيث يتسنى ولوجه من مداخل شتى بما في ذلك نسق الحكاية المتوارث. يضغط على الشعراء عمود الشعر التقليدي وأغراض الشعر المصفوفة، فسعى ويسعى شعراء محدثون للتفلت وطرح العمود والأغراض جانباً. ليس هناك من إرث قصصي جسيم، أو مواضعات قصصية ثقيلة وقارّة ينوء بها كاهل القاص العربي، بحيث يجهد القاصون للتحرر من هذا وتلك. لسببٍ مثل هذا تتعدد الأشكال والبنى في ما كتبت من قصص، مدفوعاً ليس فقط بالإيمان بأن كل قصة تختار شكلها ونسقها وإيقاعها، بل كذلك بالنزوع الى مقاومة الجمود والثبات.. والضيق من الصنعة التي تستقر على أشكال وتتكرر بها وتأسر صاحبها، والوعاء الواحد قد يرشح منه مضمون متكرر، فإذا لم يحرر الفن صاحبه من العادات بما في ذلك عاداته هو، فمن تُراه يُحرّر الفن إذن؟.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية