د. عصام نعمان الرئيس محمد مرسي صانع اخبار من الطراز الاول . يفعل ذلك في كل محفل اجتماعي يحضره، وفي كل قرار سياسي يتخذه .الاخبار الإجتماعية، الإيجابية منها والسلبية، ليست مهمة لمرسي لأن لا تأثير سياسياً لها إلاّ بمقدار ما تنعكس على صورته العامة. لكن القرارات السياسية مهمة لأنها تعبّر، في قليل او كثير، عن خيارات الرئيس المصري وسياسة بلاده في عهد ‘الاخوان المسلمين’. مرسي لفت وسائل الإعلام المرئي عندما قام خلال وجوده في نيويورك بلمس منطقة حساسة في جسده اكثر من مرة اثناء اجتماعه مع رئيسة وزراء اوستراليا جوليا جيلارد الامر الذي اعتبره التلفزيون الاوسترالي كسراً لقواعد البروتوكول الديبلوماسي. لا اثرَ ولا تأثير سياسياً لفعلة مرسي لأن اوستراليا ليست دولة مؤثرة في المنطقة، ومصر لا تطلب منها قروضاً او مساعدات اقتصادية.الى ذلك، جلس مرسي بجانب الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون متحدثاً عن تراث مصر ومدنيتها وحقوق الاقليات فيها ليقوم، فجأة، امام وسائل الاعلام المرئي والمسموع بإخراج منديل من جيبه ثم يبصق فيه ويتمخط . لا اثرَ ولا تأثير مباشراً لفعلة مرسي الثانية لأن كلينتون ليس، حالياً، رئيس الولايات المتحدة التي تمدّ مصر بالقروض والمساعدات وينتظر منها الرئيس المصري المزيد.غير ان مرسي استوقف الجميع، في الداخل والخارج، عند قيامه بمنح قلادة النيل (اعلى وسام مصري) ووسام نجمة الشرف لإسم الرئيس السابق انور السادات ‘تقديراً لقراره التاريخي في حرب اكتوبر العام 1973’. كما قام مرسي بوضع إكليل من الزهور على قبر السادات وصافح، خلال الإحتفال، افراد عائلته وبينهم ارملته جيهان وابنه جمال.صحيح ان مرسي قام ايضا بمنح اسم رئيس اركان حرب القوات المسلحة المصرية إبان حرب اكتوبر الفريق سعد الدين الشاذلي قلادة النيل العظمى ‘تقديراً لدوره الكبير في الحرب’، إلاّ انه لم يشر في حيثيات منح الوسامين للسادات والشاذلي الى موقف كلٍ منهما من مسألة السلام مع ‘اسرائيل’. فالسادات ذهب الى القدس المحتلة، وخطب في الكنيست، وابرم عقب اتفاقات ‘كامب دايفيد’ معاهدة سلام مع ‘اسرائيل’، في حين اختلف الشاذلي مع السادات في اثناء حرب اكتوبر واتهمه بوقف اندفاعة الجيش المصري لتحرير سيناء بعد عبوره قناة السويس وذلك نزولاً عند ضغوط الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسينجر في إطار ترتيبات لمباشرة مفاوضات ثنائية تقود الى معاهدة صلح وبالتالي الى إخراج مصر من حومة الصراع العربي-الإسرائيلي.هل من دلالة سياسية لتكريم السادات ؟الإسلاميون في هذا المقام فريقان . بعضهم يعتقد ان ‘التكريم هو بمثابة إعادة الحق الى أصحابه’. بعضهم الآخر يرى في قرار مرسي خطأً كبيراً لأن السادات ‘أساء الى الدعوة الإسلامية، وسبّ شيوخها، وتعاهد مع الاميركيين واليهود، ولم يكن يعمل على تطبيق شرع الله في الارض’. غير ان الفريقين متفقان على تفسير قرار مرسي بالتكريم بأنه ‘مواءمة سياسية ‘.ناجح ابراهيم، احد مؤسسي الجماعة الإسلامية التي كانت دبّرت اغتيال السادات، أثنى على قرار مرسي بتكريم الرئيس الراحل وبرره بأن ‘السادات افرج عن اعضاء الجماعات الإسلامية من سجون جمال عبد الناصر’، بل ذهب الى أبعد من ذلك بتبرير اتفاقات ‘كامب دايفيد’ لأنها ‘سمحت لمصر بأن تكون أفضل من تركيا حالياً، لكن مبارك رفض ان يفعل ذلك’.إذ تسعى الجماعة الإسلامية الى التبرؤ من ماضيها المعادي للغرب، يجزم الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عبد الوهاب عيسى بأن تكريم مرسي للسادات ‘محاولة لكسب الغرب الى صف الاخوان المسلمين . فمرسي يمجّد رجل الغرب الاول ويزيد من طمأنته الى ثبات ‘كامب دايفيد’ والى الاوضاع في المنطقة’.عن التناقض بين كون الجماعة الإسلامية قتلت السادات وهي ترحب بتكريمه الآن، قال عيسى إن ‘الجماعة اختلفت كلياً عما كانت عليه وقت قتل السادات. لقد وصلت الى آخر الطريق في العنف، والآن تريد بدء حياة جديدة بلا عنف’.الناصريون، قيادةً وقاعدة، استهجنوا تكريم السادات لكونه ‘صانع كامب دايفيد’. اعتبروا ذلك دليلاً قاطعاً على جنوح الاخوان المسلمين الى التقرب من الغرب وممالأة الولايات المتحدة. اما الليبراليون فقد عبّر عن موقفهم المتحدث بإسم حزب المصريين الأحرار احمد خيري بقوله: ‘إننا نذكّر الرئيس مرسي بأن هناك شهداء يستحقون التكريم، اولاً بالإقتصاص لهم، وثانياً بالإنتصار للمبادىء والاهداف التي استشهدوا من اجلها’. بقدْر ما يتكوّن شبه إجماع على ان تكريم السادات خطوة رمزية ‘اخوانية’ لكسب الغرب عموماً وامريكا خصوصاً، بقدْر ما تتصاعد حيرة شبه جماعية إزاء خطوة اخرى، غير رمزية، اتخذها القضاء المصري بإختياره وقراره، او بإيعاز من مرسي الذي لن يتوانى عن الإفادة منه . القرار المنوّه به هو الحكم الصادر عن محكمة مصرية بحق ‘امبراطور الحديد’ و’طاووس المال والسياسة’ و’مهندس التزوير’، امين التنظيم في الحزب الوطني الحاكم في عهد حسني مبارك، احمد عزّ. الحكم قضى بسجنه سبع سنوات وبتغريمه ‘مبلغ 12 بليوناً (ملياراً) و 858 مليوناً و 490 الف جنيه، وإلزامه المصاريف في قضية غسل اموال بلغت 6 بلايين (مليارات) و 429 مليون جنيه، المتحصلة من جريمتي التربّح والإستيلاء على المال العام’ .الصحافية المصرية امينة خيري علّقت على الحكم القضائي المدّوي بقولها إن ‘الناشطين على ‘تويتر’ امسكوا بالآلات الحاسبة وتوصلوا الى ان قيمة الغرامة تفوق قيمة القرض المرتقب من صندوق النقد الدولي والذي اشعل الخلاف بين المصريين بين رافض وموافق لكن بتأفف’ . اضافت : ‘عملاً بمبدأ القياس، فإن محاكمة ثلاثة او اربعة حيتان من زملاء احمد عزّ كفيلة بأن تمكّن مصر من إقراض الدول المجاورة’ .امينة خيري لم تكن تمزح . ذلك ان مجموع قيمة الغرامات موضوع الحكم ضد احمد عزّ تربو على مبلغ 25 بليون (مليار) جنيه مصري، اي نحو 4 بلايين (مليار) دولار اميركي، وهو مبلغ يفوق فعلاً ما تأمل مصر في إقتراضه من صندوق النقد الدولي. ولا شك في ان القضاء المصري سيغرّم اعضاء اسرة حسني مبارك وسائر حيتان نظامه، مبالغ تفوق بكثير ما حُكم به على احمد عزّ اذا ما قيض له ان يحاكمهم . لكن، هل يُحال هؤلاء الحيتان على القضاء؟ ام ان نظام الاخوان المسلمين سيتهاون في ملاحقتهم في سياق محاولته بناء علاقات تعاون اقتصادي مع الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً ؟.هل يعقل ان يحتار او يتردد الرئيس مرسي (والاخوان المسلمون) عند المفاضلة بين خيار التمويل الذاتي نتيجةَ احكام القضاء المصري (المنتظرَة) ببلايين (مليارات) الدولارات ضد سارقي المال العام، وخيار الرهان على الغرب وصندوق النقد الدولي للحصول على قروض ومساعدات أقل قيمـةً وأدنى مردوداً؟.’ كاتب لبناني