قبل أسابيع عدت ليلاً إلى بيتي وكان صوت سائق التاكسي دامعاً. قال لي بأسى: لقـــــد مــــات شــارل أزنافور (فنان فرنسي شهير/أرمني الأصل) ولم أقل له إن الرجل في الرابعة والتسعين من العمر، وقد عاش طويلاً وأبدع كثيراً، ولكن علينا جميعاً ألا ننسى أننا سنموت ذات يوم. حين وصلنا قرب بيتي شاهدت صورة أزنافور الضوئية على (جسر ديينا) أحد الجسور الجميلة في باريس، أما جاري «برج إيفل» فقد كان يرتدي حلته الضوئية الخاصة بالمناسبات الوطنية الكبيرة.. إكراماً لأزنافور.
نشرات الأخبار كانت مكرسة للحديث عن مسيرة شارل أزنافور الفنية.. منذ شبابه، وفي حوار له قبل موته بأيام قال: أنا فرنسي لكن جذوري ما زالت في أرمينيا. حياة أزنافور العائلية كانت بعيدة عن الإعلام الفضائي، ولعل في ذلك بعض عناصر نجاحه الإبداعي، وكان (زعيم) أسرة متماسكة، وزوجته الثالثة «أوللا» منذ نصف قرن لم ير أحد صورتها إلا في جنازته!
قبل موته بخمسة أيام قال على القناة الخامسة الفرنسية التي حاورته حين سألته مقدمة البرنامج: ألم تتعب من الغناء؟ وأنت الذي باع 180 مليون (ألبوم)، أجابها: حين أكف عن الغناء أموت.. وهو شعور يفهمه كل مبدع في الحقول كلها.
مجلة «تايم» الأمريكية نشرت صورته على غلافها ولقبته بمغني القرن، وهو الذي لقي في U.S.A نجاحاً كبيراً بنبرته الرومانسية الشرقية.
من الجميل أن يدعم المشهور الذي عانى طويلاً حتى رسخ دعائمه، أن يدعم جيلاً شاباً مبدعاً.. وهكذا احتضن أزنافور المغني جوني هاليداي في بداياته كما العدد الكبير من الشبان الذين نجحوا وصاروا مشهورين بفضله.
وفي المأتم الرسمي الذي أقيم له في ساحة «الأنفاليد»، خطب رئيس الجمهورية الحالي السيد ماكرون ووصفه بضوء في الأغنية الفرنسية، قائلاً إن الشعراء لا يموتون في فرنسا. وكان أزنافور شاعراً في أغانيه التي كتبها بنفسه ولحنها. ورثاه الشبان الذين لم يتوقف يوماً عن دعمهم، وهو الذي لم يدعمه أحد تقريباً، لكنه ثابر بموهبته وإصراره وغنائه الإبداعي ونجح عالمياً.
من وجهة نظري أجمل نجاح حققه أزنافور هو أنه ظل متواضعا رغم شهرته العالمية.
التقيته منذ أعوام حين كان يغني في باريس في قصر المؤتمرات (باليه دي كونغريه) ويتمشى مع ابنته قبل موعد الحفلات في شارعين مسقوفين داخل المبنى العملاق في (بورت مايو)، وذلك بين فندق كونكورد لافاييت (تبدل اسمه اليوم) وكان الطقس الباريسي بارداً (تحت الصفر)، ولذا كنا، زوجي وأنا، نتمشى هناك أمام واجهات المخازن الفخمة.
لم يحط به المعجبون إذ لم يتوقع أحد تسكعه ذلك. بعدها ذهبت برفقة زوجي إلى «كافيتيريا» الفندق، وأمام الباب الضيق وجدتني وجهاً لوجه أمام أزنافور، وقلت له بعفوية: مساء الخير (مسيو) أزنافور. وتنحى عن طريقي قائلاً بتواضع وبمودة: مساء الخير يا سيدتي. بعدها التقيته وزوجي مرات في السوق المسقوفة، وكان دائماً دافئ الرد على التحية بكل تواضع. بل صار (يبادرني) بها!
ثم التقيته في بيروت مصادفة أيضاً، إذ كنت مع صديقتي الحميمة سميرة ش.ج. ابنة مرجعيون في فندق فينيسيا حيث حرصتْ على اصطحابي (كلما زرت بيروت) إلى مرافق عامة جددت نفسها بعد الحرب، وكنا نشرب القهوة ومقابلي طاولة عليها عدة أشخاص حين هبط شارل أزنافور من غرفته وشاهدني وحياني بدفء ورددت عليه بالدفء ذاته ـ وسألتني سميرة دون أن تلتفت إلى الخلف: من الذي تحيينه؟
قلت لها: شارل أزنافور. لم تصدقني طبعاً.
وقالت ضاحكة: شارل أزنافور يحييك وأنا ملكة بريطانيا!
قلت لها: التفتي إلى الطاولة خلفك. وفوجئتْ سميرة حين شاهدت حقاً أزنافور وكان قد جاء إلى بيروت للغناء.. للمرة الأخيرة.
تواضع أزنافور كان عفوياً، وذلك في نظري أجمل ما تركه.
طلب مني أحد المنابر، مؤخراً، الكتابة عن روائي سوري بمناسبة رحيله ولم أستطع.. فأنا أكره الغرور.
قبل أعوام ترجم شاب جزائري لي إلى الفرنسية، وطلب مني الحصول له على إذن لترجمة إحدى روايات ذلك الروائي السوري نصف المبدع، المشهور بفضل الدعم الرسمي له. وهاتفته حول ذلك مستأذنة بإعطاء عنوانه للشاب المترجم. لكن الروائي قال إن على الشاب الاتصال «بوكيل أعماله الأدبية» كما لو كان نجماً «نوبلياً»! هكذا، بعجرفة، أرادني الرد على الشاب الطيب كما لو كان دوستويفسكي عصره.. ولم أفعل! ولم يترجم الشاب الطيب له. ومضى الزمان وعما قريب يطوي الزمان أعماله المعتدلة القيمة فنياً، وهو الذي تصرف بغرور وعجرفة.. وهي صفة أكرهها. ولذا أجد أن أهم صفات أزنافور تواضعه قبل إبداعه، تواضعه الذي ينبع من روحه دونما تصنع.. فالغرور مرض العصر لدى أهل العظمة. والمغرور ينفر الناس منه أياً كان من يدعمه من خارج المقاييس الإبداعية.