تكريم في الصميم!
أمجد ناصرتكريم في الصميم!فيما صوره، بسيجارته الشهيرة تتدلي من فمه، تتوالي علي الشاشة التي رصدت بالصوت والصورة أهم انجازاته في الشعر والمسرح، كان الرجل بـ دشداشة ونظارة طبية ضخمة يصعد، بمعونة شاب، إلي طرف المسرح، ثم ليتقدم، يد في يد مرافقه وفي الأخري العكازة ، إلي منصة التكريم.لم أكن رأيته وجهاً لوجه من قبل.كنت أعرف أنه مريض ولكن ليس إلي هذا الحد.أتحدث، هنا، عن شاعر حزن في ضوء القمر و غرفة بملايين الجدران و الفرح ليس مهنتي : محمد الماغوط، والمناسبة هي نيله جائزة سلطان العويس للشعر.التكريم والتقدير هما تكريمان وتقديران معاً: الأول لهذا الشاعر المغرد، أبداً، خارج السرب، الحاد والصريح حد الجرح، الفلاح (أو البدوي) الذي لم تروضه المدن ولكن هدَّه السعال والأحزان والأزمنة العربية التي تكرُّ إلي أسفل كصخرة سيزيف .أما الثاني: فهو لهذه القصيدة التي فتحت للشعر العربي أفقاً علي المفاجيء والمهمل واليومي في اللغة والمعني.ومَن أحق من محمد الماغوط بهذا التكريم الذي يأتي الشاعر وما زالت في صدره أنفاس مطعونة بالسعال والغضب اللذين لا يعرفان تصالحاً مع الرداءة السيّدة؟من أحقُّ من صاحب الأحزان التاريخية المتوارثة من أزمنة ابي ذر الغفاري إلي زمن جورج بوش الابن بهذه الجائزة (التي لم تأت بعد فوات الأوان، لحسن الحظ) من نسر الدموع و سيَّاف الزهور ؟لا أحد.إلاّ إذا استثنينا رفيقه في ارتياد أرض جديدة للقصيدة العربية الحديثة وشبيهه في الزهد والتواري، تعففاً، عن الأنظار:أنسي الحاج.فهذان حدادان كبيران.لكل واحد مطرقته وقيره.لكنهما طرقا الحديد نفسه، ونفخا ناراً في مصهره من جانبين حتي لان واستوي جاهزاً لاستخدام من سيأتي بعدهما.نفرح، نحن تلامذة هذين المعلمين الكبيرين، أن يكرّم احدهما، بانتظار أن لا يتأخر تكريم الثاني، ففي ذلك تكريم للطريق نفسها واعتراف، لا تنبغي مساءلة مشروعيته، بعد.والأمر الذي يجعل هذا التكريم خالصاً لوجه الشعر نفسه أن هذه الجائزة لم تحط، منذ انطلاقتها، بالشبهات، ولا بالحسابات التي نادراً ما تغيب عن الجوائز العربية الأخري، خصوصاً، تلك التي رصدها أثرياء لوضع اسمائهم، من دون حق، في سجلٍ هم أبعد ما يكونون عنه.تكفي نظرة واحدة علي أسماء الكوكبة الكبيرة التي نالت هذه الجائزة في حقول الشعر والقصة والرواية والانجاز الثقافي لتؤكد صواب (بل وجسارة) اختياراتها: عبد الرحمن منيف، سعد الله ونوس، عبد الوهاب البياتي، سعدي يوسف، نزار قباني، إدوارد سعيد، صنع الله ابراهيم، جمال الغيطاني، الجواهري، احسان عباس، قاسم حداد، زكريا تامر، عبد الوهاب المسيري.. محمود درويش، أدونيس وغيرهم.فهذه أسماء كبيرة وحقيقية في الحياة الثقافية العربية انحازت، دائماً، إلي خيارات سياسية وفكرية مغايرة للسائد، وتطلعت، بكل حرقة وشغف، إلي غد عربي أفضل.فجائزة تمنح لهؤلاء لا أظن أنها تصدر من موقع ترسيخ السائد وتأبيده، كما شأن الكثير من الجوائز العربية، التي تمنحها السلطات لشراء الذمم أو الأثرياء كأعطية.وجوائز هذه الدورة تذهب، في معظمها، إلي منجز أدبي وثقافي وعلمي لا شك في جدارته وريادته خصوصاً في الشعر والنقد والعلوم والانجاز الثقافي.0