تكلم براحتك
عزت القمحاويتكلم براحتك اتكلم براحتك شعار ترفعه في إعلاناتها إحدي شركتي الهواتف النقالة في مصر، بينما ترفع الشركة الأخري شعار ما تفوتش لحظة أي ألا يدع المشترك لحظة من دون كلام! الشعاران ملغومان ككل الشعارات التي مرت بنا وكلفت من صدقوها الكثير من الندم. والذين ابتدعوا الإعلان (المصيدة) يعرفون أن اللصوص فقط وشيوخ المناسر يمكنهم أن يتحدثوا براحتهم؛ فسعر الدقيقة في مصر يتجاوز عشرة أضعاف سعرها في العديد من البلدان ذات الدخل المرتفع، بل إن صاحب إحدي الشركتين المتقاسمتين لدماء المشتركين المصريين يقدم الخدمة ذاتها في دول أوروبية ملتزماً بشروط السوق، بل ومزايداً علي الشركات الأخري في مسألة رخص السعر! والحال في الهواتف المحطوطة التي تحتكرها الشركة الحكومية ليس أفضل حالاً من الهواتف المحمولة، حيث تفخر الشركة بأنها القطاع الوحيد بالدولة الذي يحقق أرباحاً، وليس أية أرباح، فقد وصلت وفورات الجباية التليفونية مليارين من الجنيهات، وهو ما يساوي أربعة أضعاف ثمن سلسلة محلات عمر أفندي التي أهدتها الحكومة إلي شركة سعودية نظير نصف مليار جنيه! نهايته، ليست التليفونات إلا باباً واحداً من أبواب سلخانة الأسعار المصرية، وشعارات شركتي الهواتف الخاصة التي تحتل شاشات التليفزيون وأسطح البنايات وصفحات الصحف، ليست الإعلانات الوحيدة أو الشعارات الوحيدة التي تغرر بالضحايا. والشعاران ليسا اختراعاً خاصاً بشركة المحمول المصرية، لكنهما شعارا مرحلة طالت ولا كاشف لها إلا الله. اتكلم براحتك و ما تفوتش لحظة شعار واحد تسوقه أجهزة إعلام الحكومة في كل مرة يجد جديد في السياسة، وللحق فإن الحكومة لاتراوغ في هذه المسألة ، لكنها صادقة كل الصدق في تطبيق الشعار، بعكس شركات المحمول أو الدكتاتوريات الفجة محدودة الأفق، فلا فاتورة يدفعها المتكلم من جيبه لشركة الهواتف، أو من عمره لشركة السجون! ولايقف حق الكلام في مصر عند كونه حقاً، بل إنه في بعض القضايا الملحة كتعديلات الدستور مثلاً يصبح واجباً، هكذا تقول النداءات الملتاعة لمذيعي ومذيعات التليفزيون والإذاعة المصرية: الدستور كتاب الوطن.. شارك برأيك في مناقشة التعديلات . وقد شارك برأيه حتي الآن العشرات فالآلاف فالملايين، بعضهم شارك بمرارة حتي من غير هذه الدعوة الكريمة، الجميع تكلم براحته، والجميع يعرف المواد الزلقة التي سينطوي عليها دستور المستقبل. ولكن التعديلات ستصدر في الصورة التي تقدم بها رئيس الجمهورية والجميع يعلم أنه لاتوجد أية فرصة للزحزحة خطوة واحدة إلي الأمام. لكن المناقشة واجب وفرض عين وعلي كل مواطن ألا يفوِّت لحظة من دون مناقشة. وقد يري متكلم (هو في الأصل مواطن) ضرورة تعديل المادة 77 من الدستور لتصبح مدة الرئاسة دورتين فقط، أي لتعود إلي ما قبل تعديلات السادات التي لم يستفد منها، بعد أن جعل الرئاسة أبدية بوسوسة من المطربة المغمورة وعضوة البرلمان فايدة كامل! وقد يري متكلم أو مواطن أنه لامحل للمادة الثانية التي تنص علي وضع الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع، وهي المادة التي تخيف دعاة الإصلاح الحقيقي ورعاة فكرة مدنية الدولة المصرية كما تخيف الأقباط ، لكن المادة التي تغازل الإخوان أعداء النظام الحميمين لن ترفع من الدستور، لأن النظام ليس في الوضع الذي يؤهله إلي دخول مواجهة من هذا النوع! وقد يري المواطن المتكلم ضرورة النص علي الإشراف القضائي الكامل علي الانتخابات من أول إعداد الجداول حتي إعلان النتائج، لكن النظام لن يسمح بهذه اللكاعة التي تتطلب إجراء الانتخابات علي أكثر من مرحلة وفي أكثر من يوم، بينما يحتاج المتعطلون المصريون إلي كل ساعة من وقتهم لزيادة الإنتاج!التعديلات مقررة سلفاً، لكن أحداً لايستطيع أن يقول إنه لم يتكلم براحته في هذا الشأن الوطني الهام، وإن كان هناك من فوّت لحظة من دون نقاش فهي مسؤوليته وحده، ويستطيع أن يتدارك الأمر؛ فكتاب الوطن لم يزل مفتوحاً. وإن كانت الرياح لاتأتي دائماً بما يشتهي الوطن، حيث سربت إسرائيل شريطها التسجيلي عن مذبحة لأسري مصريين قادها وزير البنية التحتية الحالي. وأمام هذه المصادفة غير السارة، كان لابد أن يغلق كتاب الوطن ويوضع علي جنب ولو إلي حين، حتي يتسني للجميع أن يغضب براحته، وأن يطالب بمحاكمة جرائم حرب لوزير البنية التحتية الإسرائيلي. هذا الغضب المؤجل أربعين عاماً اجتاح كل شيء، الوطن، وكتابه، وحراسه، ولصوصه، وأعضاء برلمانه.. الجميع غاضبون ولن يفوتوا لحظة. والمثير للغضب في هذا الغضب أن وقائع قتل الأسري، والتمثيل بجثثهم معروفة علي الجانب المصري منذ وقوعها، وهناك كتابات ووثائق وشهود عيان أحياء، إلا أن حكومات الحرب تغاضت عن الإلحاح علي الحق المصري في المحافل الدولية حتي لا تنكشف وقائع الدفع بجنود غير مدربين إلي جبهة القــــتال، ثم تغاضت عنها حكومات الصلح حتي لايغضب الإرهابيون شركاؤنا في السلام. ومن حق الغاضبين أن يغضبوا براحتهم وألا يضيعوا الفرصة في سب وزراء البنية التحتية والفوقية الإسرائيلية، حتي يشبعوا ويعودوا إلي كتاب الوطن، بلا أدني شك في حكمة حكومتهم وشجاعتها، في ذات الوقت، فقد طلب وزير الخارجية من الوزيرة الإسرائيلية ناعسة العينين توضيحات بشأن الفيلم الذي لم تشاهده، وكأننا كنا نحتاج إلي هذا الفيلم بالذات، لنتأكد من الإجرام الإسرائيلي مع الأسري المصريين أو المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. هذه الحقيقة كفيلة بألا تجعل الغاضب يستمر في غضبه أو يحرص عليه طويلاً؛ إذ سرعان ما يعود إلي كتاب الوطن مواطناً متكلماً براحته. 0