لندن -“القدس العربي”: كشفت شركة “إيرباص” المصنعة للطائرات مؤخراً عن نموذج جديد لطائرة مسيّرة تدعى “الطائرة المسيّرة الاختبارية ذات البصمة الرادارية المنخفضة”، وتضم تكنولوجيات تخف لم تكشف بعد. ومن التوقعات الواردة بأن تكون إحداها قائمة على قدرة التهرب من الرادار نتيجة غياب أسطح التوجيه التقليدية المتحركة. ويشير الكاتب إيريك تغلير، في مجلة “ساينتفك أمريكان” إلى أنه في القرن الماضي كانت آليات توجيه الطائرات تعتمد على “الأسطح المفصلية كالجناحين ودفاف التوجيه”. وعبر تبديل مواضع هذه الأسطح يتم تغيير شكل الأجنحة والذيل، وبالتالي تبدل كيفية تدفق الهواء حولها وضغطه، ما يسمح للطائرة بالمناورة بطرق مختلفة. ويتابع أن ” أسطح التوجيه التقليدية تتطلب لحامات معدنية خارجية تستطيع الرادارات رصدها بسهولة نسبية. أما الطائرة عديمة اللحامات فمن شأنها أن تتسم بقدرة أكبر على التخفي وتقدم أداءً أعلى. ويمكنها أيضًا أن تتميز بقلة الوزن والحجم والتعقيد والتكلفة، مقارنةً بالطائرات التي تستخدم طرق التوجيه التقليدية.”
وفي حين لم تكشف الشركة أي معلومات حول طبيعة الأسطح، إلا أن تغلير يقول “إن السعي نحو بناء طائرة تخلو من أسطح التوجيه المتحركة آخذٌ في التسارع بالتأكيد، فبرنامج “توجيه الطائرات الثورية باستخدام أجهزة توجيه جديدة” أو المعروف اختصارًا بـ”كرين”، المُنشأ حديثًا والتابع لوكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (داربا) التابعة للحكومة الأمريكية، قد طلب من المبتكرين في أغسطس/آب الماضي تصميم وبناء طائرة يمكن المناورة بها من دون أسطح متحركة، وإنتاج هذه الطائرة الصالحة للتشغيل بالحجم الطبيعي بحلول عام 2024.”
ومن المتوقع أن يتم توجيه الطائرة عبر آلية تدعى “التحكم النشط في التدفق”. ويشرح تغلير أنه “بدلًا من تغيير تدفُّق الهواء حول الطائرة بواسطة أسطح مفصلية متحركة يغيّر التحكم النشط من تدفق الهواء بطرق أخرى”. ويضيف أن “إحدى هذه الطرق، على سبيل المثال، هي دفع الهواء المُستخلص من محرك نفاث عبر فتحات يتراوح قطرها بين ملليمتر واحد وأربعة ملليمترات في أجزاء بعينها من سطح الطائرة”. أما الطريقة الأخرى فهي “استخدام مصفوفات من الأقطاب الكهربائية من أجل تفريغ شحنات كهربائية تسخن الهواء المحيط بالطائرة بسرعة ما يجعله يتمدد ومن ثم تغير من تدفُّق الهواء حراريًّا. وهذه التخلخلات في أماكن دقيقة من جسم الطائرة تغير قوتي الرفع والسحب في مواضع معينة بحيث تبدأ حركة الانحدار (رفع مقدمة الطائرة أو خفضها)، أو التقلُّب (رفع الجناح أو خفضه)، أو الانعراج (تحريك المقدمة إلى اليمين أو اليسار).”
ويقول الباحث في منظومات المركبات الطائرة في شركة “لوكهيد مارتن” الأمريكية دانيال ميلر إنه “تعود الأبحاث النظرية المعنية بالتحكم النشط في التدفق إلى بدايات القرن العشرين غير أن الاهتمام بها زاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية”. ورغم ذلك لم تنتشر هذه الآلية في التحكم النشط في التدفق. وحسب ميلر فإن ذلك يعود لأنه “لا يمكنك ببساطة دمج منظومة تحكُّم نشط في غالبية الطائرات إن كانت تلك المنظومة تستهلك 10 في المئة من طاقة الطائرة المتاحة”.
ويتابع تغلير أنه مع ذلك، أتقن الباحثون، في خمسينيات القرن الماضي “كيفية التلاعُب بتدفُّق الهواء عن طريق تحديد المواضع التي ستؤدي فيها دفقة هواء أو نبضة كهربائية إلى إحداث التأثير الأكبر. ومن الممكن تشبيه هذه العملية بإطلاق رصاصة على الهدف بدلًا من تدمير المنطقة كلها بقنبلة”.
وبحكم أن تقنيات التحكم النشط في التدفق تعد أكثر دقةً فإنها تستنزف درجات أقل من طاقة الطائرة. وعن هذا يقول ميلر: “أما وقد صارت النسبة 1في المئة من طاقة الطائرة فإن الأمور تبدأ في الاستقرار في نصابها”.
وقام الباحثون بعروض مستقلة لتكنولوجيا التحكم النشط في التدفق. وخلال السنوات الخمس الماضية، يقول تيغلر، “عكفت وكالة داربا على دراسة هذه الاختبارات”.
ويقول ألكسندر والان، أحد مديري البرامج في الوكالة، إنه “في عام 2015، أجرت وكالة ناسا وشركة “بوينغ” اختبارات مشتركة على منظومة محدودة في ذيل طائرة من طراز 757. وفي عام 2018 قامت طائرة مسيّرة صغيرة عديمة الذيل تُعرَف باسم “جهاز التوجيه المبتكر” (وهي من تطوير تحالُف مكون من لوكهيد مارتن والقوات الجوية الأمريكية ومعهد إلينوي للتكنولوجيا) برحلة طيران تجريبية ضمن أحد المشاريع البحثية التابعة لحلف الناتو.”
وتعد هذه النجاحات محدودة النطاق، ولكنها أقنعت الوكالة بأن الوقت بات مناسباً لاختبار طائرة تجريبية تستخدم تقنية التحكم النشط في التدفق. ويتابع والان في حديثه مع “ساينتفك أمريكان”: “في خضم عمليات وضع النماذج والمحاكاة، وتجارب المكونات وتجارب الطيران شعرنا بأن التكنولوجيا صارت ناضجةً بما يكفي ليكون من المُجدي تنفيذ برنامج لطائرة بالحجم الطبيعي”.
ومن المقرر أن ينفذ برنامج كرين على أربع مراحل: الأولى: توجيه الدعوة لتلقِّي المقترحات. يقول تيغلر: “تم بالفعل تقديم التصميمات من جانب مجموعة متنوعة من الفرق الأكاديمية والصناعية (من بينها قسم سكونك ووركس في شركة لوكهيد مارتن)”. وأوضح والان: “لم أرغب في تعلُّق الناس بمفهوم أو صورة في وقت مبكر”. ويضيف أن “الطائرة التجريبية ربما تكون مزودةً بطيار أو مسيّرة، كما قد تكون عديمة الذيل أو ذات مظهر تقليدي. بل من الممكن أن تُستخدم تقنية التحكُّم النشط في التدفق بالترافق مع أسطح التوجيه المتحركة التقليدية.” ويتابع والان: “إذا أراد شخصٌ ما أن يصمم طائرة مقاتلة غير مزودة بطاقم تطير بسرعات ماخ أعلى، فربما سيتعين عليه استخدام الأسطح التقليدية في عمليتي الإقلاع والهبوط، في حين يمكن لتقنية التحكم النشط في التدفق تحسين المناورة أثناء الطيران”. ويقول ميلر: “النتيجة التي خلصنا إليها هي أن الأمر يبدو قابلًا للتحقيق. وأظن أننا اقتربنا من وضع كل هذه التكنولوجيات الخاصة بمكونات الطائرة معًا ومحاولة إجراء تجربة طيران فعلية”.