(1) تكوين فقد لم تخشَ قِفرَ الزقاقِ ووحشتَه، ولا ساورتها رجفةُ خوفٍ من صمتٍ تمتصُّهُ حِلكةٌ تُحجِّم صفرةً ذاويةً لمصباح ٍ يتدلى من عمودِ كهرباء مائل جوار حائطٍ بطابوقٍ مُثلَّم الحواف .. تلفُّ العباءةَ السوداء حول قوامِها وتبرح منزلَها كنخلةٍ متفحمة .. تبرح زقاقاً وزقاق، مندفعةً بخطى لا تأبه لتعثّرٍ يسببّه الدربُ غير السوي. همُّها بلوغَ السوق والدخولِ الى فنائه .. هناك ! تقطع نصفَه غير آبهةٍ للعيونِ المتصالبة والدواخل المُمتعضة المتابعةِ من أصحابِ المحلات والمعارضَ لتقف أمامَ دكانٍ يبيعُ الاعشابَ. (الدكانُ مغلقٌ في انتصافِ الليل لكنَّها تراه مرفوعَ الكبنك، وضوءُ المصباح يُبعثر ضياءَه على قناني الاعشاب الزجاجية المرصوفة فوقَ الرفوف المتعالية حتى السقف، مثلما ترى البائعَ الشاب مُنهمكاً بخلطِ مكوناتٍ يلتقطها بأصابعَ صبغتها ألوانٌ متنوعة من جوفِ القناني) تؤمى له أنْ يخرج لها .. في العينين شررٌ، وفي القلبِ حرقة .. من عمق الدكان يظهرُ الشاب . يقف إزاءها بعينين غائمتين تُمطران حيرةً وتُطلقان تساؤلاً عن هدفِ وقوفها وندائِها .. تقول له كعادتِها: ‘ما عملتَ لي من خلطةٍ لم تؤدِّ مفعولَها ؟ ومَن أردتُه يفتح قلبه ويستقبلني بمثلِ ما استقبله لم يفعل؟ .. أيُّ عشّابٍ أنت؟ أليسَ لكَ قلب يتدفَّق بدماءِ الشباب؟ وهل جمُدت مشاعرُك بحيث لا تُعير همّاً لمن يتضرَّع اليك؟’ … يُطأطىء الشاب رأسه، وتدمع عيناه ؛ لكنَّه يتمالك نفسه .. يحدِّق في عينيها ويتأسى، ثم يقول يُطمئِنها: ‘اهدأي؛ لنجرِّب خلطةً أخرى، لعلَّها هذه المرة تكون لصالحِك فيأتيك طيِّعاً، ذليلاً، يركع عند قدميك . عاد الى جوفِ المحل .. أبصرته يتناول قنينةً من هنا وأخرى من هناك؛ مستخلَصاً زيتيّاً من هنا وآخر من هناك. يخلط الاعشابَ مع الزيوت، وينثر فوقَها آياتٍ يسكبُها فمه. حتى إذا صرفَ ما يدنو من الربعِ ساعة وضعَ الخليط في قارورةٍ صغيرةٍ ودفعها في حضنِ كفَّيها اللتين ارتعشتا لحرارةِ اصابعه. قال مُنبِّهاً: ضعي في حسبانِك أنَّها خلطةٌ لا يأتي مفعولُها سريعاً .. قد يستغرقُ شهراً أو أكثر . عليكِ بالصبر. صرخت جزعةٌ: شهر أو أكثر !! .. لا ! لا .. هذا ثقيل على قلبي؟’ .. طأطأ رأسَه ودمعت عيناه .. هتفَ في سره: ‘وهل ترينه خفيفاً على قلبي ؟!’ ويوماً فيوماً طفقت تنتظر التأثير .. تمرُّ من أمام دكانِه كلَّ صباح، تطالع وجودَه.. تريد أن تدنو منه لتستفهم؟ .. استفهامُها ليس لانعدام تأثير الخلطة بل لذوائه هو .. ذواءٌ تدريجي اكتشفته بعين الرعب .. أرادت مرة أنْ تقتحم الدكان لتقول: يا حبيبي أنتَ تذوي، وأخشى أنْ لا أحظى بمفعولِ وصفتك ..لكنَّها تراجعت خشيةَ امتعاضِه، والتسبب في اطلاقِ كلماتِ تذمّره … لم تغب إلا يومين .. وفي اليوم الثالث اندفعت بكلِّ شوقِ القلب وخشية الروح عليه .. تركت الزقاقَ واندفعت الى عمقِ السوق لتروي نظراتِها بقامتهِ وطلّةِ وجهِه الحييّة عندما كُبِحت بانغلاقِ الدكان وارتفاعِ لافتة سوداء كلماتُها تنعي مالكَه المتوفّي بمرضٍ عضال. عادت الى بيتِها متعثرةً، خاوية .. وفي غرفتِها كانت الدموعُ قصيدةَ النعي التي صارت تمارسها يومياً .. ويومياً تخرج، في منتصفات الليالي، لتقف أمامَ الدكان تحاورُه، وترجوه وصفةً أبديةً للقاءٍ دائم . 4 شباط 2014 (2) تكوين ضياع أجهدت نفسَها، قاطعةً درباً ريفياً مترباً، مصمِّمة على الوصول الى المدينة حتى لو تطلَّب الأمر مشياً في حالة تخلّف باص القرية عن المجيء. تتعقبها الكلاب الناطّة من البيوت المتناثرة على جانبي الطريق، مُطلقة نباحاً لإخافتها. الشفق يتسيد السماء بينما الفجر بعيد. قال لها: أنتِ تحمَّلتِ كثيراً، وما تقومين به لن يوقف جنون السكاكين التي تمزق أحشائي. كم من مرة نزلتِ الى المدينة وكم قدَّم لك بائع الاعشاب وصفات قال ستبيد المرض عن آخره، وستأتين يوماً وإياه بكامل عافيته لتلقيا التحية .. هذا مرض لعين يتمناه الناس لأعدائهم. سأموت، يا حبيبتي ! .. أدري أنني سأموت. حثت الخطى. ومع الخطى المسرعة ثمة فورة غبار تتعالى وراءها. كانت تتمنى مجيء باص المدينة سعياً لاختزال زمن ادراكها .. ولم يجانبها الحظ ويعاندها، فقد لاح الباص من بعيد يبعث ضوء مصابيحه ويتوقف بعد لحظات، فتصعد وقد خمنته فألاً حسناً ليوم قد يغدق عليها خلطةَ اعشاب تعود بها لتصارع معركة السكاكين وفتكها في جوف الحبيب. تلقفتها خثرة السوق المسقَّف بعدما عبرت راجلةً جسر المدينة الخشبي ونهلت من نسائم النهر ما يعينها على شرح آخر أعراض مريضها الذي تركته هناك يرجوها البقاء معه ليشبع من مشاهدة قسماتها ويستعيد ذلك الوجه الحنطي والقوام المتعثر خجلاً يوم أبصرها لحظة نزولها من سيارة أجرة تحيطها نسوة، هنَّ أيضاً متعثرات، بعدما جسدت مراسيم الاستحمام في حمام المدينة وتولت الحافوفة حفَّ حاجبيها ووجهها مُمَرِرةً أحمر الشفاه على شفتيها الراعشتين جراء خجل التجربة الاولى مثلما يستعيد تفاصيل ليلة زواجهما الأولى. وكان الفرح كبيراً في صدرها، والرؤى فراشات جذل مهفهفة في رأسها. أما خلطة الاعشاب فكان الكفّان يضمانها بحرص ويجهدان في عدم حدوث ما يبدد سحرها جراء اهتزاز الباص العائد في درب القرية الترابي المتعثر. الفرح يكبر ويزداد كلما لاحت لها بيوتات القرية الطينية. والخيال يأخذ طابع الصور المُطمئِّنة المتهافتة ؛ فتراه في صورةٍ يسعَدُ لوصولِها، وصورةٍ يرتشف من بين اناملها كاس الخلطة السحرية، وصورةٍ يتكئ على الوسادة وقد تسللت الدماء الى وجهه فبدا صحيحاً معافى، وصورةٍ يفرد ذراعيه يضمها لصدره ويهمس: ليس الدواء هو من اشفاني انما انفاسك!. فتدمع عيناها، ويروح سيل من لؤلؤ يتقاطر على كتفه. لؤلؤ الفرح بدوام عناقه لها وسعادتها الدائمة معه … فجأة انتبهت لجمع نسوة يتوزعن مقاعد الجلوس معها في الباص يرددن بتطيّر : يا ستّار .. ما تلك الصيحات ؟! ما ذلك العويل ؟! . كان صراخاً حادّاً يتناهى من بيوتات بعيدة تطلقه نسوة نائحات، يلوحن بالأيدي كأنهن يرمين المختلس الذي انسل توّاً من بيت كان في احدى حجراته عليلٌ يتلوى ألما ويتمنى حبيبةً تمطر وجهه بمطر انفاسها وتمد كفاً يتوسد دفأها ويغفو الى الابد على ترنيمة هدأتها، وحميميتِها.