تلاشي المحافظين الجدد الصهاينة ونخبهم الملونة

حجم الخط
0

نصر شمالي’ هناك اليوم من يحاول الإيحاء بأنّ ما يشهده الوطن العربي الكبير من انتفاضات ثورية شعبية، هو استجابة لنداءات ومبادرات المحافظين الجدد الصهاينة، التي انطلقت في العقد الماضي، ولنداءات تلك الحركات النخبوية الملوّنة، العربية وغير العربية، التي تجاوبت مع الصهاينة الأمريكيين، ولم يتردّد عدد منها في امتطاء الدبابات الأمريكية التي احتلت العراق، وفي إعلان التخلّي عن فلسطين، وعن النفط العربي، وعـــــن التراث العربي الإسلامي، وعن وحدة الأوطان العربية، لصالح الديمقراطية والليبرالية، وحقوق الإنسان، وحقّ تقرير المصير، وغير ذلك من الشعارات التي رفعها صهاينة واشنطن.

إنّ الفارق حاسم، والصلة مقطوعة تماماً، بين تلك الحركات النخبوية الملونة، التي ظهرت على مدى حوالي عشر سنوات قبل احتلال العراق، وبين الانتفاضات الشعبية الثورية التي تنطلق اليوم متزامنة ومتوالية في البلاد العربية، وذلك لأنّ عالم ما بعد احتلال العراق يختلف جذرياً عن عالم ما قبله، حيث تقهقر المحافظون الصهاينة واندثروا، وتقهقرت واندثرت معهم نخبهم الملونة في مختلف أنحاء العالم، وحيث خسرت الولايات المتحدة تفرّدها ومكانتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية المتميّزة، وانكشف زيف وكذب الشعارات التي رفعتها، ونهضت مجموعة الدول العشرين التي تتصدّرها دول المستعمرات السابقة الصاعدة والناشئة. ولعل من المناسب هنا إلقاء نظرة خاطفة على أوضاع ما قبل احتلال العراق وأوضاع ما بعده. في مطلع عقد التسعينيات الماضي أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عن بداية نهوض نظام دولي جديد، تتحرّر فيه الأسواق من قيود الحكومات، وتنطلق السلع ورؤوس الأموال بكامل حريتها عبر القارات.. الخ. لقد كان إعلاناً مخاتلاً، يظهر غير ما يبطن، فقد بدا مفعماً بالروح الريغانية/الثاتشرية الأعظم تطرّفاً وعتوّاً وعدوانية في تاريخ النظام الرأسمالي الاحتكاري الدولي، بينما هو يتحدّث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقّ تقرير المصير.

لقد أطلق بوش الأب إعلانه الخطير ذاك، الذي سيغرق عدداً من البلاد العربية والإسلامية وبلاد البلقان في بحور من الدماء، في تلك اللحظة التاريخية التي بدأت فيها عملية محاصرة العراق بإحكام، والتي تعاظم فيها الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة العربية بكثافة عظيمة، غير مسبوقة، لا يتناسب حجمها أبداً مع حجم الأهداف المعلنة، بينما كان الاتحاد السوفييتي قد انهار، ودول حلف وارسو ويوغوسلافيا مبعثرة مضطربة مرتعشة، تعصف بها رياح السموم الرأسمالية الاحتكارية من كلّ حدب وصوب.

وإذا كان الرئيس بيل كلينتون الديمقراطي قد حلّ محلّ بوش الجمهوري في تلك اللحظة ذاتها، في مطلع التسعينيات الماضية، فإنّ الوقائع برهنت لاحقاً عن وحدة الأساسيات في السياسة الدولية (والداخلية) للحزبين الأمريكيين، وبرهنت على أنّ عملهما يبقى مشتركاً ومتكاملاً أيّاً كان الحاكم منهما، فهما يشبهان الحزبين الإسرائيليين الليكود والمعراخ (أو العكس) من حيث تناقضهما الظاهري الثانوي واتفاقهما الجوهري الأساسي، وبالفعل، رأينا كلينتون يواصل ما بدأه سلفه بوش في العراق، وفي الخليج عموماً، وفي فلسطين المحتلة خصوصاً، وكذلك في بلدان أوروبا الشرقية، وفي يوغوسلافيا، وأيضاً في إندونيسيا حيث جرى اقتطاع تيمور الشرقية من جسم وطنها الأمّ.

وهكذا، في ظلّ تنسيق واضح بين الإدارة الأمريكية الديمقراطية الحاكمة والإدارة الجمهورية المعارضة، انطلق المحافظون الجدد الصهاينة يمهّدون لعهد بوش الابن، أي لإقامة النظام الدولي الجديد الذي أعلن عنه بوش الأب، والذي ستكون فيه واشنطن، في حال قيامه، عاصمة العالم المركزية، التي تقود بلدان الآخرين كما تقود ولاياتها، إنما كولايات وضيعة، عليها واجبات وليس لها حقوق! وقد بلغت تلك الانطلاقة ذروتها التحضيرية ما بين العامين 1995ـ1997، حيث مشاريع المحافظين الجدد أصبحت معلنة إلى حدّ كبير، ودخلت مرحلة التنفيذ التمهيدي الميداني.

غير أنّ مشروع النظام الدولي (الأمريكي) الجديد لا يمكن أن ينهض ويتحقّق من دون إقامة مشروع الشرق الأوسط (الأمريكي) الجديد، بحكم خطورة موقع بلدانه وأهمية ثرواته النفطية. وبناء على ذلك بدأت الاستعدادات منذ مطلع التسعينيات الماضية لاجتياح المنطقة الواقعة ما بين بحر قزوين والمحيط الأطلسي، ولإعادة تشكيلها وإخضاعها أكثر مما هي خاضعة في معظمها، وذلك بوضع اليدّ عليها مباشرة، وتجزئتها أكثر وأكثر بشرياً وجغرافياً. وبالطبع ما كان ذلك ليتحقّق من دون تواطؤ البعض من سكان المنطقة، فكانت الحركات النخبوية الملونة، التي بدأت تتردّد على واشنطن منذ عام 1995، وتعبّر عن ولائها واستعدادها للتعاون، رغم اطلاعها على حقيقة ما يضمره الأمريكيون ويخفونه خلف شعاراتهم البراقة.

كان العراق هو محطّة الانطلاق الأولى في مشروع الشرق الأوسط الجديد الكبير، وقد انهار المشروع في محطته الأولى بفضل بطولات وتضحيات الشعب العراقي، ثمّ كان الإجهاز عليه في لبنان وفي غزّة على أيدي المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، فكانت بداية التقهقر الأمريكي الصهيوني الكبير إقليمياً وعالمياً، وهو التقهقر الذي تعبّر الانتفاضات الثورية الشعبية العربية اليوم عن أكثر مظاهره وضوحاً وحدّة وعمقاً.

لقد أراد الأمريكيون برفعهم شعار حقّ تقرير المصير التشجيع على الانفصال وتحقيق المزيد من التجزئة في البلاد العربية وغيرها. وأرادوا برفعهم شعار حقوق الإنسان تبرير تدخلهم في الشؤون الداخلية للآخرين. وأرادوا برفعهم شعار الليبرالية/الديمقراطية إلغاء دور الحكومات في حماية اقتصاد بلدانها ورعاية شعوبها. لكنهم اليوم، بعد فشلهم وفضيحتهم في العراق، وفي لبنان وفلسطين، وبعد انكفائهم دولياً، يتابعون بقلق انتفاضات العرب الثورية الشعبية الطاهرة، التي حقّقت حتى الآن انتصارين حاسمين ضدّ الطغاة واللصوص في كلّ من تونس ومصر، ويجاهدون بصعوبة للتوفيق بين حرصهم المستجدّ على بقاء هؤلاء الطغاة واللصوص وبين الشعارات البراقة الكاذبة التي رفعوها بالأمس، هم ونخبهم الملونة. ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية