تلفيقات فكرية سورية
د. ثائر دوريتلفيقات فكرية سورية التلفيقة الفكرية الأكثر شيوعاً في أوساط اليسار السوري المتجه نحو الليبرالية، هي تلفيقة تخص المقاومة العراقية، فمن جهة أولي يجعلونها ظاهرة لا وجود لها الا في خيالات المتحدثين عنها، ومن جهة ثانية يجعلونها كلية القدرة والوجود ليحملوها مسؤولية كل ما يجري في العراق.اخترع اليسار الليبرالي السوري هذه التلفيقة العجيبة منذ أن برزت ظاهرة المقاومة العراقية، فهو من جهة يرفض الاعتراف بظاهرة اسمها المقاومة العراقية . فيرون كل ما يجري علي أرض العراق أحداثاً خالية من المعني والأهداف. فالمشهد العراقي بالنسبة لهم مجرد قتل وسلب ونهب ودمار. وقد عبر عن ذلك أبلغ تعبير أحد الاخوة الذين شاركوا في مؤتمر بيروت لدعم المقاومة الذي عقد في الثلاثين من شهر آذار (مارس) 2006 ضمن نقاشات لجنة دعم المقاومة العراقية، فقد افتتح مداخلته بسؤال استنكاري: ـ نريد أن نعرف من هي هذه المقاومة حتي ندعمها؟ يشير السؤال الي رفض الاقرار بوجود مقاومة، فصاحبه يستنكر عقد اجتماع لدعم شيء غير موجود. فرغم دخول المقاومة عامها الرابع ورغم أنها أصبحت أحد طرفي المعادلة الأساسية في العراق (مقاومة مقابل احتلال)، مع ملاحظة وجود صراعات ومعادلات ثانوية ذات طابع طائفي ـ عشائري ـ دول الجوار……..الخ. لكن يبقي التقابل الرئيسي في العراق هو بين المقاومة وبين الاحتلال. مع ذلك فهذا الأخ يريد أن يتثبت من وجود مقاومة قبل أن يدعمها. وبالطبع هذا حقه. أحد الإخوة همس لي ساخراً: ـ في المرة القادمة عندما نأتي من الأنبار سنجلب له معنا ورقة من دائرة النفوس المدني تبين له اسم المقاومة والمقاومين واسم أبيها وأمها وتاريخ ميلادها….؟ولتكتمل المفارقة، أو التلفيقة، فان هؤلاء الذين يرفضون الاقرار بوجود مقاومة، يفعلون عكس ذلك في مناسبات أخري فينتقلون الي الطرف النقيض للتجاهل والانكار، فيجعلون المقاومة كلية القدرة ليحملوها مسؤولية كل ما يجري في العراق من قتل وتدمير وسرقة ونهب، فتراهم يهاجمون هذه المقاومة كلما سمعوا أن مفخخة انفجرت في سوق شعبي، أو كلما نقلت لهم وكالات الأنباء أخبار الرؤوس المقطوعة……..الخ. فيحملون علي الفور المقاومة العراقية مسؤولية ما يجري. ليقولوا بعدها انظروا: ـ هذه مقاومتكم التي تقتل الأطفال وتدمر المساجد وتذبح علي الهوية……………..ويتأرجح اليسار السوري الليبرالي بين طرفي هذه التلفيقة، كما ذكرنا. فمرة يعتبر أن المقاومة لا وجود لها علي الاطلاق، ومرة يعتبرها مسؤولة مسؤولية كاملة عن كل صغيرة وكبيرة تجري في العراق. ولانجاز هذه التلفيقة الفكرية يجب أن ينتقي المرء من الوقائع ما يلائم رغباته ويغض الطرف عن أمور أساسية من قبيل أن العراق بلد محتل، وأن المحتل الأمريكي أعلن جهارا ونهاراً أنه يتبني خيار فينيكس (العنقاء) وهي خطة تقوم علي قتل كل من يشك بانتمائه أو دعمه للمقاومة وأدي تطبيقها في فيتنام الي اغتيال ما يقارب أربعين ألف شخص علي الشبهة تبين فيما بعد أن أكثرهم لا علاقة لهم بالفيتكونغ. كما أنه أعلن بعدها تبنيه لخيار سلفادور، الذي يعني فرق موت جوالة. كما يتجاهلون أن العراق ساحة مفتوحة للصراع وقد دخلته كل مخابرات العالم. وهناك جيش ضخم من المرتزقة يضم عشرين ألف مرتزق لا عمل لهم سوي انجاز المهمات القذرة من قتل وتفخيخ واغتيال وتدمير. يتم تجاهل كل هذه الحقائق الأساسية لتحميل المقاومة وزر ما يجري من قتل ودمار. ومن جهة أخري عندما ينكرون وجود مقاومة يتجاهلون أزمة أمريكا في العراق وتعثر مخططاتها والخراب الذي تعيشه واشنطن علي صعيد انحدار مكانتها العالمية واستجدائها الدعم ممن سبق وعاملتهم بعنجهية عشية العدوان علي العراق علي الجانب الآخر للأطلسي، ويتجاهلون تمرد أمريكا اللاتينية، التي أعلن زعيم ثوارها فيدل كاسترو علناً أن أمريكا ليست بوارد مهاجمتهم لأنها غارقة في العراق، كما يتجاهلون علو صوت ايران وعودة الروح الي مقاومة أفغانستان. وكل ذلك بفضل المقاومة العراقية. يفعلون هذا كي يثبتوا لأنفسهم أنه لا توجد مقاومة ولا هم يحزنون. وكي يخطبوا في المنابر. ـ نريد أن نعرف من هي هذه المقاومة العراقية. قبل أن ندعمها. التلفيقة الثانية تخص حزب الله وهي أيضا عجيبة غريبة. فكي يلتفوا علي حقيقة أن تجربة حزب الله داخل الساحة اللبنانية كانت منزهة عن الأخطاء، فهو لم يتورط في صراع أهلي ولم يستخدم سلاحه في وجه فريق داخلي وعناصره مثال في الانضباط والأخلاقية، كما أنه أنجز أول تحرير لأرض عربية، وهي بروفة للتحرير الشامل القادم، بدون اتفاقيات مذلة علي نمط كامب ديفيد، التي أرجعت سيناء وأخذت مصر. كي يغطوا علي كل الميزات السابقة، يصمتون قليلاً ويدعونك تكمل كلامك وابتسامة سخرية علي وجههم. وبعد أن تنتهي يتنحنحون، ثم يرمون الجوكر الذي يحملونه كي ينهوا النقاش فوراً لصالحهم، فيقولون: ـ ولكنه حزب طائفي. ان المرء الذي يمتلك شجاعة قول كلام كهذا يجب أن يكون مصاباً بعمي سياسي كامل، فلا يري أن التركيبة اللبنانية كلها طائفية. وأنه لا يوجد زعيم سياسي لبناني واحد يدعي أنه يمثل فرداً من خارج طائفته. فآل الحريري وكرامي وجنبلاط والجميل…….الخ كل منهم يمثل طائفته ويتحدث باسمها فقط. حتي أن بعض رموز الأحزاب العلمانية هم رموز طائفية في نفس الوقت كحال المرحوم كمال جنبلاط، أو أصحاب رؤوس أموال كبيرة. هذا هو الواقع اللبناني. وهو واقع مريض لا يلبي طموحات بناء دولة حديثة. لكن الوحيد الذي يلام علي هذا الواقع بنظرهم هو حزب الله. رغم أنه لم يشارك بصناعته انما ذنبه أنه ولد داخل هذا الجو الطائفي ورغم أنه حمل مشروعاً وطنياً مقاوماً للتغيير. لكن ظروفاً معقدة أبقته أسير هذه التركيبة الطائفية. أما الموقف من حماس فلا يحتاج الي تلفيقة فكرية. فهم ضدها جملة وتفصيلاً بذريعة الخوف من الدولة الدينية. ان ما يجمع هذه المواقف الثلاثة هو مناصبة قوي المقاومة العداء بذرائع مختلفة. ويمكن أن نجد جذر ذلك في فهم العالم. فاذا تبنيت أطروحات من قبيل أن العالم المعاصر يتجه نحو فضاء السلام والحرية والتعدد والديمقراطية، وأن المجتمع الدولي (الاسم المهذب لأمريكا) سئم من الدكتاتورية والفوضي في الشرق الأوسط لأنها تفرخ له الارهاب الذي ضربه في 11 ايلول (سبتمبر). لذلك فمشروعه الآن هو اقامة أنظمة ديمقراطية. اذا انطلقت من مقدمات كهذه واعتبرتها مسلمات تعفي صاحبها من اثبات صحتها، ولا تحتاج لاختبار علي أرض الواقع فانك حكماً ستناصب العداء كل من يعيق المشروع الدولي الديمقراطي (الأمريكي) في المنطقة. وحكماً ستجد نفسك في خندق معاد لكل أشكال مقاومة هذا المشروع. لأنه حسب مقدماتك السابقة فهذه المقاومة تعرقل تقدم الديمقراطية وحقوق الانسان……….الخ. ثم ستختلق ما يكفي من الأسباب لتناصب قوي المقاومة العداء، حتي وان وصل بك الأمر لتكرههم لأن حذاء أمينهم العام متسخ……!!! اليأس والعجز عن التغيير يدخلان الانسان في متاهات فكرية لا نهاية لها. فكلما اشتد عطش السائرين في الصحراء وتضاءل أملهم بالحصول علي الماء كثرت رؤيتهم لسرابه. ہ كاتب من سورية8