تلقفوا بعض مفهومات الحب في الشعر العذري: الشعراء التروبادور وجذورهم الغنائية

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

يبدو لي أن المُتأدِّب العربي، المعنيّ بالشعر، به حاجةٌ إلى الإطِّلاع على الجذور الأولى لنشأة وتطوّر الشعر الغنائي في أوروبا، باستقراء دور الشعر العربي في ذلك التطور، وبالرجوع إلى الوثائق والنصوص التاريخية والشعرية. وقد تبدأ أولى الخطوات في الأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي. يومها كان قد مرّ على الحضارة العربية في الأندلس أربعة قرون، تنامى الاختلاط فيها بين المسلمين من عرب وأمازيغ مع أهل البلاد المسيحيين الإسبان، عن طريق التزاوج بالدرجة الأولى، فنشأ جيل يتكلم اللغتين العربية و«الَطينية» الأندلس، أي الإسبانية، ما جعل التفاهم بين الجانبين ميسوراً على مستويات شتى. وكان الشعر أبرز أمثلة هذا التفاهم والاختلاط. وأوضح الأمثلة على ذلك نشوء وتطور شعر باللغة العامية الإسبانية من إقليم بروفونس، جنوب غرب إسبانيا الحالية، امتدادا إلى إقليم الباسك «الباشكنز» لغةٌ تبدو للقارئ المعاصر مزيجا من اللاتينية والإسبانية. كان الأمير كيوم التاسع (1071-1127) أول من مثّل هذا الشعر الجديد في الإمبراطورية الرومية المقدسة، التي لم تعرف شعراً سوى ما كان يصدر باللاتينية في حدود موافقة كنيسة الكاثوليك الرومية، ليس لشعر الحب فيه مكان، إلا ما كان يدور حول محبة السيدة العذراء والسيد المسيح. على امتداد تاريخ الأندلس كانت هناك حروب تحدث بين الممالك المسيحية الإسبانية وبين المسلمين الأندلسيين. وبالطبع كان هناك أسرى من الطرفين ما زاد بالاختلاط وخاصة بعد سقوط حُصن برباسترو (1063) الذي كان قائد الحملة الإسبانية فيها كيوم الثامن الذي يبدو من الروايات التاريخية أنه كان يحب الشعر والغناء والموسيقى والرقص، فحمل إلى قصره عدداً كبيراً من الأندلسيات من صاحبات الشعر والغناء. وكان الابن الأكبر لهذا القائد الأمير يدعى كيوم (وليم) كذلك وسوف يصبح الأمير كيوم التاسع بعد وفاة والده. كان هذا الشاب شاعرا فوجد في القصر مصدرا غنيا للشعر والغناء ما ساعد في تنمية ملكاته الشعرية والغنائية. ترك لنا هذا الشاعر الشاب 11 قصيدة تمثل القصائد الثلاث الأولى فيها أهمية خاصة لأنها تلتزم حرف روي واحد على طريقة الشعر التراثي العربي، علماً بأن الشعر اللاتيني وقبله الشعر الإغريقي لا يلتزم حرف روي، إذ لم تكن القافية معروفة في الشعر الكلاسي. وهذه القصائد جميعها تتحدث عن الحب الدنيوي وعن المشاعر الخاصة وهو شيء جديد تماما على شعر التراث الكلاسي. كان هذا زمان انتشار الموشح الأندلسي الذي يُغنّى بمصاحبة الموسيقى، وهو ما استهوى الأمير الشاب بما فيه من مشاعر شخصية عن الحب الدنيوي، الذي استهوى، كذلك، عدداً من الشعراء من بعده، الذين كان واحِدُهم يحمل عودَه، تلك الآلة الموسيقية الوترية، التي أدخلها إلى الأندلس زرياب المغني العراقي الموصلي، ويدور على القلاع أو القصور ينشد قصائده ويعزف على العود. وصار هؤلاء الشعراء يُدعون باسم «تروبادور» فرأى بعض اللاحقين أنها تحوير عن «طرب يدور» فصاروا يسمّونهم «الشعراء الطروبيون». والحب الدنيوي الذي يتغنّى به الشعراء التروبادور وأولهم كيوم التاسع يردد أصداء من مفهوم الحب في الشعر العربي التراثي الذي انتقل إلى شعر الموشح والزجل فتلقّفه التروبادور الأوائل. فبعض مفهومات الحب في الشعر العذري مثل: «أكاد إذا صليتُ يمّمتُ نحوها /بوَجهي وإن كان المُصلّى ورائيا» قد وجدَت صدى لها في شعر التروبادور الأول في القصيدة رقم 8: «أود أن ألقي بنفسي إليها/لكي تشملني في سجلّها (عشاقها)/ولا تحسبنّي بسبب ذلك ثمِلاً/إن كنت أحب سيدتي/ لأنني من دونها لا أقوى على العيش/ فقد كان جوعي لحبِّها بالغ الشدة». هذان نوعان من الجنون، مع اختلاف في الطعم ولكن الشعور واحد.
في عام 1101 قرر كيوم قيادة حملة صليبية في فلسطين. لكن المسلمين هاجموا الحملة في منطقة آسيا الصغرى فهرب القائد ولكنه عاود الهجوم بعد سنة متجها إلى يافا حيث شهد الاندحار في عسقلان فأُخذَ أسيراً، ربما في عكا، وبقي 18 شهرا، فلما عاد صار يكتب قصائد حزينة فيها لوعة الحب بشكل غير مسبوق. فما الذي كان يفعله أمير شاعر أسير في بلد يموج بالشعراء غير الاستماع إلى الشعر والتعلم منه؟ وآثار ذلك تظهر في بقية القصائد التي كتبها بعد عودته من الأسر.
وقد اتبع شعراء آخرون أسلوب التروبادور الأول في كتابة الشعر حتى بلغ عددهم أكثر من400 شاعر في حدود نهاية القرن. ولكن في عام 1209نزل مطران باريس إنوسنت الثالث يقود حملة على الجنوب «الوثني» فدمّر حضارة بروفونس وتفرق الشعراء التروبادور إلى الجنوب الشرقي من أوروبا وإلى صقيليا بالذات، حيث كان الملك فريدريك الثاني (1194-1250) قد اتخذ لنفسه اسم «الإمبراطور الرومي المقدس» يرعى الشعر والشعراء في بلاطه الكبير حيث كان 30 من الشعراء ينظمون الشعر بلغة بروفونس. انتقل الشعراء التروبادور القادمون من بروفونس إلى جنوب إيطاليا فازدهر الشعر الإيطالي بهذا الشعر القادم الجديد. كان ملك صقليا ينتقل ببلاطه الكبير إلى جنوب إيطاليا ومناطق أخرى حيث كان الشعراء يكتبون باللغة الأوكسيتانية ومنهم جياكومو دا لنتيني، الذي ينسب إليه ابتكار شكل «الغنائية» وهي قصيدة حُب تتكون من 14 بيتا تنتظم وزناً وقافيةً ما لبثت أن شاعت بين شعراء إيطاليا وأبرزهم بتراركا ثم استعملها دانته في مجموعة بعنوان «الحياة الجديدة». وقد استهوت صيغة الغنائية عددا من الشعراء الإيطاليين فامتد ذلك الإعجاب إلى الشعراء الإنكَليز في القرن السادس عشر مثل وايات وسَري فترجما قصائد بتراركا إلى الإنكَليزية ترجمة حرفية فكانت بذلك مثالا أمام شكسبير الذي طوّر في شكلها الإيطالي من8+6 أبيات إلى4+4+4+2 تنتظم قوافيها بشكل: أ-ب-أ-ب ج-د-ج-د- ه-وه-و وتنتهي بمزدوجة: ز-ز تكون خاتمة أو حكمة أو خلاصة لقضية أو مسألة تطرحها الغنائية. وهذا الترتيب فيه صدى من نظام الموشح الأندلسي الذي ينتهي «بالخرجة». إلى جانب ظهور القافية للمرة الأولى في شعر أوروبي بلغة عامية نجد قصائد التروبادور تتحدث عن حب لم يكن معروفا في التراث الكلاسي. فبدلا من تراث أوفيد (43ق.م.-17م.) في كتابيه: «فن الهوى» و«علاج الحب» نجد أصداء في شعر التروبادور من التراث العربي الإسلامي كما يمثله الشعر العذري أو آراء الشعراء العرب وفلاسفتهم مثل إبن حزم الذي شرح مفهوم الحب وأنواعه في كتابه بعنوان «طوق الحمامة». وثمة عدد من الأمثلة من شعر التروبادور تتطابق القافية فيها لشاعر مثل ماركابرو مع موشح لأبي بكر الأبيض الوشاح وكانا متعاصرين في فترة 1013. قوافي موشح الأبيض: ما لذّ لي شرب راح/ على رياض الأقاح… قوافيه أ-أ-أ-أ ثم 3 ب- ج تتكرر. وقصيدة ماركابرو تكاد تشبهها تماما في القوافي. وثمة مثال آخر من جوسر( 1340-1400) قصيدة بعنوان «إلى روزاموند» تمثل موقف العاشق البروفونسي من الحب والمرأة ومن قبله موقف الموشح متشابهان في الموشحات الأندلسية في مهاد التراث الشعري العربي. كما تمثل هذه الغنائية نظاما وقافية يذكِّران بالشعر البروفونسي ومن قبله نظام الموشّح بموسيقاه المنضبطة.
وقد هاجر بعض شعراء بروفونس إلى الشمال الغربي من فرنسا إلى منطقة بريتاني ومن هناك انتقلوا إلى إنكَلترا بمساعدة ملكة إنكَلترا إليانور الأكيتانية، زوجة الملك هنري الثاني (1254) وكلاهما من أصول فرنسية ثقافية، ولا شك أن بعض شعراء بروفونس قد اصطحبتهم الملكة إلى بلاطها ما ساعد في انتشار ذلك النوع الجديد من الشعر كما نجد في مثال من جوسر «حكاية صاحب الأطيان» وفي قصيدة «آليسون» وقصائد أخرى غير قليلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية