تلك البلاد التي تختفي: كانت جنائنها منفي لكتاب الوحي

حجم الخط
0

تلك البلاد التي تختفي: كانت جنائنها منفي لكتاب الوحي

فاروق يوسفتلك البلاد التي تختفي: كانت جنائنها منفي لكتاب الوحيهل خدعنا العراق؟ خدع البشرية كلها. لا حبر بل سخام، ذلك الذي يسود صفحات دفاتره المفتوحة علي الغيب. لا ماء بل دم، ذلك الذي يهذي في نهريه بلغة لا يفهمها أحد. أول الكتابة كان: مساميره وهبت اليد خيالا تجريديا نضرا. أول التقنيات: دارت عجلته بإلهام ناتئ صنع للكون مرآة علي الأرض. أول القوانين: حجره البازلت الذي لا يزال يشف عن روح العدالة الغائبة. أول الدمي: ارواحه المتعددة التي سكنت قبضة طين. أول المسافرين المتأملين: جلجامشه الزاهد بملكه من أجل عشبة تضمن له خلودا قلقا هو أشبه بالعيش علي الحافات. أول القوارب: مغامرته وهو يشق الماء عنوة ذاهبا الي مناجم الذهب. أول القري: أرضه التي انفتحت علي خيال نباتها فحلت السكينة في الصدور. أول المعابد: زقورته التي جعلت من هواء سلالمها رقي تقود مباشرة الي العرش. أول الدول: حيث تخلت آلهته عن جزء من عصا سلطتها للبشر. اول الاختام: يرقاته علي الطين تفوح برائحة الخلق. هو المزيج الذي وهب التاريخ اختلاف حواسه. ولولم يكن هناك عراق، لكان التاريخ شيئا آخر. لو تأخر العراق قليلا لاحتجنا الي زمن طويل مضاف. لو اختار السومريون مكانا آخر لهبوطهم في لحظة الخلق، لكنا قد حصلنا علي ايحاء مختلف لحضارة أخري. لن يكون هناك دجلة ولا فرات. لن يكون هناك سمك ولا قصب (بردي). لن يكون هناك طين ولا عشب. لن يكون هناك ابراهيم ولا شجرته المثمرة انبياء وتائهين وسحرة. لن يكون هناك عشتار ولا انكيدو ولا حتي جلجامش. لن تكون هناك جعة. العراق هو مكانه وليس صفته في سيرة البشر. ولكن هل كان ذلك العراق مكانا علي الارض فعلا؟ يقول الباحثون أن السومريين اختفوا بعد المأساة التي حلت بدولة أور الثالثة. (تعلموا الدرس جيدا: مدن تصنع دولا). يقولون أن ملكهم الضائع لم يعد فذهب الشعب من بعده الي غيابه. عاد الي السماء، من حيث أتي. شعب لم يخلف ضحايا ولم يترك من أثر سوي ما يفتك بالمخيلة ولم ينسخ سواه: عاد الي الصفر الذي بدأ منه. فوزي رشيد، العالم الآثاري (أين هو الآن؟) لن يوافقني في ما ذهبت اليه. ولكن هل العراق هو في حقيقته إلا ذلك الصفر الوحيد؟ 2 اتذكر رعيته وكلهم ملوك، طيشهم المتأني، خفتهم المزدانة بالحكمة، طربهم الهامس بالفجيعة، عشقهم الطريد مثل شبهة، كلامهم الذي يصف الشعر لكي يجعل لارتكابه معني، كرمهم الذي يسبق الضيف الي حاجته، مروءتهم التي تسبق الرحمة. خمرهم الذي يزيح كل كرب. نبلهم الذي ينافس العدالة. كل واحد منهم كان حريصا علي أن يملأ اسمه: سرجون الاكدي وهو طــــفل مضاع استعاده موسي نبيـــا في سيرته. نبوخــــذ نصر الذي عرف أن التوراة لن تكـتــــــب إلا في أرض بابل فقاده الهامه الي السبي. فهل كانت جنائنه المعلقة منفي لكتاب الوحي؟ ماني الذي قهر الزرادشتية وكتب بمياه دجلة سطور خرافة موعظة الرجل الذي مشي علي الماء. النعمان بن المنذر الحائر في ابهته بين الخورنق والسدير. الرشيد الذي صنع من الوقت ذهبا. كما فعلت خديجة، وهب العراقيون الاسلام حين قدم سلامهم المسيحي وحجتهم المحكمة حين تبيض أيدي الناس من الحجج. دائما تنزلق خطواته الي الخطأ الذي يشعل مصابيح الحقيقة. يفعل ما يراه مناسبا لتمرده فيشعر الآخرون بالخطر: حلاجه في بغداد وزنجه في البصرة فيما تحتضن الكوفة فكرة متأنقة عن اللغة وجاحظه يمتزج بكتاب تهرول الملائكة بين صفحاته التي لم تكتب بعد. (هل كان الخوارج عراقيين، لكي لا نقول أن عليا كان عراقيا) ولكن كان للعراق خطأه الأكبر وخطيئته المطهرة: حسينه، الحفيد الملهم الذي عرف بعبقرية استثنائية كيف يجر القتلة الي الموقع المناسب لخلوده: العراق، لكي لا ينسي. لقد سار الي الشهادة بقدمي بطل اغريقي ليثبت انتسابه الي العراق وليقبض علي آخر ذرة رمل في الساعة: جمرة عناده.3 لدي العراقي ما يعينه علي الصبر: ذهب الصحراء ونضارة النهر. يباس البدوي ورقة الريفي. طيش العاشق وحكمة المخيب. براءة العصفور وجناحا طفل. يكمن في أعماق كل عراقي الانسان الذي ثقف التاريخ بحواسه، هو الذي رأي، وهو يعرف أن البلاد الذي تغني باسمه هي صوته في البرية وهي صفاته في الخلق وهي دعاؤه الرضيع. لم يكن العراق إلا ذريعة للخلق، كان عذرا للبشرية لكي تعلن عن اختلافها المبهم. فكرة عن العبادة المتمردة ليس إلا. وهي فكرة تجريدية، مضت الي خفائها حين أصر المعتزلة علي غموضهم وأبت رسائل اخوان الصفا عن البوح بأسرارها. دائما كان هناك عراق آخر، عراق يتساوي بين يديه ما يدينه وما يثق به، ما يفصح عنه وما يفضحه، ما يرتقي به الي عليين وما ينزل به الي الهاوية. فلديه من الرمل ما يملأ كل ساعات العالم، لديه من الماء ما يغرق آبار كل الصحاري بالأسئلة، ولديه من الشغف ما يجعل منه قبلة لبشرية تأخرت عن اللحاق بنبيها. ثقة العراقي هذه كانت بابا مفتوحا علي الخراب. صانع التاريخ لا يتعلم منه. النجار الذي يهمل ابواب بيته. العراقي نموذج في ذلك الدرس المؤلم. يفضل أن لا يصدق كأي معتوه أن اعداءه قادمون. كان لديه دائما ما يفعله ولم تكن فكرة العداوة لتطرأ علي باله أبدا. كان لديه دائما ما يقوله لاعدائه، ليعلمهم التوبة بين يديه. 4اعداؤه نحن، أعداؤه هنا. نقيم كالسم في عروبته وفي اسلامه، في تلفته وفي يقينه، في صلاته وفي كفره، في رخائه وفي فقره، في يقظته وفي غفلته. هو الذي عرفنا ولم نعرفه علي حقيقته: لقد رآنا ولم نره، سمع أصواتنا ولم ننصت لموسيقي جنازته، شعر بلمسات أكفنا وضيعنا الطريق الي دمعته. نحن هنا وهو هناك. وحين ادركنا أننا من غير عراق، كما لو أننا من غير الله، كانت آخر العربات قد مرت. وهذا الذي بقي بين أيدينا ليس عراقا. لنسمه أي شيء محتمل، لنطلق عليه كل الأسماء الممكنة، لنهبه كل الحروف، إلا تلك التي تتشكل منها الكلمة الاولي التي تعلمها آدم: عراق. لا يحتاج التلاميذ للشرح حين يذهبون الي مدارسهم مذعورين، لا تحتاج الجثث المرمية في المزابل الي من يعينها علي النظر، لا تحتاج النساء اللواتي نفين وراء حجب الي مزيد من القهر، لا يحتاج الكون الي دورة أخري ليعرف أن الشمس قد توارت. وما هذا الذي أكتب إلا رماد جسدي. وما هذه الحروف الا النمل الذي يلتهم صلاتي. أول الكتابة أعمي، أول الذاكرة سلة للمنسيات، أول المدن أرياف مدججة بالسلاح، أول القوانين فوضي تديرها العصابات، أول المجتمعات المدنية طوائف وقبائل متناحرة، اول اللغات أعجمي، أول الرفاهية جائع، أول المواطنين منفي. لا عراق هذا، بل مكيدة، حبالها تطوق كل الرقاب.شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية