عماد الورداني البحر يلطم أمواجه دون رحمة، كل موج ينسج شراكا سرعان ما ترتمي في فخه اشامة’، هناك بين قيود الشراك، تستعيد السنوات العجاف التي قضتها في اقرية الساحل’، كيف سلب المرض حياة الصغار والكبار، الحيوانات والنباتات والذكريات.لم يعد في القرية سوى عجائز أثقلهن الحزن. المرض الذي حار فيه أهالي القرية، يحصد كل من يصادفه، يجعل جسمه يترهل، ثم ينتهي ببطء. في كل نهاية تنعي العجائز فقدانها للآخرين، ليس هناك من يأخذ العزاء. رائحة الموت تزور البيوت، وما إن تخرج منها حتى تحصد أفرادا، وتغادر حزنهم ترقبا للريح المقبلة.انزوت اشامةب تحت ظلها تستعيد ذكراها، كل استعادة يصاحبها دمع حار يروي رمال الأرض القاحلة، انهالت الدموع غزيرة، تحولت إلى سيل يأكل الموج، هل تبكي وحدتها؟ أم فقدانها للآخرين؟ كانت المرأة رغم هذا قوية. لم تشأ أن تفر من المرض، وظلت صامدة تواجه تكاليف الحياة، رفقة بقرة ضامرة، وبضع شجيرات. وهاجس الرائحة يداهمها في أول إشراقة للصباح حتى آخر رمق من يوم بأكمله. وتستمر الهواجس حياة بأكملها.تسترق الدفء من بقرتها، تمنحها حنانها، تقتسم معها رغيفها وبعض العشب اليابس، تراقب حركاتها، تسرح بها قليلا، توردها بئرا جافة لا تكاد تروي عطش الناجين من الموت، وفي المساء تصطحبها إلى مكان الذكرى، لتروي قصة الرائحة، وتسقط من جديد في فخ الشراك.الموت يوزع بطاقاته دون ائتمان، وهذه السنة كغيرها، حصد البقية، أولئك الذين صمدوا ضده سنوات، ظل بيت اشامةب حاجزا، لا تصل إليه تلك الرائحة، وكأنه مسيج بألم أقوى من الرائحة. واليوم الذي تأخرت فيه شامة في النوم، بعد أن داهم غربتها شريط الموت الذي حصد جميع المقربين منها، أيقنت أن كبرها هو السبب، ربما حاولت أن تبرر نومها، لتستبعد أي رهان يمكنه أن يجعل الرائحة في بيتها. والأسئلة تحرق صدر اشامة’، كانت البقرة تحلق بعيدا دون عودة، إنها البقرة التي صاحبتها لسنوات، ومعها تقدست جذور الوجودة هي لن تعود بهذه الجملة أسقطت اشامةب آخر دمع حار على هذا الزمن، ترثي فيه حال القرية، وتلعن الموت والمرض. تعيش آخر تموجاتها، بداخلها أصوات، تأكل مساحات الحداد، كلما قامت من رفاتها لتبني أسوارا أكثر صلابة من الأخرى، تنهار. وفي الخارج بدا فناء الدار كئيبا، حزينا على انهيار زمن رديء، لم تعد حواسها تدرك خارجها، انزوت تراقب أمواجها الداخلية، وفي كل موج يسقط جزء من شامة.كاتب من المغرب qad