تلويح الحكومة بالحرب الطائفية

حجم الخط
0

‘واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة’
مهما كنا متفائلين فان الحقائق الدامغة امام اعيننا تنبئنا بان الايام القادمة في العراق لن تكون افضل من سابقاتها، خصوصا عندما نرى شهوة حكام بغداد للبقاء في السلطة فوق كل اعتبار، حتى لو كان الثمن تمزقا طائفيا او حتى اقتتالا طائفيا بين ابناء الشعب الواحد، بل وصل الامر ان تقف الحكومة مع مكون ضد اخر في سابقة خطيرة سبق ان نهى الله تعالى الحكام المسلمين منها، فقال سبحانه وتعالى: ‘واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل’، وكلمة الناس هنا عامة لا تفرق بين شخص وآخر. كما ان مثل هذه الممارسات الشنيعة شكلت سابقة خرقت الاعراف الدولية الحديثة التي تحتم على اية حكومة شرعية منتخبة ان تقف على مسافة واحدة من اطياف شعبها، بغض النظر عن الدين والعرق والمذهب والقومية. من المفترض اذن الا تفرق الحكومة بين الشعب العراقي بسنته وشيعته وعربه واكراده وتركمانه ومسلميه ومسيحيه وغيرهم، ولا يجوز لها ان تنحاز لطائفة على حساب اخرى.
ان العارفين بالشأن العراقي يعلمون علم اليقين بان استخدام الطائفية من قبل الحكومة انما هو استخدام سياسي اناني ليس له اية علاقة بمعتنقي مذهب اهل البيت، ولا يمكن ان يحظى برضاهم، ولن تستطيع السلطة الحاكمة التحدث باسمهم، لان اغلبية اهلنا الشيعة في الجنوب العراقي يناهضون هذه الفتنة ويتبرؤون من مسببيها. فان كان اغلبهم يعيش الفقر ايام النظام البائد لكنه اليوم في ظل حكم الطائفية السياسية التي تدعي الدفاع عنهم، يعيش في ظروف اسوأ من الفقر بكثير واقرب الى الحرمان، فلم تتحسن ظروفهم المعاشية رغم مضي اكثر من عشر سنوات على التغيير.
لقد تجرع المواطن العراقي الفقر والحروب الخارجية والحصار الظالم وظن البعض اننا قد تجاوزنا تلك الفترة المظلمة اثر الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، لكن الفرحة لم تدم طويلا عندما رأى الشعب امام عينيه كيف تمكن المحتل ومن والاه من تقنين الطائفية السياسية عبر بدعة المكونات، وكانت النتائج كارثية ما بين 2006 الى 2008، حيث تجرع الشعب القتل على الهوية وسياسة الخطف الهمجية والتهجير المقيتة. ظن الناس ايضا اننا قد تجاوزنا المحنة والفتنة عندما استعارت الحكومة الجديدة مفردات وطنية بعد ان ادرك الشعب خطورة الطائفية السياسية واجبر بالتالي الحكومة على التخلي عن مصطلحات كانت رائجة، سوقها سياسيو المحتل كالبيت الشيعي او المكون الاخر، وقد تعاون الشعب مع الحكومة لوأد الفتنة الطائفية في مهدها.
لقد مر عراق المكونات الطائفية الجديد بامتحانات عسيرة منذ بداية الاحتلال وحدثت معارك وحروب داخلية ذات ابعاد سياسية طائفية، من دون ان يسميها فاعلوها باسمها الحقيقي، فلا ننسى معارك النجف والزرقة ذات البعد السياسي، او معارك الفلوجة الاولى والثانية والحويجة ذات البعد الطائفي، وها نحن نصل الان الى الخطر الماحق الذي يخفي وراءه مستقبلا مظلما يواجه الوطن. فعندما تقرع حكومته طبول الحرب ضد طائفة من شعبها وتحرض عليهم وتدفع الاموال الطائلة لشراء الذمم لتمزيق وحدتهم وافشال مطالبهم الشرعية والحيوية التي لم تتطرق حتى هذه اللحظة لتأسيس الاقليم، مع انه مطلب شرعي منصوص عليه في دستورهم الذي وقعوه.
من المستغرب حقا ان الحكومة لا تتربص الدوائر باعداء الامة كاسرائيل وامريكا، انما تتربص وتحسب انفاس المتظاهرين العراقيين في ساحات الاعتصامات، وتبحث عن اية وسيلة وتتحين الفرص لمهاجمتهم وتكيل الاتهامات المتعددة ضد احتجاجاتهم بحجج واهية منها وجود اعضاء من تنظيم القاعدة بين صفوفهم، او وجود البعثيين بين قياداتهم، ويحرضون عليهم بعض العشائر المحلية التي ارتمت باحضان الحكومة لتخريب اعتصاماتهم وجعل بأسهم بينهم، أملا بفض اعتصاماتهم بالقوة، كما حدث في الحويجة او المطالبة باستسلامهم ورفع الراية البيضاء. ان هذا التهديد والوعيد لا يحظى باجماع وطني، بل لا يؤيده غير السائرين في ركاب مجلس الوزراء وستكون عواقبه وخيمة وسيفتح الباب على كل الخيارات، لعل اقلها المطالبة بالاقليم. نتساءل ويتساءل معنا كل المحبين لهذا الوطن هل من العدل ان تهدد الحكومة شطرا من شعبها بالحرب الطائفية لاجل اهداف انتخابية مادية وقتية تتعلق بالبقاء بالسلطة.
في مثل هذه الايام الحرجة يتحتم علينا ان نذكر اعزاءنا الشيعة من رجال الدين والسياسين والاعلاميين والقضاة وقادة الجيش والوزراء والنواب ورؤساء الكتل والاحزاب الداخلين في العملية السياسية والمناهضين لها ان يقولوا كلمتهم وفق حديث قاله رسول الله ‘انصر اخاك ظالما او مظلوما’، فقال الصحابة لرسول الله عرفنا كيف ننصره اذا كان مظلوما، ولكن كيف ننصره اذا كان ظالما؟ قال تأخذون بيديه اي تمنعونه من ممارسة الظلم بكل الوسائل المتاحة، فاليوم وفي مثل هذه الظروف وقبل فوات الأوان يمكن ان نتعرف على المصلحين المخلصين لوحدة هذا البلد، فبقول الله تعالى ‘واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة،، او قوله عز وجل ‘ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار’، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال ‘على العالم ان يظهر علمه ايام الفتن، وإلا عليه غضب الله وملائكته ورسله والناس اجمعين’، وقال ايضا ‘خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر’.
ينبغي الا ننسى التاريخ القريب الذي عايشناه عندما اعترانا الخوف من النظام الديكتاتوري الصدامي فدفعنا ثمنا باهظا من الدماء في حروب خارجية ليس للشعب العراقي فيها ناقة ولا جمل. يجب اذن ان نتصدى اليوم لصيحات الحرب والاقتتال الطائفي قبل وقوع الكارثة، وقد تصدى البعض بشجاعة كالسيد مقتدى الصدر محذرا من الوقوع في هذا المنزلق والى وقف ماكنة الحرب. ليكن يوم التحام المواطنين الصالحين ضد الظلم والجور والطغيان.
ان الدول الاستعمارية كامريكا وفرنسا وبريطانيا كانت تغزو وتستعمر دول العالم من اجل رفاهية شعوبها على حساب بؤس الشعوب المستعمرة، كما فعلت امريكا مع العراق وفرنسا مع الجزائر وبريطانيا مع الهند، أما ما يجري في العراق فقد تمكنت الدول الاستعمارية من ان تجنب جيوشها المغامرات العسكرية ولربما كان احتلال العراق عام 2003 اخر احتلال غربي لبلد اسلامي. لقد تمكن المستعمرون الجدد من قتل العصبية الوطنية والقومية والدينية التي تدافع عن الوطن ضد الاجانب، وخلق دوائر طائفية وعرقية وقومية متنافرة مدعومة من قبل اهالي المنطقة، الذين شربوا ماء الحقد والكراهية، وخوفهم من ضياع السلطة عظيم، ولا يريدون لاي سبب من الاسباب اغضاب الاجنبي المحتل ولا يتورعون عن اشعال نار الحرب حتى لو احترق البلد باجمعه.
ففي فرنسا حيث نعمل مع جمعيات حوار الاديان عندما يتعرض مسجد ما لعمل عنصري اجرامي من قبل اليمين المتطرف او من المتعصبين المعادين للاسلام، اول من يعترض رسميا ويقوم بالمظاهرات المناهضة للعنصرية، اليهود والكاثوليك والبروتستانت والارثودوكس والبوذيون والاحزاب العلمانية المنفتحة خصوصا اليسارية. فهل من المستحيل التعايش والتعاون بين فريقين كل منهما يقول ‘أشهد الا الله الا الله وأشهد ان محمدا رسول الله’.

‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية