تقولُ مرويةٌ أنَّ كلباً ضخماً ألمّ به العطشُ، وصدفَ أنْ توصلَّ ببركةِ ماءٍ في واحةٍ ظليلةٍ، فاقتربَ ليغبَّ ما يرويه، لكنّهُ أحجمَ إذ رأى صورةَ وحشٍ كبيرٍ على صفحةِ الماء الراكدِ، تراجعَ قليلاً، ثمّ حاول ثانية وثالثة، ثمّة عطشٌ يفوقُ خوفه يدفعهُ للمحاولة الكَرةَ تلوَ الأخرى، وليفشل دائماً في هتكِ الصورة المخيفة وخدشِ عفّتها. أخيراً قررَ الاشتباكَ شبهَ منتحرٍ، فإنْ قَتَلَ وحشَهُ سيشرب، وإن قُتلَ سيرتاح من عطشه. المفاجأة أنّ اندفاعته العظيمة إلى حيثُ الصورة، كانت تبديداً لصورة الخوف، صورة الكلب الذي (هو)!
مروية أخرى تقول: إنّ طائراً صغيراً، كسير الجناح، كانَ أن شفيّ، غير أنّه في كلّ مشيةٍ أو طيران، يتحسسُ جناحهُ الأيمن، فيميل إلى اليسار، مستذكراً جرحَهُ الذي لم يبق جرحاً بقدر ما صار رضّاً نفسياً، هذا الرضّ هو الذي حدا به ليكونَ طائراً يتمرّنُ على الطيران طيلة حياته التالية للجرح الذي شفيّ وأبقى منهُ شيئاً، طالَ مخيخ الكائن قبلَ جسدهِ! في الحالتين خوفٌ يأخذ صورةَ الوحش، في شأن الكلب وحشٌ خارجٌ عنهُ، قتلهُ وبددَ صورتهُ، في شأنِ الطائرِ وحش داخلهُ، ثمة جناح مكسورٌ، بقي رغم شفائه مكسوراً/ لا مرئياً في جوانية صاحبه.
لقد اكتشفت خيفاتٌ مبكرةٌ، وجاءت قراءاتي في وقت ما متعايشةً مع (فوبيا) تظاهرت طويلاً بالخلاص منها، وما صورة الكلب إلا صورتي، وما صورة الطائر إلا صورتي، وما صورة الذي يفشل دوماً ويسردُ انتصاراته على الآخرين إلا أنا. يقول هاج داونز: «لقد اكتشفت أن هناك طريقة واحدة لمعالجة الخوف وهي أن تخرج وتخيف نفسك»، كنتُ وما زلتُ أخافُ الأماكن العالية، وأحلامي لا تخلو مني وأنا أهوي من مكان عالٍ، أهوي وأهوي ولا أصلُ قرارة الهاوية، أحتفلُ عادة بنجاتي وبقائي على قيد الحياة بعد كل رحلة في هذا العالم الذي أجهلهُ، كنتُ كثيراً «لأخيف نفسي» أقفز من سطح البيت إلى الأرض، قفزتُ بالمظلة مرتين، ورميتُ نفسي إلى الماء من ارتفاع معقول، صحيح لم أمت في أيّ مرةٍ، لكنني لم أخف نفسي، وظلّ الخوف ينتصر عليّ، أنا تماماً الطائر الذي حدثتكم عنه، أبداً لستُ الكلب العطش الذي انتصر على نفسه وقتل عطشه حين قتل صورة خوفه!
لقد اكتشفت خيفاتٌ مبكرةٌ، وجاءت قراءاتي في وقت ما متعايشةً مع (فوبيا) تظاهرت طويلاً بالخلاص منها، وما صورة الكلب إلا صورتي، وما صورة الطائر إلا صورتي.
المجدُ للأماكن العالية، المجدُ للطيور الحرّة التي تبقى طويلاً تعانق السماء وتعاف الأرضُ الذليلة، لا تصدقوني إذا قلتُ لكم: أنا أشبهُ الطيور الحرّة، ما كتابتي عنها إلا حسدٌ يصلُ حدود التماهي معها، حسدٌ لا يفسره سوى كثرة الطيور التي تطير في داخلي وتخرج لي ألسنتها القصيرة باستهزاء!
«الشجاعة هي إتقان الخوف وليس غياب الخوف» قالها مارك توين، صاحب «توم سوير» الذي يقفز ويمرّ على جداول الماء، ويعبرُ الأزقة الضيقة الموحلة حافياً، ويتعالق مع الحيوانات: الطيور والدوارج والزواحفُ وأشباه الكائنات، ها أنا ذا أخفي كائناً شبيهاً به في داخلي، كائناً ينتمي إلى مكانه وما كانَه، حيثُ تجدبُ الأرض، ويشتدّ عضد الشمس، لتكثر الأفاعي والسحالي والجرابيع، وتضمر حبات الحنطة، ويرتفع نشيجُ حشائش الصحارى، وتتسعَ السلوع!
أتقنتُ الخوفَ من الأفاعي، في المنام أراني في حقل مليء بها، أشكال مختلفة بألوان وأطوال متفاوتة، أكثرها شراسة تلك التي أراها تطيرُ كسهم وتعبرني مثل ضوء، أتفقد جسدي، أقول: ما زلت حيّا، أركضُ وأركض، غير أنني أراوح في مكاني، كما لو أني أعومُ في دغل شوكٍ كثيفٍ، عاينتهُ في دخولي سوريا من نصيبين قبالة مدينتي القامشلي تهريباً، كنتُ وقتها مسلحاً باشتياقي لطفليّ وزوجي وأصدقائي والأمكنة، فلم أتخيل أفعى كالتي أراها في المنام تلتّف حول رجلي وتفرغُ سمها، كانت رغبتي في الوصول أبعد، أبعد، أبعد من الخوف، ولأخيفَ الخوف صرتُ صديقاً للبراري، وناكث عهد مع الأفاعي في جحورها، إذ أصنع دخاناً يخرجها ويحجبها عن رؤيتي، ثمّ أمسكها من عنقها، لأرى فمها مفتوحاً ولسانها يلعب، ونابها المتيقظ للدغِ، في كل مرةٍ أحرضها بأداة لتفرغ سمّها، كنت أشعر بالطمأنينةِ وانتصاري على ذاتي، إلى أنْ وجدتُ أفاعي لا ناب لها، بل لها أسنانٌ كثيرة، ملساء، عدوّة، وتأتي بلبوسِ الصديق، لمْ أخلص من هذا الطارئ، وصرتُ من جديد أدخل دغل الشوك، وأجد ناب كائنٍ ينغرز في كاحلي.
قالَ لي أبي، عندما مرّنني على الدراجة الهوائية تعلّم الطيران، فكنتُ أرى طيرا حرّا يحلقُ عالياً فوقي، وقال لي:» عندما داهمني المسلح العراقي، اشتبكتُ مع الضابط، وكنت وقتها قوياً وصلباً وجسوراً، أتغذّى بالسمن العربي وحليب النياق، فلم يظفر بي إلى أنْ تكاثروا عليّ، ووضعوا كيساً أسودَ في رأسي، ومما قلتهُ: سأحفظ لك هذا الصنيع، جيد أن تراني طائراً حرّاً».
٭ شاعر وناقد سوري