تمثال الحرية: فيلسوف ميت

الحق أن النقد التنويري في المجتمعات التي يسيطر عليها التفسير الديني للكون، ينمو ببطء، وينتشر بهدوء شديد، وبين أفراد نخبة مثقفة، ومع ذلك فإنه يمتلك قدرة خارقة على التفكيك والهدم، لأنه يتوجه إلى أوهام العقل، ثم يضع الأيديولوجية، أمام محكمة الحقيقة، ذلك أن على الأيديولوجيا عمرا قصيرا، لأنها وعي مغلوط بلغة ماركس، إنها الواقع وهو يمشي على رأسه، ولذلك فإن الفلسفة قامت بتحرير الشعب الألماني من الأيديولوجية التي كانت العائلة المقدسة تهيمن بواسطتها على هذا الشعب المقهور، هكذا جاءت الفلسفة من خلال نشر التنوير وحررته.
والحال أن الفلسفة لابد أن تكون تنويرية، لا تكتفي بتفسير العالم، بل تغييره، لأنها تنطلق من أجل وجود الإنسان ووجود العالم، هما الشيء نفسه، ولذلك فإن تجويع الشعب هو بمثابة حرمانه من الوجود، لأن شروط العيش التعيسة ليست قدراً يأتي مع الإنسان إلى هذا العالم، بل إنه مجرد سيطرة للعائلة المقدسة على وسائل الإنتاج والأراضي، ذلك أن: «التاريخ ليس شيئا آخر غير تعاقب الأجيال المختلفة، التي يستغل بعضها بعضا، من خلال سيطرتهم على الرأسمالية ووسائل الإنتاج، لأنهم يتسلمونها ممن سبقوهم». ولعل هذا بالذات ما يحكم على الطبقة البروليتارية بهذا القدر الحزين مدى الحياة، إذا لم تتسلح بالوعي الذاتي، وتخوض ثورة التحرر من الخضوع والسيطرة لهؤلاء الذين لا ينتجون ويستهلكون، وقد تمرسوا على الاستغلال والسيطرة على قوة الإنتاج، لكن كيف يمكن إبداع ثورة الشعب؟ هل بالفكر التنويري؟ أم بواسطة ثورة الفلاسفة، أم العمال؟
لا يتردد كتّاب الأيديولوجيا الألمانية بنعت الفلاسفة بعمال الفكـــر، ولذلك فإن الصراع النظري ضروري في الصراع الطبقي، لأن النظرية الماركسية تحولت إلى ممارسة في الواقع، تسعى إلى تمزيق الحجاب عن الوجه البشع للوعي المغلوط، الذي يجعل العبد يخضع للسيد بدون مقاومة، بيد أن تدخل المادية التاريخية، وجدلية العقل والتاريخ، يقودان إلى اكتشاف الوعي البروليتاري، حيث سيخوض الصراع من أجل الانعتاق من العبودية، وامتلاك الحرية ووسائل العيش، أي الكرامة. الحرية والكرامة هما الشيء نفسه، وانطلاقاً منهما تتحقق ماهية الإنسان في العالم.

«التاريخ ليس شيئا آخر غير تعاقب الأجيال المختلفة، التي يستغل بعضها بعضا، من خلال سيطرتهم على الرأسمالية ووسائل الإنتاج، لأنهم يتسلمونها ممن سبقوهم».

لقد كانت الفلسفة الماركسية مرعبة للعائلة المقدسة، وذات قدرة على هدم أيديولوجيتها، وتحرير الشعب من استغلالها، عندما كان الشعب شعباً غير مخدر الإدراك بالخرافة والأسطورة، لأنه لم يعد يثق في رهبان الكنيسة، واكتشف خداعهم وتورطهم مع هذه العائلة، هكذا حققت هذه الفلسفة غايتها التي تجلت في تغيير العالم، وبذلك استطاعت أن تتم مسار التنوير في التاريخ، وبالأحرى جدل العقل والتنوير، أما في الفضاءات الشقية التي ظلت مخلصة للتقاليد الوسطوية، فإن الفلسفة لم تستقر في هذه الفضاءات، بل ظلت مضطربة، يطاردها الشعب الشقي الذي يكره الحرية، لأنه فضل العبودية والاستسلام للقهر والاستغلال في الأرض، لأنه لا يميز بين محبته للدين، وإخلاصه للعائلة المقدسة التي تدعي امتلاكها للحقيقة، ومعرفتها بأسرار السماء، فمن جيل إلى جيل يظل التاريخ معلقا في السماء، وتبقى الفلسفة مهمشة، يتهمها المجانين بالجنون، لأن عدم الرغبة في الخضوع للعبودية، معناه إحداث قطيعة مع مجتمع العبيد الذين تبصر أعينهم أشعة الشمس، فكيف يمكنهم الابتهاج بنور الحقيقة، ومن لم يتذوق متعة الحقيقة، من المستحيل أن يعترف بالتنوير ويطالب بحقوقه السياسة.
يفاجئنا سقراط في مطلع الكتاب السابع من «الجمهورية» قائلا:» والآن إليك صورة توضح الدرجات التي تكون بها طبيعتنا مستنيرة أو غير مستنيرة، تخيل رجالا ونساء قبعوا في مسكن تحت الأرض على شكل كهف تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف… تعوقهم أغلال الاستبداد عن التلفت حولهم برؤوسهم.. فهؤلاء السجناء لا يعرفون من الحقيقة في كل شيء إلا ظلال الأشياء»، بل أكثر من ذلك نجد الفيلسوف يتساءل مندهشاً أمام المستقبل الذي ينتظر هؤلاء السجناء الذين تعودوا على الأوهام، وتمكنت الأيديولوجيا من إحداث ثقب في كينونتهم، إلى درجة أن الفيلسوف أصبح عاجزاً عن تحريرهم: «فلنفترض أننا أطلقنا سراح واحد من هؤلاء السجناء.. وأخبرناه أن ما كان يراه ـ من قبل ـ كان وهما باطلا، وأن رؤيته الآن أدق، لأنها أقرب إلى الحقيقة.. ألا تظن أن عينيه ستؤلمانه، وأنه سيحاول الهرب والعودة إلى الأشياء التي يمكنه رؤيتها بسهولة».
ويكبر الحوار، وتشيخ معه المأساة، ويصمت الفيلسوف، ويعلم أن أيامه أضحت معدودة، لأنه هو نفسه ذلك السجين الذي تم اقتياده رغما عنه، وبمجرد ما واجه ضوء الشمس، وتألم، وانبهرت عيناه من النور، واكتشف الحقيقة، عاد إلى السجناء ليخرجهم، لكنهم اتهموه بالجنون والزندقة، وحكموا عليه بالموت، قدح السم مقابل الصمت الأبدي، والإخلاص لروح العائلة المقدسة، فبأي معنى يمكن أن نفهم هذا القدر الحزين الذي ينتظر كل من يريد أن يحرر شعبه؟ ألا يكون ثمن الحرية باهظا؟ ألا يكون نقيضها هو الموت؟ ألا تكون الحياة بدون حرية موتا؟ ألا يكون إعدام الفلاسفة إعداما للحرية؟
تمثال الحرية يشهد على ذلك إنه فيلسوف ميت، سلاحه الحوار الهادئ والعقلاني، غايته نشر الأنوار، يجد أعداءه في الخرافة والجهل، يردد باستمرار نداء الحقيقة، ودهشتها أمام الوجود حين تقول: «ألن يسخروا منه، ويقولوا أنه لم يصعد إلى أعلى إلا لكي يفسد أبصاره، وأن الصعود لا يستحق منا عناء التفكير فيه؟ فإذا ما حاول أحد أن يحررهم من أغلالهم، ويقودهم إلى أعلى، واستطاعوا أن يضعوا أيديهم عليه، ألن يجهزوا عليه بالفعل».

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية