بيروت-“القدس العربي”: يعتبر تمثال الشهداء في ساحة البرج، من أبرز المعالم التاريخية والمعاصرة وسط العاصمة اللبنانية بيروت، وهو نصب تذكاري لتخليد ذكرى الشهداء اللبنانيين الذين شنقهم الأتراك في تاريخ 6 أيار/مايو 1916 بتهمة التآمر على الدولة العثمانية والتعامل مع أعدائها.
في مرحلة الانتداب الفرنسي للبنان، أطلق الجنرال غورو اسم ساحة الشهداء على ساحة البرج، وتم نصب قوس لتخليد المناسبة، وبعدها استبدل القوس بنصب آخر، يمثل امرأة مسيحية وأخرى مسلمة محجبة، تذرفان الدموع على الشهداء في وعاء مشترك. عصبة تكريم الشهداء اللبنانية اعتبرت هذا النصب مذلا ويدعو إلى الاستسلام والخنوع، وقام سامي سليم أحد أعضاء العصبة بتحطيمه في أيلول/سبتمبر عام 1948.
عام 1956 وضع الرئيس اللبناني كميل شمعون حجر الأساس لتمثال جديد من تصميم لبناني، إلا أن حوادث عام 1958 في لبنان حالت دون اتمام المشروع. وبعد الأحداث كلف مجلس الوزراء اللبناني النحات الإيطالي مارينو مازاكور لتصميم نصب جديد لشهداء لبنان، وأنهى العمل بعد ثلاثين شهرا، وتم التدشين رسميا لتمثال الشهداء في 6 أيار/مايو 1960 برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية فؤاد شهاب.
وحسب الوثائق ومؤلفات الباحثين الذي كتبوا عن تاريخ بيروت المعاصر، فقد تم تنفيذ التمثال وفقاً لتصميم الفنان سامي عبد الباقي الذي كان قد رسم رجلين عملاقين أحدهما يحمل شعلة الحرية في يده.
التمثال كما يعرف اليوم، يمثل امرأة ترفع مشعلا يرمز للحرية بيد، وتحتضن بيدها الأخرى فتى، وعلى الأرض أمامها وخلفها شهيدان. يبلغ طول التمثال 4 أمتار و30 سنتيمترا وعرض قاعدته أربعة أمتار.
تقول الباحثة اللبنانية في تاريخ بيروت جويل بطرس، بعد انتهاء الحرب عام 1918 تأسست “عصبة تكريم الشهداء” التي كان هدفها تنظيم احتفال رسمي سنوي تكريماً للشهداء وحملت الساحة التي أعدموا فيها اسم “ساحة الشهداء”. وقد قررت العصبة جمع التبرعات من اللبنانيين لتشييد نصب تذكاري يخلّد ذكراهم. وبالفعل، نجحت في تأمين المبلغ اللازم وكلفت الفنان يوسف الحويك بتصميم التمثال. وفي 2 أيلول/سبتمبر 1930 تم تدشين نصب “الباكيتان” في حفل حضره رئيس الجمهورية شارل دباس والمفوض السامي الفرنسي هنري بونصو. وكان التمثال عبارة عن امرأتين باكيتين واحدة مسيحية وأخرى مسلمة ترتدي الحجاب تندبان ابنيهما فوق قبر يرمز إلى مدافن الشهداء.
وتشير الباحثة جويل بطرس إلى أن النصب لم ينل استحسان المسؤولين في السلطة من جهة واللبنانيين من جهة أخرى. فمعظمهم اعتبر ان الدموع تمثل الذل والخنوع في حين ان هؤلاء الشهداء أبطال. والنصب الذي كان معروفاً بـ”النصب التذكاري للشهداء” تحول بعد نيل لبنان استقلاله عام 1943 إلى “نصب الباكيتين”.
تحطيم النصب
وبالفعل، تعرض التمثال للتحطيم في أيلول/سبتمبر 1948 على يد سامي سليم الذي قرر ان يزيله بنفسه فنجح بكسر أنف إحدى السيدتين. وصفت الصحف حينها سليم بأنه رجل مختل عقلياً. في الواقع، كان سليم عضوا في العصبة واستاذا جامعيا اعتبر ان التمثال لا يمثل الشهداء فقرر تحطيمه لثني السلطة على نزعه.
الحملة على تمثال الحويك حدت بالحكومة في آخر عهد الرئيس بشارة الخوري عام 1952 إلى إطلاق مسابقة دولية لوضع مشروع جديد لنصب الشهداء التذكاري. وقد فاز في المسابقة المهندس اللبناني سامي عبد الباقي الذي كلف تقديم رؤية جديدة للنصب.
وصل الرئيس كميل شمعون إلى الحكم وتوقف العمل على المشروع بعد ان كان عبد الباقي قد أنهى التصميم. وفي عام 1955 تقرر رفع نصب “الباكيتان” من ساحة الشهداء.
وظلت الساحة بلا تمثال إلى العام 1960. وكان الرئيس اللبناني كميل شمعون قد قرر وضع حجر الأساس للنصب العتيد في احتفال 6 أيار/مايو 1956 في انتظار إيجاد التصميم المناسب. ووسط انشغال السلطة اللبنانية بخلافاتها وبثورة 1958 كلف المجلس البلدي لمدينة بيروت النحات الإيطالي مارينو مازاكورا تنفيذ النصب الجديد وفقاً لتصميم سامي عبد الباقي الذي كان قد رسم رجلين عملاقين أحدهما يحمل شعلة الحرية في يده. استغرق إنهاء التمثال الجديد حوالي 30 شهراً ودشن في احتفال رسمي حضره رئيس الجمهورية فؤاد شهاب في 6 أيار/مايو 1960. وكانت المفاجأة أن التمثال الجديد، البالغ طوله أربعة أمتار و30 سنتيمترا وعرض قاعدته أربعة أمتار، يجمع امرأة ترفع مشعلا يرمز إلى الحرية بيد وتحوط بيدها الأخرى شاباً وعلى الأرض أمامها ووراءها شهيدان. ولا نعلم لغاية اليوم لماذا لم يعتمد الفنان الإيطالي تصميم عبد الباقي. بناء على ذلك، احتجت العصبة رافضة التمثال على اعتبار انه لا يمثّل الشهادة وقاطعت الاحتفالات احتجاجا وانتهى الأمر إلى الاتفاق مع الحكومة على إلغاء التمثال الحالي وتنفيذ النصب الأساسي. وكان قد تقرر ان تعيد بلدية بيروت النظر في حديقة الساحة بحيث تنسجم مع التمثال، وان تنشئ أربعة ينابيع تمثل الفصول الأربعة. لكن البلدية اكتفت ببناء قاعدة للتمثال بقي مرفوعا عليها معزولا.
خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 أصيب تمثال الشهداء وسط بيروت بأضرار جسيمة، وتحول إلى خط التماس بين المتحاربين في بيروت الشرقية وبيروت الغربية لكن التمثال بقي منتصبا في وجه النيران على الرغم من إصابته بالقذائف والرصاص.
مع انتهاء الحرب الأهلية اتخذت الحكومة اللبنانية قرارا بترميم التمثال، وتولت العملية جامعة الروح القدس في الكسليك شمال بيروت بإشراف استاذ النحت الدكتور عصام خير الله، وتقرر نقل تمثال الشهداء في 29 آذار/مارس 1996 إلى معهد الترميم في جامعة الروح القدس، وفكك النصب إلى أربعة أجزاء.
انتهت أعمال الترميم ووضع التمثال في الباحة الرئيسية للجامعة وتركت اليد المبتورة بالإضافة إلى بعض الثقوب الصغيرة ظاهرة في التمثال كي تبقى شاهدة على الحرب الأهلية، حيث أكد الدكتور عصام خير الله أن كلفة الترميم بلغت حوالي 73 ألف دولار تكفلت بها شركة سوليدير.
حامل الشعلة
نقل التمثال يوم 15 تموز/يوليو 2004 من ساحة جامعة الروح القدس إلى ساحة الشهداء. وعند وصوله إلى بيروت، مددت أجزاء منه على الأرض وغطيت بقماش الخام وأكاليل الزهر وأسندت الفجوات بأكياس الرمل وذلك ريثما يتم تجهيز القاعدة الحجرية لرفعه عليها، وتهيئة المكان الذي سينصب فيه. لم يقم أي احتفال رسمي في الساحة بسبب الخلافات آنذاك بين رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري ورئيس الجمهورية اللبنانية اميل لحود. وفي الواقع، لم يسلم التمثال من التجاذبات بين الرجلين، إذ نقل في اليوم التالي إلى موقع الكرنتينا العسكري بعد أوامر من الرئيس لحود، والسبب هذه المرة غياب مكان لائق ومجهز لوضع التمثال الذي عاد في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 نهائياً إلى ساحة الشهداء في ذكرى عيد الاستقلال.
تمثال الشهداء وسط بيروت، الذي تزين خلال سنوات طويلة بالأعلام والرايات والشارات والكتابات والشعارات، تحول اليوم إلى حالة تعبيرية متصلة بالتعبيرات الأصلية الموجودة فيه كتمثال حامل الشعلة وتمثال الشهيد الممدد. ليكتسب من كل ذلك طاقة تعبيرية تتوظف الآن سياسياً وثقافياً. بهذا المعنى أيضاً، عاد نصب الشهداء ليستحق تسميته واصلاً ماضيه المقطوع عن الذاكرة بحاضر يمكن له أن يتشكل الآن.
من هذه الحيثيات، تتوضح معاني ورمزية تمثال الشهداء، لتاريخ لبنان المعاصر وأحداثه طوال القرن العشرين وفي بدايات القرن الواحد والعشرين.