نظام لبنان ‘يُقتل’ مرةً بعد اخرى، لكنه لا يموت. اهل النظام يدركونه قبل فوات الاوان بإسعافات اولية، ثم يعالجونه بدواء خارق. إنه قانون الانتخابات المركّب من مواد عجيبة غريبة تمكّنهم من إعادة إنتاجه. إعادة إنتاج النظام لا تعني بالضرورة شفاءه، ذلك ان المواد المستعملة في ‘خلطة’ الدواء تكون غالباً فاسدة وتتسبب في اعتلال الجسم السياسي مرةً اخرى، فما بالك وقد اضحى ‘قانون الستين’ (المركّب سنة 1960) فاقد الصلاحية؟ اهل النظام عجزوا اخيراً عن تركيب دواء جديد، حتى لو خُيّل اليهم انهم نجحوا فإن خلطة الدواء لن تُسعف المريض الذي يتقلّب على شفير الاحتضار. لذلك لجأوا الى اعتماد دواء مسكّن للاوجاع، انه تمديد ولاية مجلس النواب. لكن هيهات ان يكون للمسكّنات مفعول يتعدى تمديد احتضار نظام منهوك. هذه لوحة رمزية لحصيلة ايام وساعات من الاجتماعات والمناقشات المحمومة التي عاشها اهل النظام، رؤساء ومرؤسين، بحثاً عن تسوية لائقة لمصالح متناقضة وعداوات سياسية واجتماعية مزمنة . الى اين من هنا؟ اياً ما كان قانون الانتخابات، لا قدرة للسلطة على إجراء انتخابات قبل انتهاء ولاية مجلس النواب في 20 حزيران/يونيو المقبل. لا بدَّ، اذاً، من تأجيل موعد الانتخابات، تأجيلها يستوجب تمديد ولاية مجلس النواب الى اجل محسوب. بعضُ اهل النظام يريد تمديد الولاية سنتين، وبعضهم الآخر يريدها ستةَ او تسعةَ اشهر، كيف؟ ثمة شروط كثيرة: قوى 14 آذار تربط التوافق على التمديد بالتوافق على تأليف حكومة تكون لها فيها اليد العليا. قوى 8 آذار لا تريد لمدة التمديد ان تكون مديدة، وترفض المشاركة في اي حكومة لا يكون لها فيها الثلث الضامن او المعطّل. حليف 8 آذار العماد ميشال عون يريد تقصير التمديد لإجراء الانتخابات في اقرب ميعاد كي يستفيد تياره الوطني الحر من ردة فعل الناخبين المسيحيين السلبية على تخلي رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عن اتفاق كان تمّ ابرامه برعاية البطريرك الماروني مار بشارة الراعي، قضى باعتماد مشروع ‘اللقاء الارثوذكسي’ (التمثيل النسبي في لبنان كله دائرةً واحدة مع التصويت للمرشحين على اساس طائفي). رئيس جبهة النضال الوطني الوَسَطية وليد جنبلاط لا يمانع في تطويل مدة التمديد للمجلس النيابي لتطويل ممارسته دور ‘بيضة القبان’ بين قوى 8 و14 آذار . الى ذلك كله، ثمة موقف، ما زال غامضاً، لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مما يمكن ان ينتهي اليه تناحر الاطراف المتصارعة. يتردد انه يرفض تأجيل الانتخابات والتمديد لمجلس النواب كي لا يُتهم بأنه يرغب في التمديد مدةً لا تقل عن سنتين، فيكون له حظ في تمديد ولايته الرئاسية مدةً مماثلة. غير ان السؤال الاهم يبقى: هل يطعن الرئيس سليمان بقانون التمديد امام المجلس الدستوري؟ كل المزايدات والمناقصات والتأجيلات والتمديدات والمناورات والتخريجات التي مارسها اهل النظام اخيراً لإعادة انتهاج، لم ولن تمدّ في عمر النظام السياسي المحتضر، لا امل ولا حل يرتجى منهم طالما قواعد اللعبة هي ما هي عليه. ثمة حاجة استراتيجية ملّحة الى تغيير قواعد اللعبة للخروج الى ملعب جديد ومناخ نظيف ومباريات هادفة ومشوّقة وجمهور يشارك فيها ولا يبقى متفرجاً فقط. للخروج من النظام السياسي الطائفي الفاسد المنهار، ثمة نهجان: واحد للمدى الطويل، وآخر للمدى القصير والمتوسط: للمدى الطويل، لا بدّ من توافق القوى الوطنية والديمقراطية الحيّة على اطار جبهوي عابر للطوائف والمناطق وبرنامج اصلاح متكامل يرسي بموضوعية قواعد بناء دولة مدنية ديمقراطية على اساس حكم القانون والعدالة والتنمية. منطلق الاتفاق والاحتشاد والعمل من اجل تحقيق هذه المتطلبات والاهداف هو بإعلان الطلاق التام من النظام السياسي المحتضر وعنه، وذلك بإيجاد مناخ سياسي واجتماعي مغاير تماماً بقيَمه وغاياته ووسائله وقياداته وجمهوره. للمدى القصير والمتوسط، لا بد للقوى الوطنية والديمقراطية الحيّة من الاستفادة مما يتيسر، داخل الوضع الداخلي، من فرص ومتطلبات ووسائل وقيادات من اجل صون السلم الاهلي، ولجم العصبيات الطائفية والمذهبية، وتفادي الاضطرابات الامنية، ودعم القوى والقيادات المعتدلة والناشطة، من اجل ترسيخ العيش المشترك والمصالحة الوطنية، والضغط من اجل تشكيل حكومة وطنية جامعة لادارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، واطلاق أوسع حملة شعبية من اجل حمل الحكومة، كما المجلس النيابي، على وضع اسس جديدة لصوغ قانون ديمقراطي للانتخابات وإقراره في استفتاء عام. لقد بات واضحاً ان اهل النظام عجزوا عن إعادة إنتاجه بقانون ‘جديد’ للانتخابات يؤمّن تقاسم السلطة والمصالح والمغانم بينهم. ذلك كله جرّ البلاد الى حمأة ظروف استثنائية ستستولد بالضرورة شرعية استثنائية وبالتالي حلولاً استثنائية للقضايا الاساسية العالقة. منطلق المعالجة يكون بالتوافق على تأليف حكومة وطنية جامعة تكون في آن معاً سلطة تنفيذية وطاولة حوار وطني. كي تكون كذلك، يُستحسن ان تتألف من ثلاثين وزيراً على النحو الآتي: 8 ـ وزراء لقوى 14 آذار. 8 ـ وزراء لقوى 8 آذار وحلفائها (العونيين). 4 ـ وزراء لقوى الوَسَط . 10 ـ وزراء مستقلين للقوى الوطنية والديمقراطية الحية يجري اختيارهم من خارج الكتل الممثلة في الحكومة، وذلك على اساس وزيرين لكل من الموارنة (مثلاً: زياد بارود، فاديا كيوان او سايد فرنجية) والسنّة ( تمام سلام، بهيج طباره او محمـد المشنوق) والشيعة (حيّان حيدر، كامل مهنا او رائد شرف الدين)، ووزير واحد لكلٍ من الدروز (سليمان تقي الدين او غالب ابو مصلح) والارثوذكس (الياس سـابا او ميشال عبس) والكـاثوليك (فايز الحاج شاهين او شربل نحاس) والارمن الارثوذكس (كريم بقرادوني او انطوان نشانكيان). وحبذا لو يُستعاض عن الحكومة الثلاثينية المقترحة آنفاً بحكومة عشرية يجري اختيار اعضائها من بين الاسماء الواردة اعلاه . يكون المحور الاساس في برنامج الحكومة وضع احكام الدستور موضع التنفيذ، ولاسيما المادة 22 منه التي تنص على انتخـاب مجلس النواب على اساس وطني لاطائفي، ومجلس الشيوخ لتمثيل الطوائف، وبالتالي وضع مشروع قانون لانتخاب اعضاء كلٍ من المجلسين المذكورين على الاسس الآتية: ـ المناصفة غير المذهبية بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب. ـ التوزيع الطائفي للمقاعد في مجلس الشيوخ. ـ اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة في انتخابات كِلا المجلسين. ـ اعتماد قاعدة التمثيل النسبي في انتخابات مجلس النواب. ـ اعتماد قاعدة ‘لكل ناخب صوت واحد’ في انتخابات مجلس الشيوخ. ـ استصدار قانون دستوري لإجازة إقرار قانون الانتخابات وتعديلاته لكِلا المجلسين في استفتاء عام . ـ اجراء الانتخابات خلال ثلاثة اشهر تلي إقرار قانون الانتخابات في الاستفتاء العام. اهل النظام عجزوا عن انتاج قانون جديد للانتخابات بغية إعادة انتاج النظام المصنوع لخدمة اشخاصهم ومصالحهم. فلا اقل، والحالة هذه، من ان يفسحوا في المجال للقوى الحية كي تشارك في وضع اسس نظام سياسي مغاير يعتمد المبادئ والاحكام المنصوص عليها في الدستور. اجل، الشعب يريد إنفاذ الدستور، وان تشارك نخبة اصلاحية موثوقة من ابنائه في عملية وضع مشروع قانون جديد للانتخابات يكون مدخلاً للإصلاحات الدستورية المرتجاة، وان يقرّ الشعب في استفتاء عام مشروع القانون العتيد. هل ثمة نهج للخروج من ازمة مجتمعنا التعددي اكثر مشروعية وديمقراطية من هذا النهج المقترح؟