تونس-“القدس العربي”:أعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تمديد حال الطوارئ في البلاد حتى السادس من شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، في خطوة أثارت جدلا واسعا بين التونسيين خاصة انها جاءت في ظل تحولات كبرى تعيشها البلاد، وفي خضم ظرف أمني وسياسي متوتر. فقد عبر بعض الناشطين والحقوقيين عن هواجسهم ومخاوفهم من ان يقع تسييس التمديد للطوارئ خاصة ان البلاد مقبلة على مواعيد انتخابية رئاسية وتشريعية هامة قريبا.
وتجدر الإشارة إلى انه تم إقرار الطوارئ في تونس خلال عدة مراحل تاريخية، خاصة في الفترة التي أعقبت الثورة عام 2011. وفي عودة إلى تاريخ تونس المعاصر تم فرض حال الطوارئ خلال أحداث ما يسمى بـ”الخميس الأسود” عام 1978 وخلال أحداث الخبر في 1984 وبعد الثورة تم التمديد لحال الطوارئ مرات عدة خاصة بعد هجوم سوسة عام 2015 لتدخل البلاد حينها في معترك جديد من أشرس مراحل الحرب ضد الإرهاب. كما فرضت الطوارئ في أعقاب عدة عمليات إرهابية مثل أحداث بنغردان والعملية الإرهابية التي تعرض لها الأمن الرئاسي.
صلاحيات واسعة
وينص القانون التونسي على “ان إعلان حالة الطوارئ في كامل تراب الجمهورية أو في بعضه يتم، إما في حالة خطر داهم ناتج عن نيل خطير من النظام العام أو في حال حصول أحداث تكتسي بخطورتها صبغة كارثة عامة”. وبذلك فان هذا القانون يمنح وزير الداخلية، صلاحيات واسعة مثل وضع المواطنين تحت الإقامة الجبرية، وتحجير الاجتماعات، وحظر التجول، وتفتيش المحلات ليلا ونهارا ومراقبة الصحافة والمنشورات والبث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية، دون وجوب الحصول على إذن مسبق من القضاء”. كما يعطي الوالي صلاحيات استثنائية واسعة مثل فرض حظر تجوال على الأشخاص والعربات ومنع الإضرابات العمالية.
وفي ظل الصراع المفتوح على كل الاحتمالات على الحكم في تونس، يبقى السؤال الأهم هل البلاد بحاجة إلى التمديد في حالة الطوارئ؟
آثار سلبية
ويقول المحامي والناشط الحقوقي رمزي الخليفي، لـ “القدس العربي” ان حال الطوارئ استثنائية يتخذها رئيس الجمهورية بعد استشارة رئيس البرلمان ورئيس الحكومة، وتونس بدأت في هذا الخيار منذ سنة 2015 باعتبار انها مهددة بخطر الإرهاب. وأضاف: “أعتقد شخصيا ان حال الطوارئ قد طالت في تونس وليس هناك فائدة من وجودها. فهي حالة استثنائية جدا ولم نشهد انه تم تفعيلها فيما يتعلق بالاحتجاجات الاجتماعية وغيرها بل تم تفعيلها فقط فيما يخص ما يسمى بمحاربة الفساد، باعتبار انها تخول عددا من الإجراءات الاستثنائية للسلطة التنفيذية كالمداهمة وتفتيش المحلات ليلا ونهارا والوضع تحت الإقامة الجبرية دون الحصول على إذن قضائي”. وقال محدثنا ان هذا الإجراء اتخذ في الظرف الراهن من أجل تصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين ووضع عديد الأشخاص تحت الإقامة الجبرية من دون ان يشكلوا خطرا كبيرا على الأمن القومي التونسي واستقرار الوضع”. وأضاف: “أعتقد ان المستفيد الوحيد من حالة الطوارئ هو رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي استغل الإجراءات الاستثنائية لوضع بعض رجال الأعمال تحت الإقامة الجبرية لمصادرة الحقوق والحريات ولاعتقال عدد كبير من رجال الأعمال فيما يسمى بحملة الحكومة على الفساد والفاسدين. واعتقد ان هذا الإجراء الاستثنائي وقع استغلاله بطريقة مخالفة للقانون وللدستور وللمعاهدات والمواثيق الدولية”. وأكدت منظمات وجمعيات غير حكومية حقوقية، ان هناك عددا من المداهمات في ظل حالة الطوارئ تجري دون إذن قضائي في عملية أقرب إلى الاستعراض العشوائي للقوة من قبل السلطة، وحدثت حالات استعمال مفرط للقوة ضد المواطنين الذين لم تثبت ضدهم أي تهم بصفة قطعية. وأكدت هذه الجمعيات الحقوقية ان هناك مئات الأشخاص الموضوعين تحت الإقامة الجبرية على أساس انهم خطيرين، لذلك لا فائدة عملية من هذا الإجراء سوى ضرب حقوق الإنسان وخرق الدستور والمعاهدات والمواثيق الدولية.
وأشار إلى “ان هناك إجراءات تعسفية اتخذتها الحكومة وهناك أكثر من 100 ألف تونسي متخذ ضدهم إجراء حقوقي ويتعلق بسفر الأشخاص خارج البلاد وتم اعتماده في النقاط الحدودية البرية والجوية والبحرية وهو إجراء متخذ بصفة تعسفية والمفروض ان يتخذ فقط ضد الأشخاص الخطيرين الذين تحوم حولهم شبهة الإرهاب”.
وأضاف: “على هذا الأساس كرجل قانون وناشط سياسي اعتبر انه آن الأوان لرفع حالة الطوارئ. فالحرب على الإرهاب ما تزال طويلة المدى ولا يعقل ان تبقى تونس تحت حالة الطوارئ إلى ما لا نهاية”. واعتبر ان قانون الإرهاب كفيل بمواجهة ظاهرة الإرهاب وتونس ليست في حاجة إلى حال الطوارئ التي تحد من الحريات بشكل كبير وتعرض المواطنين لخطر المداهمات الليلية وترويع العائلات دون أي إذن قضائي أو اعتماد الإجراءات القانونية العادية التي تكفل حقوق الدفاع وتحترم خصوصية المسكن والحياة الخاصة وتحترم الإجراءات القانونية بصفة عامة التي تضمن كرامة المواطن التونسي.
في المقابل اعتبر الحقوقي محمد درغام، الباحث في المركز المغاربي للدراسات والبحوث، ان التونسيين لم يلاحظوا خلال السنوات الماضية ان هناك حال طوارئ في البلد، لأن الأمور تسير بطريقة عادية جدا. وبالتالي سواء أعلنت الطوارئ أم لم تعلن، فالأمر سيان وبالتالي فلا فائدة من إعلانها لأنها صورية وتبعث الرعب في النفوس لا غير وتجعل الناس يعتقدون ان هناك خطبا ما.
كما ان من مساوئ الإعلان عن حال الطوارئ هو بعث رسائل خاطئة للخارج عن الأوضاع في تونس. فمن لا يزور تونس يتصور ان الحواجز والمتاريس في كل مكان والرصاص يطلق من كل حدب وصوب والناس لا يغادرون بيوتهم إلا لقضاء الحاجات الضرورية وهذا مخالف للواقع تماما. وقال ان “هناك بعض الأشخاص في الخارج يصيبهم الهلع كلما تم الإعلان عن الطوارئ في تونس رغم ان الأوضاع عادية ولا شيء يبعث على القلق”.
وأضاف: “للأسف فإن هذه الحكومات التي تداولت على سياسة أمور العباد في تونس لم تفلح إلا في بث الرعب في نفوس التونسيين بهذه الإعلانات التي تتجدد دوريا منذ 2010 والتي ملها الناس وباتت روتينا لا أكثر ولا أقل. والمطلوب اليوم هو القطع مع هذه الأوضاع الاستثنائية ومتطلباتها وبعث رسائل الاطمئنان للتونسيين حتى يستأنفون حياتهم بصورة طبيعية خاصة، وان هناك دولا أخرى منافسة تستفيد كثيرا من إعلان حالة الطوارئ في تونس”.
بين الأمني والحقوقي
وأكد الناشط السياسي والحقوقي زهير المغزاوي، ان حال الطوارئ هو موضوع إشكالي في تونس. ويضيف لـ “القدس العربي”: “فالوضع الأمني لا يزال متدهورا وخطر الإرهاب يحوم حول البلاد ولم تحسم بعد المعركة نهائيا معه، وحتى العملية الإرهابية الأخيرة أثبتت ان البلاد ما تزال في مرمى حجر من الإرهاب والجماعات الإرهابية وهذا يتطلب اتخاذ كل الإجراءات لحماية أمن المواطنين، وهو ما يبرر تمديد حالة الطوارئ. ولكن من جهة أخرى نلاحظ انه في بعض الأحيان تستعمل حالة الطوارئ لضرب مكاسب التونسيين والتونسيات مثل حق الاحتجاج والتظاهر وحق التعبير عن الرأي كما في الأوضاع الاجتماعية مثل الوضع المعيشي وغلاء المعيشة”.
ويؤكد “ان هناك اشكالا كبيرا في تونس، لان السلطة ومنظومة الحكم تريد ان تستغل الوضع الأمني وحال الطوارئ في غير موضعها وفي قمع الاحتجاجات تحديدا”.
وأضاف ان “المعركة مع الإرهاب ما زالت قائمة وهذا يستدعي إجراءات استثنائية ولكن الحاكم يستخدم هذه الإجراءات من أجل قمع الحريات وقمع حق المواطنين والمواطنات في التعبير عن الرأي”. ويشير إلى حالات عديدة حدثت مثل التحركات التي شهدتها السنة الماضية إثر صدور قانون المالية. وأيضا ما تم خلال الأيام الماضية من إلقاء القبض على بعض الشباب المتظاهرين في منطقة المكناسي بتعلة احترام حال الطوارئ.
وفي الأيام القليلة المقبلة حدثت ايقافات عديدة في مدينة رقاب من ولاية سيدي بوب وزيد، فضلا عن ايقاف بعض المدونين وكل هذه التحركات من قبل السلطة كانت تتم بحجة ان البلاد في حال طوارئ. وهناك أمثلة أخرى عديدة”.
ويشير الناشط السياسي التونسي إلى ان “حال الطوارئ اتخذت منذ الثورة وقبل ان يسقط نظام بن علي، واستمرت بعد الثورة في عهد الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم خاصة إثر العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد مثل جريمة اغتيال الشهيدين محمد البراهمي، وشكري بلعيد، وهذه المعركة ضد الإرهاب تتطلب اتخاذ إجراءات استثنائية مثل فرض حال الطوارئ والتعبئة العامة. ومنذ الثورة لم ترفع الطوارئ وكان المبرر هو الحالة الاستثنائية للبلاد التي تمر بها إثر الثورة والمبرر الثاني هو المعركة ضد الإرهاب”. ويتابع: “قد نتفهم اتخاذ الإجراءات الطارئة في معارك ضد الإرهاب ولكن لا يمكن ان نتفهم ان تتخذ ذريعة للتضييق على الحريات والمكاسب”.
وأكد ان بعض الحكام اليوم يستغلون الوضع، لذلك يرى ان التمديد لحال الطوارئ هو كلمة حق يراد بها باطل إذ غالبا ما باتت تستخدم ذريعة من أجل ملاحقة بعض الناشطين في المجتمع المدني أو الأحزاب للتضييق عليهم.
مستقبل الوضع
وبخصوص مستقبل البلاد أكد المغزاوي، ان تونس تمر بظروف صعبة جدا نتيجة فشل الائتلاف الحاكم على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية، وهذا الفشل تعبر عنه كل الأرقام المتعلقة بالمديونية والتضخم ونسب البطالة وتردي الخدمات على مستوى الصحة والتعليم.
وقال ان أزمة الحكم متواصلة منذ سبعة أشهر وهناك معركة اليوم تدور حول السلطة ومن يحكم تونس سنة 2019. وهناك غموض حول ملف الإرهاب وما نشر من معطيات مؤخرا عن استشهاد الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وما حدث في الشعانبي وعن تسفير شباب تونس إلى مناطق القتال، كلها ملفات لا تزال غامضة ولم تفك شفرتها بعد وهناك نقاط استفهام كبيرة حول مستقبل الوضع والتونسيون يعيشون ظروفا صعبة على المستوى المعيشي والأمني خاصة ان الإرهاب متربص بالبلاد والعملية الأخيرة في الشعانبي هي أكبر دليل على ذلك. ومنذ ان ضاق الخناق على الجماعات الإرهابية في سوريا، أصبحت ليبيا ملاذا لها وتونس ليست بعيدة وهي في مرمى هذه الجماعات. كل ذلك يؤكد ان تونس تعيش أزمة مركبة اقتصادية واجتماعية وسياسية والمطلوب اليوم هو ان يجتمع المواطنون ويجدوا حلولا للخروج من الأزمة”.
كل هذه الظروف الراهنة التي تمر بها تونس، تؤكد ان فرض حال الطوارئ هو شر لا بد منه من أجل مواجهة خطر الإرهاب. وهنا يكمن التحدي الأهم وهو في مدى قدرة السلطة الحاكمة على التوفيق بين متطلبات الوضع الأمني والأخذ بعين الاعتبار ضرورة احترام الحريات والمكاسب التي جاءت بها الثورة وعدم ملاحقة المعارضين والناشطين والمدونين بتعلة حال الطوارئ. فالتوفيق بين هذه الخيارات الأمنية والحقوقية والسياسية هي المعادلة الصعبة الضائعة في تونس والتي يمكن ان تخرج البلاد من الأزمة الراهنة.