عاشت أسواق النفط يوما عصيبا في نهاية معاملات الأسبوع الماضي، حيث هبطت أسعار الخامات الرئيسية وسط عوامل متضاربة، بين خطة بايدن للسحب من المخزون الاستراتيجي، ومخاطر انتشار متحور جديد لفيروس كورونا، قد يهدد فرص نمو الاقتصاد العالمي، وترقب لما سيحدث في اجتماع أوبك المقبل. كما دخلت وكالة الطاقة الدولية على الخط، ووجه مديرها العام فاتح بيرول اتهاما مبطنا إلى أوبك بأنها وراء الارتفاع المستمر في الأسعار منذ بداية الشهر الحالي، بتقاعسها عن زيادة الإمدادات بالقدر الكافي، على الرغم من وجود طاقة إنتاج غير مستغلة تقدر بحوالي 6 ملايين برميل يوميا. أوبك وحلفاؤها سيجتمعون في الثاني من الشهر المقبل لاتخاذ قرار بشأن كميات الإنتاج لشهر شباط/فبراير وظروف السوق الحالية. مراجعة أوضاع السوق قد تسفر عن تجميد الزيادة المقررة في الإنتاج التي تبلغ 400 ألف برميل يوميا في كانون الثاني/يناير. وقد تسربت من داخل المظمة تقديرات تشير إلى وجود وفرة في الإمدادات حاليا ستتحول إلى فائض يزيد عن مليوني برميل يوميا في الربع الأول من العام الجديد. إذا صح ذلك فإن وزراء أوبك+ قد يقررون تجميد الإنتاج عند مستوياته الحالية، أو ربما تخفيضه وليس زيادته، وهو ما يعني عمليا بداية حرب أسعار جديدة بين المنتجين والمستهلكين.
في واقع الأمر فإن سوق النفط يشهد اختبارا صعبا لقوة الإرادة بين أوبك وشركائها من ناحية، والولايات المتحدة والدول المستهلكة من ناحية ثانية. وقد تمردت أوبك على طلب الولايات المتحدة زيادة إمدادات النفط إلى السوق، وتجاهلت هذا الطلب الذي كرره الرئيس الأمريكي جو بايدن في أكثر من مناسبة في النصف الثاني من الشهر الحالي، بمجرد انتهاء مؤتمر المناخ العالمي في غلاسكو. وينطوي الطلب الأمريكي على تناقض بين الالتزامات التي كانت تدعو إليها دول العالم بتخفيض استهلاك الوقود الإحفوري، وبين الحاجة إلى توفير احتياجات الوقود اللازم لمقابلة النمو الاقتصادي الارتدادي السريع، الذي تشهده الدول الصناعية حاليا. المشهد لا يقتصر على الدول المنتجة والدول المستهلكة فقط، وإنما يضم أيضا الشركات النفطية، ذات المصلحة في الحصول على أكبر عائد ممكن على استثماراتها في مناطق الإنتاج المنتشرة حول العالم.
وتشير القوائم المالية لشركات النفط الكبري مثل «اكسون موبيل» و «شل» و«توتال انيرجيز» وغيرها إلى شطب أو تخفيض القيمة الفعلية لاستثمارات قائمة في مناطق مهمة للإنتاج في شرق أفريقيا وكندا وبحر الشمال والولايات المتحدة. وقد بلغت قيمة تخفيض الأصول الاستثمارية في العام الماضي حوالي 150 مليار دولار، من المتوقع أن تقفز فوق ذلك في العام الحالي، وربما تصل إلى أكثر من 3 تريليونات دولار قبل منتصف القرن الحالي.
في هذا السياق تقدر وكالة الطاقة الدولية أن أسعار النفط ستنخفض إلى 36 دولارا للبرميل بحلول عام 2030 وإلى 24 دولارا عام 2040 وهو ما تسبب في إصابة الشركات بصدمة كبرى لدى صدور التقرير السنوي الأخير للوكالة.
وتخشى الشركات عموما من أن يؤدي الميل العالمي لتقليل الاعتماد على الوقود الإحفوري لأن ينتهي الأمر إلى بقاء ما يقرب من 60 في المئة من الثروة النفطية في العالم حبيسة في باطن الأرض إضافة إلى ثروة مناجم الفحم. أنصار البيئة يقولون بأن الإستمرار في الاعتماد على الوقود الإحفوري يعني انتحار العالم، وأن الاختيار هو ليس بين بقاء النفط في مكامنه أو استخراجه، وإنما هو بين بقاء العالم أو فنائه.
توتر في السوق
سجلت أسعار النفط خلال الأسبوع الماضي أعلى مستوى لها في 7 سنوات على الرغم من بدء تنفيذ خطة أمريكية بالتنسيق مع دول مستهلكة رئيسية لسحب كميات ضخمة من الاحتياطي المخصص للطوارئ، وإطلاقها لتخفيض الأسعار. ومع ذلك فقد سجلت معاملات يوم الجمعة اتجاها عكسيا، وتعرضت أسعار النفط الخام لهبوط حاد، بنسبة وصلت إلى أكثر من 10 في المئة لخام برنت وحوالي 12 في المئة لخام ويست تكساس الأمريكي.
تمرد أوبك على طلب زيادة الإمدادات أعاد سوق النفط للمرة الأولى منذ نحو 30 عاما لتصبح «سوق بائعين» وليست «سوق مشترين» وهو ما يعني ان الدول المصدرة هي التي تحدد الأسعار وليس الدول المستهلكة. اختبار الإرادة الحالي لن يتم حسمه إلا على ضوء نتائج اجتماع أوبك+ يوم 2 كانون الأول/ديسمبر، وكذلك عندما يتضح الموقف بالنسبة للآثار المحتملة للمتحور الجديد من فيروس كورونا على النمو الاقتصادي العالمي. وطبقا لتقديرات أوبك فإن السوق ستشهد فائضا في الإمدادات بسبب السحب من المخزون الاستراتيجي للدول المستهلكة، وإن كمية الفائض ستزيد من 400 ألف برميل يوميا في الشهر المقبل إلى أكثر من مليوني برميل يوميا في الربع الأول من العام المقبل.
خطة بايدن
تهدف خطة بايدن إلى تصحيح الأوضاع في سوق النفط بعد أن ارتفعت الأسعار إلى مستوى يهدد فرص النمو ويشعل نار التضخم. وتشمل الخطة سحب 50 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة، والتنسيق مع الدول الصناعية والدول الرئيسية المستوردة للنفط وعلى رأسها الصين والهند لسحب كميات من مخزون الاحتياطي النفطي وإطلاق كميات كبيرة من النفط في السوق للضغط على الأسعار إلى أسفل. وأعلن بايدن عزمه سحب 50 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، وهو ما بعتبر أكبر تدخل حكومي على الإطلاق في سوق النفط العالمية، منذ حرب الخليج الأولى «عاصفة الصحراء» عام 1991 التي بلغت خلالها كمية السحب من الاحتياطي حوالي 33.7 مليون برميل. كذلك فانها أول عملية تدخل حكومي منسق من جانب الدول المستهلكة في سوق الإمدادات تشترك فيها إلى جانب الولايات المتحدة بريطانيا (1.5 مليون برميل) واليابان (5 ملايين برميل) والهند (5 ملايين برميل) وكوريا الجنوبية (حوالي 3.5 مليون برميل) وربما الصين أيضا (7 – 15 مليون برميل حسب تقديرات خبراء غربيين). ومن ثم فإن كمية الإمدادات بالسحب من الاحتياطي التي تصل إلى حوالي 80 مليون برميل تفوق ما كانت قد نصت عليه خطة التدخل التي وضعتها وكالة الطاقة الدولية عام 2011 لضخ 60 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للدول المستهلكة في السوق بسبب انقطاع الإمدادات الليبية.
أسعار النفط الخام ارتفعت خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر بنسبة 12 في المئة، طبقا للنشرة الشهرية الصادرة عن منظمة أوبك. وكان الطلب القوي في أوروبا والشرق الأقصى، مدفوعا بقوة النمو الاقتصادي وزيادة الحاجة إلى وقود التدفئة في فصل الشتاء هو أهم محركات ارتفاع الأسعار. وسجلت سلة أسعار أوبك ارتفاعا بحوالي 8.23 دولار للبرميل ليصل إلى 82.11 دولار للبرميل بزيادة شهرية نسبتها 11.1 في المئة. أما على أساس سنوي فإن الزيادة تقفز إلى 68.4 في المئة، وتعادل حوالي 28 دولارا في البرميل الواحد. أما الزيادة السنوية في سوق العقود الآجلة فتصل إلى 12 في المئة. لكن الوضع انقلب إلى النقيض في نهاية الأسبوع الماضي وتعرض النفط خلال جولة المعاملات الثانية لخسارة شهرية اعتبارا من أول الشهر الجاري تتراوح بين 13 إلى 17 في المئة بالنسبة لخامي برنت وويست تكساس على التوالي، بينما كانت الخسائر لسلة نفوط أوبك حوالي 2.5 في المئة مقارنة بما كان عليه متوسط الأسعار في بداية الشهر الحالي.
ومن مصلحة الدول المصدرة للنفط أن تحصل على السعر التوازني لصادراتها النفطية. ويدور هذا السعر حول معدل 80 دولارا للبرميل في السعودية، ويقل عن ذلك كثيرا في روسيا ودول خليجية أخرى. وطالما أن تحقيق توازن الميزانية في الدول المصدرة للنفط يتصدر أولويات السياسة الاقتصادية فليس من المتوقع أن تضخ هذه الدول كميات كبيرة من النفط إلى السوق، إلا إذا ثبت لديها أن هناك ارتفاعا حقيقيا في الطلب العالمي يبرر ذلك. ومن المشكوك فيه أن تقرر أوبك والدول الشريكة معها وأهمها روسيا في اجتماع الثاني من الشهر المقبل مواصلة زيادة الإنتاج على ضوء تطورات يوم الجمعة. وعلى الأرجح سوف تركز أوبك على إعادة تقييم ظروف السوق، واتخاذ ما يلزم من القرارات الاستثنائية إذا احتاج الأمر إلى وقف زيادة الإنتاج بكمية 400 ألف برميل يوميا التي كانت قد تقررت لشهر كانون الثاني/يناير المقبل. ومع ذلك فإنه نظرا لدخول فصل الشتاء، وانخفاض الاحتياطي التجاري لشركات المصافي النفطية، سيكون السوق معرضا للمزيد من التوتر والتقلبات في الأسعار خلال الشهر المقبل.