‘تمرد’… عنوان المرحلة

ما من يومٍ يمر إلا ويتزايد الضغط والسخط الشعبيين في مصر.. لم يعد الأمر يتعلق بـ’انسداد أفق الحل السياسي’ بين الفصيلين السياسيين اللذين يستقطبان السياسة الرسمية، بل انهيار عملية التحول الديمقراطي، فهذه الأمور لا تشغل بال العامة، وإن ورد ذكرها فإنما تمر مرور الكرام، كصدى بعيد من أحاديث نجوم الفضائيات من الإعلاميين والمثقفين ومدعي الثقافة وممثلي القوى السياسية المختلفة، التي يلف الغموض أكثرها وكثيراً ما تلتبس على الجمهور الفوارق الفاصلة بينها. فما يشغل الناس اليوم أكثر إلحاحاً وإيلاماً، أشد بدائيةً والتصاقاً بواقعٍ مريرٍ معاش، تشغلهم بطونهم التي يزداد خواؤها جراء تعطل الأرزاق والفوضى المتعاظمة وغياب الأمن، وهم يرون عبر معاناتهم اليومية تبخر كل الوعود والأحلام بصورةٍ شبه تامة تجعل من مجرد تصديقهم السابق لها مزحةً مخزيةً ثقيلة.
إن سحباً كثيفة جداً تتجمع بسرعةٍ ووتيرةٍ مدهشة في سماء حكم الجماعة من وراء د. مرسي، ولا نبالغ مطلقاً إذ نقول ان علامات سوء، أو بالأدق فشل الإدارة البارزة بشكلٍ متعاظم صارت مثار التندر والفكاهة اليومية. والمشكلة الحقيقية تكمن فيما يتراكم فوقها من ‘فضائح’ سياسية من العيار الثقيل؛ فلا يخفى على أحد ما وصلت إليه الحالة الاقتصادية من خطورة، حيث احتياطي العملة الصعبة في أدنى مستوياته، والاقتصاديون المحترفون يبشروننا يوماً بعد الآخر بوصوله حد الخطر، وعلى ذلك فقيمة الجنيه تتدنى ويتزامن مع ذلك تسريحاتٌ بالجملة للعمال، وتنامي معدلات البطالة والجريمة… كما أن الانفلات الأمني وشيوع سطوة البلطجية الذين يروعون الناس صار أمراً اعتيادياً مبتذلاً، ولا يمر يوم من دون سماعك قصة اختطاف لسيارة أو طفل والمساومة، مقابل فديةٍ باهظة من أشخاصٍ معدمين على الإجمال. ولعل سائق تاكسي أوجز فأبلغ، إذ قال لي’ ان الحياة صارت لا تعاش، وان كل يوم هو رحلة عذاب’. أليس من قبيل المضحك المبكي أن تدني الأوضاع تحت حكم د. مرسي والجماعة من ورائه بيض صفحة مبارك ووزير داخليته اللواء حبيب العادلي، بدلالة كم أولئك الذين يترحمون عليهما وعلى ‘سيطرتهما’ الأمنية؟!
أما من ناحية الفضائح، فإن الجدل الذي أثاره اختطاف الجنود وإطلاق سراحهم لم ينته بعد، وكما كتبت في مقالي السابق فإن فرحة رجوعهم كانت قصيرة العمر، إذ أخلت محلاً لشكٍ عميقٍ وتهكمٍ لا حد له، نظراً لما يلف العملية برمتها من غموضٍ، فما أعلن عنه من ‘تفاصيل’ غير مقنعٍ بالمرة، ناهيك عن عدم توفر أي عنصر بطولة أو أداءٍ عسكريٍ مشرف، فمن ناحية لم يتم القبض على الخاطفين، أولئك الذين صرح د. مرسي بحرصه على حياتهم، ومن ناحيةٍ أخرى فإن الإشاعات عن صفقة بين النظام والخاطفين تزيد غضب الجمهور وخوفه من سهولة تكرار ذلك مستقبلاً، الأمر الذي لا يساعد مجمل سلوك النظام وتحركاته على نفيه. وليت الأمر توقف عند هذا الحد، إذ جاءت تصريحات السيد موسى أبومرزوق، القيادي بحماس عن استشهاد الأربعة جنود وضباط ( الذين أشرت إلى استمرار غيابهم في مقالي السابق أيضاً) لتزيد الطين بلة، إذ من ناحيةٍ أحرجت النظام ومن ناحيةٍ أخرى فاقمت حالةٍ متعاظمة من الشوفينية غير العقلانية والعداء العدواني ضد غزة وأهلها، الذي يصل حد المطالبة بالعقاب الجماعي للقطاع بدايةً بإغلاق لا الأنفاق فقط وإنما المعابر أيضاً.
أعتقد أنه من الموضوعي تقرير أن مساحة شعبية د. مرسي وجماعته تنحسر بشكلٍ سريعٍ ومذهل، وليس ثمة مبالغة في التأكيد على أن جماعة الإخوان المسلمين خسرت في العامين الماضيين، ما لم تخسره في الثمانين سنة الماضية، غير أن الملاحظ أن ما تخسره الجماعة لا تكسبه المعارضة في جبهة الإنقاذ، ولا يضاف إلى رصيدها، نظراً لحالةٍ من التخبط والتضارب والضعف الداخلي في قلب التنظيمات.. ودرجة ما من الميوعة من قبل بعض الأطراف، إذا شئنا الدقة والصراحة.
في خضم كل ذلك، وأمام هذا الانسداد والاحباط المتنامي، سوف يستوقفك في الشارع شبابٌ صغار، مشرقو الوجوه مبتسمون، متحمسون، يوزعون ورقةً بسيطة هي في حقيقتها احتجاج، في أعلاها وبخطٍ عريض كلمة ‘تمرد’، لن تحتاج إلى أكثر من نظرةٍ سريعة لتدرك أن الطباعة رخيصة، فالأوراق طبعت بمجهوداتٍ شخصية، وحين تقرأها تحركك ببساطتها واقتضابها، فقد صيغت بعاميةٍ مصريةٍ سهلة لتصل إلى الجميع، إلا أن إعجازها يكمن في إيجازها، فهي إذ تصرح برغبة الموقعين أدناه في سحب الثقة من د. مرسي معبرةً عن ذلك بكلمتي ‘مش عايزينك’ تسوق المسوغات لذلك، في صورة كل المظالم وصور الفشل في الأداء التي نسود الكثير من الصفحات في سردها وتحليلها، من فشلٍ وتسولٍ اقتصادي إلى مطالبةٍ بحقوق الشهداء.
إن ‘تمرد’ ليست مجرد ورقةٍ أو حركةٍ، إنها حالة.. إنها عنوان مرحلةٍ جديدة دخل فيها الشعب المصري طرفاً ولاعباً أساسياً في اللعبة السياسية، وتعبير عن المطالبة باسترداد الثورة، وتأكيد استمراريتها كعملية تحول… إنها حراك شعبي بحق، نبت من القاع، من القاعدة الشعبية أو ما يسمونه بالإنكليزية ‘grass root movement’ تثبت تنامي الوعي لدى قطاعاتٍ متسعة من الشعب المصري وتغلغله في شتى الطبقات، الأمر الذي اعتبره أكبر مكسبٍ حققه الحراك الثوري المصري حتى الآن.
هناك حالة حشدٍ في الشارع المصري من المتوقع أن يصل ذروته يوم الثلاثين من حزيران/يونيو، الذكرى السنوية الأولى لتسلم د. مرسي السلطة، فالكل يترقب والإمضاءات على وثيقة ‘تمرد’ تزداد بصورةٍ مدهشة… وإني وإن كنت لا أستطيع الجزم بما سيحدث فإنني أتوقع يوماً عاصفاً قد لا يخلو من الصدامات العنيفة.

‘ زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية