تمسح مرسي بسيرة عبد الناصر

حجم الخط
10

ماذا يعني تمسح السيد محمد مرسي ـ الساكن في مقام الرئاسة المصرية ـ باسم القائد التاريخي العظيم جمال عبدالناصر، وقوله ـ خلال زيارة أمنـــــية لمصانع الحديد والصلب بحلوان ـ انه سوف ‘يكمل ما بدأه عبد الناصر’، خاصـــة أن مرسي من جماعة الإخوان، وهي التي تكره عبد الناصر كراهـــة التحريم، بل ان مرسي ـ نفسه ـ بدأ رئاسته المتعثرة بإشارة كراهية ظاهرة على طريقة ‘الستينيات وما أدراك ما الستينيات’، ومع ما هو معروف من أن الستينيات نفسها ـ المكروهة من قبل مرسي ـ هي التي شهدت بناء قلاع الصناعة الكبرى، ومن بينها مصانع الحديد والصلب .
وربما لا تعكس إشادة مرسي بعبد الناصر تحولا في موقفه على الإطلاق، ربما لأنه ليس له موقف يخصه، فهو ـ أي مرسي ـ إخواني مطيع، ولا يتحرك ولا ينطق بغير أوامر صريحة من مكتب إرشاد الإخوان، ومن جماعة الملياردير خيرت الشاطر بالذات، التي يسيطر رجالها ونساؤها على مفاصل مؤسسة رئاسة مرسي، وعلى حنفية المصاريف السرية في ميزانية رئاسة لا يعلم الرأي العام عنها شيئا، وهؤلاء هم الذين ينصحون مرسي بما يلبس، وما يأكل، وما يقول، وقد لجأوا إلى حيلة نصحه بالإشادة بعبد الناصر مرات، وفعلها مرسي المطيع للأوامر دائما، حتى لو لم يكن مقتنعا بها، كما حدث في افتتاح مؤتمر عدم الانحياز الأخير بطهران، ثم في مناسبة الاحتفال بعيد العمال بزيارة محروسة أمنيا إلى مصانع الحديد والصلب.
وقد بدت الإشارة والإشادة بجمال عبد الناصر نوعا من تسول عواطف الرأي العام الذي ينقلب على الإخوان، ونوعا من ادعاء التقرب إلى روح الثورة المصرية المغدورة، التي لا تظهر في مسيراتها ومظاهراتها وإضراباتها صورة لقائد تاريخي سوى صورة جمال عبدالناصر، وقد أراد مرسي أن يفتعل نسبا ووصلا مع الثورة بالذكر الطيب لعبدالناصر، في حيلة ساذجة بدت مكشوفة تماما، فقد اكتشف الناس طبيعة علاقة الإخوان بالثورة الأخيرة المتصلة فصولها، فلم يكونوا يوما من المبادرين للثورة، ولا من الداعين إليها، وإن كان بعض شباب الإخوان قد التحقوا بالثورة بعد أيام من بدء سيرتها، وقدموا فيها تضحيات لا تنكر، وبعيدا عن قيادة الإخوان التي كان لها مخطط آخر، لجأ إلى المساومة وعقد الصفقات مع مجلس طنطاوي وعنان، والالتحاق برعاية الأمريكان الظاهرة والمستترة، والتعهد بالحفاظ على اختيارات نظام مبارك ذاتها، وهو ما حدث ظاهرا للعيان، فلم تسفر تجربة مرسي في الرئاسة، وقد ناهزت قرابة العام إلى الآن، عن أي تحول نوعي يذكر فى الاختيارات الموروثة عن مبارك، والقائمة على حفظ أمن إسرائيل، وعلى التسليم بدور الاحتلال السياسي الأمريكي في صياغة الوقائع المصرية، وعلى وضع اقتصاد مصر تحت وصاية صندوق النقد والبنك الدوليين، وعلى تقديم مصالح ‘جماعة البيزنس’، أو ‘رأسمالية المحاسيب’ التي ينتمي إليها مليارديرات الإخوان مع مليارديرات جماعة مبارك، وكلها اختيارات تطورت في سيرة الانقلاب على خط عبدالناصر، وهو الانقلاب الذي بدأه السادات عقب حرب 1973، وبالتلازم بين ‘انفتاح السداح مداح’ و’معاهدة العار مع إسرائيل’ و’المعونة الأمريكية الضامنـــة’، وكان أحد أهم محاورها تجريف القاعدة الانتاجية للاقتصاد المصري، وتصفية ركائز التنمية والتصنيع المستقل، وخصخصة و’مصمصة’ قلاع الصناعة الوطنية الكبرى، والتحول إلى ‘اقتصاد الريع’، ثم إلى ‘اقتصاد التسول’ الذي تفوق فيه مرسي على سلفه مبارك، فقد أضاف في عشرة شهور ما يزيد عن عشرين مليار دولار إلى ديون مصر الخارجية، وصارت الديون الداخلية والخارجية مقاربة، وربما تفوق إجمالي الناتج القومي، وفى ظل هذه المصائب كلها، تبدو إشارة وإشادة مرسي بعبد الناصر كمفارقة مثيرة للسخرية، ومفرطة في تناقضها الفادح مع الواقع المرئي الملموس .
وفي سياق إشارات مرسي الأخرى المتصلة بسيرة عبدالناصر، بدت قصة التناقض ذاتها ظاهرة، فقد تحدث مرسي عن أنه ‘لن يشرد عامل في عهدي’، مع أن عهده ـ العبقري في الفشل ـ شهد أوسع موجة لتشريد العمال وإغلاق المصانع، فقد أضيف إلى طابور العاطلين مليون عامل آخر جرى تشريدهم، ثم يتحدث مرسي ـ وهذا هو الأعجب ـ عن وقف خصخصة شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، وهذه فرية عجيبة أخرى، فقد أعدت جماعة الإخوان قانون الصكوك، وأطلقت عليه أولا صفة الصكوك ‘الإسلامية’، وعلى طريقة لصق ‘تيكت إسلامي’ على بضاعة مبارك ذاتها، ثم سحبت صفة ‘الإسلامية’ بعد تبين كذبها، وجعلت الأمر مطابقا تماما لسيرة صكوك جمال مبارك قبل سقوط حكم أبيه، وما الصكوك التي تشترى بها أصول الدولة وموجودات القطاع العام سوى استطراد لسيرة الخصخصة اللعينة ذاتها، وقد اعترضت هيئة كبار علماء الأزهر على قانون الخصخصة بالصكوك، واعتبرته مخالفا للشريعة، ومبادئ المصلحة العامة، لكن جماعة الإخوان واصلت غيها، واستمسكت بقانون النهب الجديد. وفي السياق ذاته، واصلت حكومة مرسي نفس سلوك حكومات مبارك، وتجاهلت أحكام القضاء النهائية بإعادة أصول الدولة لعمالها، فقد أصدر القضاء الإداري أحكاما بإعادة مصانع كبرى إلى عهدة الدولة والقطاع العام، ومن نوع مصانع ‘المراجل البخارية’ و’طنطا للكتان والزيوت’ و’غزل شبين الكوم’، وعشرات المصانع الأخرى، وكلها مصانع جرت خصخصتها أيام المخلوع مبارك، ثم توقف إنتاجها نهائيا، وجرى إغلاقها، وقرر القضاء إعادة فتحها، وهو ما رفضته حكومة مرسي، وأدى إلى صدور حكم قضائي بعزل وحبس رئيس وزراء مرسي، ولم ينفذ ـ بالطبع ـ حكم العزل والحبس، تماما كما جرى ويجري دعم اللصوص المستولين على القلاع الصناعية الكبرى، وبهدف إفنائها، وتجريد الاقتصاد المصري من مقدرته على النهوض الإنتاجي، وهو ذاته ما يحدث لقلاع الصناعة الكبرى التي لا تزال تابعة رسميا للقطاع العام أو لقطاع الأعمال العام، وكلها مما جرى تشييده زمن عبدالناصر، ثم جرت عمليات إضعافه وتصفيته زمن مبارك، من نوع شركة النصر لصناعة السيارات التي جرت تصفيتها، وإن كان الجيش يحاول إحياءها الآن، بضمها إلى مصانع الانتاج الحربي، وأيضا تجري تصفية ‘مجمع مصانع الألمونيوم’ في نجع حمادي جنوب مصر، التي تعد ثاني أكبر مجموعة مصانع من نوعها فى العالم، وكانت تدر ـ حتى نهاية 2011 ـ ربحا سنويا صافيا قدره 1600 مليون جنيه، ثم تراجع الربح عام 2012 ـ ببركة رئاسة مرسي ـ إلى 500 مليون جنيه لاغير، ثم انتقلت إلى خسارة محققة في الربع الأول من العام الجاري 2013، وفي نفس يوم حديث مرسي عن إحياء الصناعة التي بدأها عبد الناصر، كان وزير الكهرباء ‘الإخواني’ يقترح إغلاق مجمع مصانع الألمونيوم نهائيا، وبدعوى توفير الكهرباء.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية