محمد عبد الحكم دياب
كانت دعاوى الاستقرار والاستمرار إبان حكم مبارك البائد تفلسف للجمود والانحطاط، وتبرر تضخم الدولة البوليسية وتوحشها؛ حماية لقوى الاستبداد والفساد والتبعية، وهو ما مكن مبارك من حكم مصر لثلاثين عاما كاملة؛ وما زالت هياكل الدولة البوليسية باقية، وتعمل بدأب للحفاظ على موازين القوى السياسية والاجتماعية وإبقائها على ما كانت عليه، وتتفنن في إعادة إنتاج حكم مبارك البائد بشخوصه وآلياته؛ وبهذا تتم المواجهة مع قوى الثورة، التي عليها أن تقنع بما تحقق؛ وتكتفي بتخلي حسني مبارك عن الحكم في الحادي عشر من شباط/فبراير الماضي، وصولا إلى إقرار المحاكمة العلنية وظهوره في قفص الاتهام، في الثالث من آب/أغسطس الجاري.
مع أن كل ذلك تحقق بضغط الشعب ومظاهرات واعتصامات شباب الثورة، وأحكام القضاء المصري، وليس بإجراءات جذرية جريئة تستلزمها مراحل الغضب والثورة.
وكان اللعب على وتر الخلافات والمنافسات بين صفوف إئتلافات الثورة؛ بالتضخيم تارة والتشويه تارة أخرى أو بالإثنين معا، هدفه شد أْزر فلول النظام البائد وقوى الثورة المضادة، وإتاحة الفرصة لاختراق صفوف الثوار وتشتيت جهودهم وبعثرتها، وهذه الجهود المضادة أيدتها حملة نفسية وإعلامية ضارية؛ صنعت رأيا عاما زائفا ومعاديا لشباب الثورة، ووضعتهم ومؤيديهم في مرمى النيران المعادية والصديقة على حد سواء.
ونقلهم ذلك من منصات الهجوم إلى متاريس الدفاع.
وهذا دفع المجلس الوطني المصري؛ كمجلس جامع لإئتلافات الثورة والأحزاب الوطنية والمنظمات النقابية والمهنية المحررة والجديدة والجمعيات الحقوقية الوطنية؛ دفعه إلى تعرية الأسباب التي تقف وراء هذا التراجع.
والقوة الوحيدة التي لم تنضم للمجلس هي جماعة الإخوان المسلمين؛ لم تلب دعوة وجهت لها للمشاركة في مؤتمر مصر الأول، في أيار/مايو الماضي.
وهو المؤتمر الذي قرر إنشاء المجلس، وغياب الإخوان الرسمي لم يمنع شبابهم وبعض رموزهم البارزين من المشاركة، ومنهم القطب الإخواني المعروف كمال الهلباوي.
وعليه جدد المجلس إطلاق النار على التمويل الخارجي كأهم سبب في الوصول بالثورة إلى مرحلتها الراهنة.
أصدر بيانا عرى فيه التمويل الخارجي، وأدان موقف القابلين به والساعين إليه، ووجهت أمانته العامة الدعوة لمؤتمر صحافي عقد يوم الأربعاء الماضي بنقابة الصحافيين بالقاهرة.
واتخذت منه فرصة لتعلن فيها مجددا موقف المجلس الوطني من التمويل المريب؛ بمصادره الثلاثة العربية والإقليمية والغربية.
وأعاد البيان إلى الذهن خطورة ما سبق الكشف عنه، وجرى إعلانه على لسان السفيرة الأمريكية الجديدة آن باترسون، قبيل تسلمها مقاليد مهمتها ووصولها إلى القاهرة مؤخرا، وكان عن مبلغ أربعين مليون دولار ادعت أنها صرفت على عناصر وجماعات لها علاقة بالثورة في الفترة من تاريخ 25 كانون الثاني/يناير وحتى الآن، بجانب مبالغ أخرى تقدر بمئة وخمسة وستين مليون دولار؛ رصدها الكونجرس الأمريكي لدعم الديمقراطية في مصر.
إضافة إلى ما ورد في نص البيان على لسان أعضاء في المجلس الأعلى للقوات المسلحة بهذا الشأن، وإشارتهم إلى تلقي عناصر وأطراف مصرية أموالا أمريكية بهدف التآمر وتقويض الاستقرار.
وعدد البيان جملة من المطالب واجبة التنفيذ ردا على هذا الاختراق؛ بدأها بطلب الكشف عن أسماء وقوائم من تلقوا أموالا من أي جهة خارجية من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعلى الأخص من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية الشقيقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر، وإحالة من يثبت تورطه إلى نيابة أمن الدولة والتحقيق معه وكشف الحقائق كاملة أمام الشعب.
وأعلن البيان رفض أي تمويل أجنبي لأي منظمات أو حركات أو أحزاب مصرية واعتبار التمويل اختراقا لمصر من الداخل لصالح أهداف خارجية تتعارض مع الأمن والاستقرار الداخلي.
ودخل البيان إلى مناطق محظورة في العلاقات المصرية الأمريكية، حين طالب السلطات المصرية المسؤولة برفض المعونة الأمريكية، لكونها كانت – وما زالت ـ سببا رئيسيا من أسباب الفساد والتبعية التي ساق الحكم السابق مصر إليها، وجعل منها مجرد أداة من أدوات السياسة الأمريكية لإهدار الكرامة الوطنية، وانحدر بالقرار الوطني المصري والسيادة المصرية إلى الدرك الأسفل من التبعية والخضوع للهيمنة الأمريكية.
وأشار البيان إلى أن قواعد القانون الدولي تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، وهذا يقتضي تقليص حجم البعثة الدبلوماسية الأمريكية في مصر بما يوازي حجم البعثة المصرية في الولايات المتحدة، وأن يعامل المواطن الأمريكي المعاملة نفسها التي يتم التعامل بها مع المواطن المصري في الحصول على التأشيرات وقيود الدخول والإقامة، ومنع أي من الدبلوماسيين الأمريكيين العاملين في مصر من الاتصال أو التعامل مع طرف أو جماعة أو منظمة أو حزب مصري دون استئذان وموافقة مسبقة من السلطات المصرية المختصة.
وطلب بيان المجلس الوطني بتحرير حي غاردن سيتي، وهو الحي الذي تقع فيه السفارة الأمريكية في القاهرة؛ تحريره من سطوة الأمن ورجال البحرية الأمريكية، وفتحه أمام المواطنين دون معوقات، والتعامل مع السفارة الأمريكية في مصر على النحو الذي تعامل به كل السفارات دون أدنى تمييز.
على أن يستدعى السفير المصري من واشنطن للتشاور حول ما نشر وأذيع حول التمويل الأمريكي لحركات ومنظمات مصرية، واستدعاء السفيرة الأمريكية بالقاهرة أو من ينوب عنها وإخطارها بشأن التجاوزات المرفوضة والمدانة على السيادة والشئون الداخلية المصرية، وإبلاغها كذلك بعدم سلامة التصرفات الأمريكية فيما يتعلق بالأموال التي جرى تسليمها إلى أطراف مصرية بغرض التأثير على مجريات ثورة 25 يناير، والانحراف بها نحو ما يتوافق مع المصالح والأهداف الأمريكية المعادية للمصالح الوطنية المصرية، ونوه إلى ما يأمله المصريون من ثورتهم العظيمة على مستوى التغيير الجذري الداخلي وإعادة التوازن إلى علاقات مصر الداخلية والدولية، بما يعيد لها دورها القيادي ومكانتها المرموقة ويمكنها من أداء التزاماتها حول قضايا وحقوق أمتها العربية ودوائرها الحضارية.
من جهة أخرى أدان بيان المجلس الوطني تواطؤ الإدارة الأمريكية مع الرئيس المخلوع وحكومته، وتسهيل تهريب أمواله خارج مصر عبر المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي؛ فرانك ويزنر.
وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد بعث به على عجل في شباط/فبراير الماضي، إبان فترة اعتصام الملايين بميدان التحرير وباقي ميادين المحافظات الأخرى، وذلك لمساعدته على الخروج من المأزق، وهي مهمة قيل عنها أنها ساعدت في تأمين خروج أموال الرئيس المخلوع واسرته إلى الخارج، وعلى هذا الصعيد أدان البيان رفض الإدارة الأمريكية وترددها في قبول الطلب المصري بتجميد واسترداد أموال الرئيس المخلوع وأسرته المودعة في المصارف والمؤسسات المالية الأمريكية، وكذلك العقارات والممتلكات العينية التي تخص مبارك وأسرته.
ودعا المجلس الوطني في بيانه.. دعا الشعب إلى مقاطعة البضائع الأمريكية، ودعوة كل القوى والأحزاب والمنظمات المصرية لمقاطعة السفارة الأمريكية، وإدانة كل أشكال التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية، في نفس الوقت دعا إلى إعادة النظر في قبول اعتماد السفيرة الأمريكية الجديدة آن باترسون؛ لتاريخها الأسود السابق في باكستان على وجه الخصوص، وتدخلاتها الاستباقية السافرة في شؤون مصر الداخلية، منذ ما قبل تسلمها مهامها الوظيفية في القاهرة رسميا، واستبدالها بسفير بديل يكون مشهودا له باحترام حرية وكرامة الشعوب التي يتعامل معها.
وجرم المجلس الوطني المصري التمويل الأجنبي، وتقديم المتورطين إلى محاكمة عادلة وعلنية؛ لدرء الفتنة وحماية الشرفاء والذود عن كرامة مصر وسيادتها الوطنية، وقطع يد من تسول له نفسه التدخل في شؤونها الخاصة.
وردا على سؤال لأحد الصحفيين طالب ممدوح حمزة الناطق الرسمي باسم المجلس الوطني المجلس الوطني برفض دخول أعضاء لجنة الحريات التي شكلها الكونجرس لتقصي الحقائق حول الشؤون الدينية في مصر؛ مؤكدا على أن ذلك تدخل غير مقبول في شؤون البلاد.
وبعد انتهاء المؤتمر الصحافي توجه وفد من الأمانة العامة إلى السفارة الأمريكية لتسليمها نسخة من البيان، وسأل أحد رجال أمن السفارة (مصري الجنسية) عن سبب الحضور، ولما عرف السبب أشار بالتوجه إلى باب آخر، ثم حضر رجل أمن ثان (وهو الآخر مصري الجنسية) طالبا تسليم كاميرا كانت بحوزة صحافية وإتلاف ما بها من صور، وكان التصوير كله قد تم في الشارع، ولم يكن داخل السفارة، التي لم يسمح للوفد بدخولها.
وحين ترك ممدوح حمزة الوفد، وبرفقته الصحافية للوفاء بموعد له كان قد أزف مع أعضاء من المجلس الوطني من خارج القاهرة، إلا أن حارسا عنيدا أبى إلا أن يطاردهما في الشوارع المحيطة بالسفارة، ولحق بهما وتطورت الأمور إلى مشادات بين رجال أمن السفارة والوفد، وازداد عددهم بشكل شد انتباه العابرين، فوقفوا يتابعون ما يجري بين الوفد وبين رجال أمن السفارة، وقد تجاوزوا في ألفاظهم وتصرفاتهم، وحين قال أحدهم طلب تحديد موعد مسبق، قيل له إن الوفد سيقوم بذلك، وسوف يسلم البيان في مؤتمر صحافي يعقد أمام مبنى السفارة؛ كرد على صلف وخشونة رجال أمنها ضد وفد مكون من ستة أشخاص لا غير.
بعدها جاء أحد الحراس حاملا دعوة شفهية من مسؤول بداخل السفارة لاستقبال الوفد واستلام البيان، لكن الوفد قرر رفض الدعوة ردا على الإهانات التي وجهت لأعضائه والمعاملة المتغطرسة من قبل أمن السفارة، وغادر الوفد المكان في ظهيرة يوم قائظ من أيام شهر رمضان الكريم.
وأثناء ختام هذه السطور اتصل مسؤول بالسفارة الأمريكية بالأمين العام للمجلس الوطني يطلب مقابلة الوفد لتوضيح وجهة نظر السفارة فيما حدث، والكل في انتظار ما سيسفر عنه اللقاء!!’ كاتب من مصر يقيم في لندن