صبحي حديدي
ليس غريباً عن مألوف مواقف الروائي المكسيكي كارلوس فوينتيس أن يوجّه إلي الرئيس الأمريكي جورج بوش نقداً شديداً علي كلّ جبهة متاحة، لكنّ هذه المرّة ذهب إلي جانب خاصّ في شخصية بوش، غير منتظَر في العادة ولكنه بالغ السوء في نظر فوينتيس: استخدام اللغة الإسبانية، علي سبيل النفاق السياسي ودغدغة مشاعر 45 مليون أمريكي ناطق بالإسبانية. خذوا هذه الفقرة اللاذعة من تصريح حديث العهد أدلي به فوينتيس خلال مؤتمر دولي يحتفي باللغة الإسبانية، نظّمه الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في كارتاخينا: حين يلقي بوش خطاباً بالإسبانية، فإنني لا أفهم كلمة واحدة ممّا يقول، تماماً كما تكون حالي حين يتحدّث بالإنكليزية!
وليس الأمر أنّ بوش يتكلّم بإسبانية رديئة إلي حدّ أنّ فوينتيس، ابن اللغة، يعجز عن فهمها. القصد الضمني هو التذكير بتلك الفكرة العتيقة عن لغة تضمر من المعني غير ما تحمله المفردات، أو تفيد نقيض ذلك المعني في أمثلة عديدة. وفي برهة مفصلية من رواية فوينتيس القصيرة الشاطئان، التي تعيد إنتاج تاريخ المكسيك في قالب حكائي، يتولّي جيرونيمو أغويلار مهمّة الترجمة بين القائد الإسباني هرنان كورتيس (الغازي والمنتصر)، والإمبراطور المكسيكي كواتيموك (ابن الأمّة المنكسرة). وثمّة هنا لعبة بديعة، وبارعة، يديرها فوينتيس علي تلك الحوافّ الخافية بين الواقع والخيال، وبين السجلّ التاريخي والنصّ السردي.
ففي حوليات الغزو الفعلية كما شهدها ودوّنها المؤرّخ الإسباني برنال دياز ديل كاستيلو، ينتحب الإمبراطور المكسيكي جرّاء شعوره بالعار لأنه فشل في الحيلولة دون هزيمة شعبه أمام كورتيس، فيقدّم خنجره الشخصيّ طالباً أن يذبحه القائد الإسباني. ويسجّل دياز أنّ كورتيس بادر إلي مواساة كواتيموك، وخاطبه برقّة، وقال إنه معجب به كثيراً، وإنّ قيادته لشعبه مسألة مشرّفة حتي إذا كانت قد انتهت إلي الهزيمة، وإنه سيعفو عنه، بل وسيبقيه إمبراطوراً علي المكسيك. وأمّا في رواية فوينتيس للمشهد ذاته، فإنّ المترجم أغويلار يتعمّد تحريف أقوال كورتيس لكي تدلّ علي المعني المعاكس تماماً: أنت أسيري، وسأذيقك العذاب الأمرّ. سوف أحرق قدميك وأقدام أنصارك الأسري حتي تعترف بمخابيء كنوز عمّك مونتيزوما. ولسوف أُقْعِدك إلي الأبد، ولكني سأصطحبك كسيحاً باكياً في جميع غزواتي، لكي تكون رمزاً لسطوتي وعبرة لمن يتحدّي سلطاني.
ورغم أنّ أغويلار مارس الكذب المتعمّد في ترجمة أقوال كورتيس، فإنه في الآن ذاته كان قد صدَقَ حول ما سيجري بعدئذ علي الأرض. وبالفعل: لقد عُذّب كواتيموك، وأُحرقت قدماه بالزيت المغلي لكي يعترف بمكان كنوز مونتيزوما، وأُجبر علي مرافقة كورتيس في غزو الهوندوراس، ثمّ شُنق بتهمة التحريض علي العصيان. وهكذا، يقول فوينتيس علي لسان المترجم: لقد ترجمتُ علي هواي. أضفتُ واخترعتُ من عندي وسخرتُ من كورتيس. ترجمتُ، وخُنتُ، واخترعتُ. ولكن ما دام ذلك كلّه حدث، وأصبحت كلماتي حقيقة فعلية، أَلم أكن علي حقّ في ترجمة القائد (كورتيس) بمفعول معاكس لكي أقول الحقيقة لشعوب الأزتيك، مستخدماً أكاذيبي؟ المترجمون خَوَنة حسب المَثل الإيطالي الشائع، ولكن استناداً إلي طبيعة الترجمة ذاتها أيضاً. ويحدث مراراً أن يعفّ كبار المترجمين عن هذه الخيانة، ليس لأنهم يكرهون فكرة الخيانة بحدّ ذاتها، بل لأنهم في واقع الأمر لا يفلحون في بلوغ المستوي الرفيع المطلوب الذي يجازف المرء بعده، فيخون وهو مطمئنّ! غير أنّ مثال أغويلار يعرض نمطاً فريداً للغاية من هذه الخيانة، لأنّه إذا كان قد خان اللغة والمفردات والمعني عن سابق عمد وتصميم، وأضاف بذلك خيانات قصدية إلي تلك الخيانات غير القصدية التي تعتري كلّ ترجمة، فإنّه في الواقع انحاز إلي الحقيقة الوحيدة اللائقة بمنطق انتصار القائد العسكري الغازي، ومآل انهزام الإمبراطور ابن البلد. بمعني آخر، كان أغويلار سوف يرتكب الخيانة الحقّة العظمي لو أنه ترجم أقوال كورتيس كما نطق بها حرفياً، لا لشيء إلاّ لكي تثبت الوقائع اللاحقة أنّ تلك الأقوال كانت كاذبة تماماً، وأنّ اللغة كانت مصيدة، وأنّ المعني ليس ذاك الذي يقع في باطن المفردات وحدها، بل هو أيضاً ذلك المعني المُسبق الصُنع، الناجم عن منطق انتظام علاقات القوّة بين المنتصر والمنهزم، القويّ والضعيف، الغازي وابن البلد.
وفي حوليات اجتياح الإسبان لـ العالم الجديد يظلّ مثال كورتيس فريداً لأنه كان أوّل قائد إسباني يعي دوره الثقافي والتاريخي والسياسي قبل دوره العسكري. لقد درس طبائع وثقافات وأساطير الشعوب التي ينوي غزوها، واختار توقيتاً ثقافياً لاجتياح المكسيك: العام 1519 كان العام المتوقّع لظهور كويتزالكوتل الإله الأفعي المجنّح الذي سيجيء من الشرق، فكان أن جاء كورتيس من الشرق، وقدّم نفسه في صورة ذلك الإله. بوش ليس كورتيس، لا ريب، ولكن في سياق قراءة فوينتيس لتلك اللغة الإسبانية التي يستخدمها بوش، كيف يمكن ترجمة تصريحات الرئيس الأمريكي حول غزو العراق، ابتداء من فكرة الحملة الصليبية، مروراً بحروب الخير المطلق ضدّ الشرّ المطلق، وانتهاء بالوحي الرباني الذي حثّه علي الغزو؟ وكيف يمكن تصحيح المعاني التي تمّ تمويهها طيّ تلك التصريحات، دون ارتكاب خيانة عظمي علي غرار ما يفعل أغويلار؟ 2