تنازل الحكومات العربية عن حقوق مواطنيها

حجم الخط
0

تنازل الحكومات العربية عن حقوق مواطنيها

د. يوسف نور عوضتنازل الحكومات العربية عن حقوق مواطنيهاقبل عدة ايام زار رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود اولمرت مصر والتقي الرئيس حسني مبارك، وقالت وسائل الإعلام المصرية بعد ذلك إن الرئيس مبارك بحث مع رئيس الوزراء الاسرائيلي استئناف المباحثات مع السلطة الفلسطينية وتقديم المساعدات للشعب الفلسطيني. ولا شك ان مدلول هذا الخبر خير، ويعكس الاهتمام المصري بالشأن الفلسطيني بل والعمل علي حل المشكلات التي تواجه الفلسطينيين ولكن هل هذه هي الحقيقة؟ وهل يمكن في الظروف الحالية ان تواصل اسرائيل مباحثات مع الطرف الفلسطيني؟في البداية نقول إنه لم تكن هناك في الاساس مباحثات مع السلطة الفلسطينية، فقد ظلت اسرائيل محاصرة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عدة سنوات قبل أن تقتله وكانت تقول إنه لا يوجد شريك من الجانب الفلسطيني، وعندما جاء محمود عباس بدأنا نسمع خطابا مزدوجا. ففي الوقت الذي تمتدح فيه الإدارة الامريكية محمود عباس فإن الحكومة الإسرائيلية تصر علي أنه ليس هناك شريك فلسطيني، وبالفعل ليس هناك شريك فلسطيني يرغب في أن ينفذ ما تريده اسرائيل دون مراعاة للمصالح الفلسطينية. ولكن ما يهمنا في ما حدث في شرم الشيخ هو الموقف المصري الذي بني علي اساس خاطيء منذ البداية ذلك أن الماساة الحقيقية في الوقت الحاضر لا ترجع فقط للاحتلال الاسرائيلي بل إلي الموقفين الأردني والمصري، بكون اعتراف مصر والأردن باسرائيل قبل تخليص الحقوق الفلسطينية هو خطأ استراتيجي لأن اسرائيل بعد هذا الإعتراف لم تعد تهمها مواقف الشعب الفلسطيني الذي تعرف أنه لن يجد الدعم من الحكومتين المصرية والأردنية. ومن المؤسف انه في ظل هذا الموقف الواضح تخرج علينا الحكومة المصرية من وقت لآخر بإعلانات تسوق مواقف الهزيمة بما يجملها ويظهرها أمام الرأي العام العربي وكأنها مواقف إيجابية ولا نعفي في الواقع السلطة الفلسطينية ذاتها من المسؤولية، ذلك أن اكبر ورطة دخلت فيها السلطة هي خوض حماس للانتخابات وفوزها بتشكيل حكومة، ذلك أن حماس هي في الاساس حركة تحرير تستهدف استخلاص الحق الفلسطيني من أيدي الإسرائيليين، وبالتالي فإن توجهها لإقامة حكومة فلسطينية في هذه المرحلة هو خطأ استراتيجي، لان فوزها الذي هو تعبير عن غضب الفلسطينيين من السلطة السابقة يمثل إحراجا حقيقيا لها، لانها بعد تشكيل حكومتها اصبح أمامها خياران واضحان، فإما ان تقبل ما يطلبه منها المناصرون لاسرائيل وإما ان تغادر السلطة وتفقد بعد ذلك كثيرا من الدعم لها والخياران تفضلهما اسرائيل، ولكن حماس تصر علي أن تستمر في خطابتها دون ان تتحسب للتحديات الكبري التي تواجهها وتتخذ موقفا واضحا منها.ولا شك ان الموقفين اللذين ذكرتهما يقدمان صورة للسياسات الخاطئة في العالم العربي التي تجعل اعداء الامة يسجلون مكاسب علي حساب مصالحها في وقت يركز الإعلام العربي علي تحسين صورة المسؤولين دون ان ينفذ إلي حقائق المواقف لكي يبصر الشعوب العربية بحقيقة التحديات التي تواجهها الأمة. ذكرت ذلك لكي أنفذ إلي الموضوع الرئيسي الذي ارغب في الحديث عنه وهو محاكمة تيسير علوني في اسبانيا، فكما يحاول الإعلام العربي أن يلف ويدور حول المشكلات التي تواجهها الأمة فهو أيضا يلف ويدور حول قضية تيسير علوني بالتركيز علي المشكلات القانونية والإجرائية التي تواجهها هذه القضية دون النفاذ إلي جوهر المشكلة في العالم العربي. وذلك هو المنهج الذي اضاع كثيرا من القضايا العربية. وحتي نتوقف عند حقيقة مشكلة تيسير علوني يجب أن نقرر في البداية ان انتماء أي فرد لدولة ما يعني في الاساس أن يكون تحت حماية هذه الدولة إذا ما تعرض لاي تهديد يؤثر علي حياته وحريته وهناك شواهد كثيرة علي ذلك في السلوك الغربي، فقد رأينا من قبل كيف وقفت بريطانيا تناصر مواطنيها الذين حكم عليهم بالإعدام في المملكة العربية السعودية بعد أن قالت السلطات في المملكة انهم اعترفوا بارتكاب جريمة قتل الممرضة، ولكن الأدلة السعودية لم تكن كافية لتثني السلطات البريطانية من مواصلة الجهد لتحرير مواطنيها بكونها تعترف أن ذلك هو واجبها قبل اي شيء آخر. وكان ذلك هو ايضا موقف الحكومة البلغارية التي رفضت الحكم علي الممرضات في ليبيا بسبب حقنهم للاطفال بفيروس الإيدز ونري الآن بوادر تراجع الحكومة الليبية التي ستنصاع آخر الامر لما هو مطلوب منها، وكانت الحكومة الليبية قد دفعت من قبل تعويضات تقدر بالمليارات لضحايا طائرة لوكربي علي الرغم من انها لا تعترف ان لها يدا في تلك الحادثة. هل كان ذلك لدفع الضرر عن نفسها ام لإغلاق الملف دون التوصل إلي الحقيقة الكاملة التي تطلبها الشعوب العربية قبل الشعوب الغربية؟ولا شك أنه في ظل هذا الواقع لا يستطيع أحد أن يلوم الحكومات الغربية كما لا يستطيع الكثيرون ان يتهموها بحماية المجرمين لأن الكثيرين في العالم العربي لا يثقون في النظم القضائية العربية ويشككون في نظام العدالة الذي خضع له أولئك الأجانب ولكن ذلك لا ينفي أن كثيرا من المحاكمات التي جرت في الولايات المتحدة واسبانيا وألمانيا لم تخضع للمعايير الدولية والإنسانية الصحيحة وعلي الرغم من ذلك لم تتحرك الدول العربية لحماية مواطنيها. ونستطيع أن ننظر إلي عدد المعتقلين العرب في غوانتانامو وهو عدد كبير جدا من المعتقلين، وضعتهم الولايات المتحدة في هذا المعتقل حتي لا يخضعوا للقوانين الأمريكية ونظم العدالة المعروفة وعلي الرغم من ذلك لم تتحرك دولة عربية، للدفاع عن مواطنيها بل تعمل سائر الدول العربية علي التعاون مع الولايات المتحدة في هذا الاتجاه وليس لديها مانع في ان تساعد الولايات المتحدة في ان تستمر في ممارستها ضد المواطنين العرب ولا يعني هذا الوضع سوي شيء واحد وهو استهانة الحكومات العربية بحقوق مواطنيها، وليس ذلك مع دولة عظمي مثل الولايات المتحدة بل مع دول عادية في العالم الغربي مثل اسبانيا كما هو الشأن في قضية الصحافي تيسير علوني الذي حكم عليه بالسجن مدة سبع سنوات ولا يتحدث المدافعون عنه عن شيء سوي اجراءات القضية وعدم توجيه صحيفة اتهام له وأيضا حالته المرضية مع أن القضية في اساسها تدور حول مواقف الدول العربية التي تتهاون في حقوق مواطنيها.لماذا لم تتحرك سورية علي سبيل المثال للدفاع عن حقوق تيسير علوني؟ ولماذا لم تتحرك معها الدول العربية والجامعة العربية؟ ربما قال احدهم إن ذلك وضع طبيعي للدول العربية التي لا تتحرك في مثل هذه المناسبات بل تجدها فرصة لتظهر مزيدا من الإنبطاح أمام الدول الغربية وهو موقف لا تقدره لها الدول الغربية التي تنظر لكثير من الدول العربية نظرة احتقار وذلك أمر لا يهم كثيرا من الحكام العرب الذين يعتقدون أن رضا الولايات المتحدة عنهم أهم لهم من الدفاع عن حقوق مواطنيهم في الوقت الذي تري فيه الولايات المتحدة والدول الغربية أن تنازل الدول العربية عن حقوقها وحقوق مواطنيها هو وضع يدعو إلي مزيد من الضغط علي هذه الدول واستخلاص كثير من المكاسب منها. وهو وضع أدركته إيران اخيرا ورفضت أن تطرف عينها امام الولايات المتحدة وبالتالي بدأت تحقق كثيرا من المكاســــب كما نري الآن في التنازلات المتتالية من جانب الأمريكيين تجاه الموقف الإيراني.ويبدو لي أن الأمر قد بلغ منعطفا جديدا وخطيرا وهو ان الشعوب العربية ربما لم يعد أمامها وقت طويل لكي تستمر في لعبة التنازلات هذه ولا بد أن يحدث تغيير، وبالتالي اصبح من الضروري أن تأخذ الشعوب زمام المبادرة ولا يمكن أن تظل الحركات الشعبية في العالم العربي محاصرة بهذا الاسلوب الهزلي بحيث وجدنا قضاة مصر قبل فترة يطلبون من الحكومة أن تفرج عن الصحافيين المعتقلين، وهو موقف يثير الحزن والرثاء لان السلطة القضائية في أي بلد هي سلطة مستقلة وهي التي تفرض المواقف علي الحكومة ولكن القضاء في مصر الذي طالما مجدته الحكومة والشعب نجدهما يقفان عاجزين يستجديان موقفا جديدا من الحكومة، فهل يحدث هذا في بلد متقدم؟ وهل نتصور في بلد مثل إنكلترا أن يستجدي القضاء الحكومة؟ هذا بالطبع لن يحدث لأن القضاة في بريطانيا يفرضون مواقفهم علي الحكومة وهي لا تقدر أن تقف منهم موقف التحدي.وما نرمي له من كل ذلك أن نوضح أن الشعوب العربية تواجه تحديات كبيرة في داخل وضع سياسي لم يعد مناسبا لمرحلة تواجه فيها الأمة العربية باسرها تحديات من عالم يتضامن من أجل تحجيم العرب والمسلمين ولا يظهر هؤلاء اي موقف إيجابي من مواقف الصمود بل يستمرون في تقديم التنازلات في طريق ليست له نهاية، والعقبة الحقيقية التي تقف دون تطوير هذا الموقف هو أن الحكومات العربية لم تعد مشغولة بمصالح شعوبها بل مشغولة باستمراريتها التي لن تتحقق إلا بمزيد من التضحيات بمصالح الشعوب العربية.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية