تناقضات تجمعت.. وأنتجت محمد عودة

حجم الخط
0

تناقضات تجمعت.. وأنتجت محمد عودة

حسنين كرومتناقضات تجمعت.. وأنتجت محمد عودةلو لم يكن أخي العزيز جمال الغيطاني وما له من موقع في قلبي هو الذي طلب أن أكتب عن صديقنا الكاتب والمفكر والانسان الراحل محمد عودة لتلكأت وطلبت مهلة، حتي يزول جزء من جبل الحزن الجاثم علي القلب، بحيث يسمح للعقل أن يتحكم في الكلام، ونعطي لعودة ما يستحق أن يعرفه عنه الناس بشكل موضوعي، لأن الكلام العاطفي تحت تأثير الحزن لا يدوم ولا يفيد، ولأنني أعرف أن دمعة أو أكثر لا بد أن تصاحب القلم وهو يكتب عن صديق عزيز تم دفنه منذ ساعات، وكانت لي تجربة سابقة مع أستاذنا الراحل أحمد بهاء الدين بعد وفاته عندما أردت أن أكتب عنه، فكانت تسقط دمعة بين جملة وأخري، فانصرفت عن الكتابة لشهور طويلة، الي أن بدأت أكتب عنه بهدوء مرات كثيرة في جريدة القدس العربي .والغريب أنه بعد وفاة الشاعر والكاتب لكبير والموهوب صلاح جاهين شاهدت في التلفزيون حديثا مع المرحوم بهاء عنه ولا أذكر من الذي أجراه معه، وبدأ التأثر واضحا علي بهاء، واصل المحاور الضغط عليه لمزيد من الكلام، ففوجئت بالأستاذ بهاء وصوته يتهدج ولمعت الدموع في عينه من خلف نظارته الطبية وارتعشت شفتاه، وقال للمحاور، كفاية، ولكن المحاور أراد معاودة السؤال، فرد بحسم، كفاية، وأنهي اللقاء.واستخدمت كلمة الغريب لأنني اعتقدت أن استاذنا بهاء عاطفي أكثر من اللازم، الي أن أردت الكتابة عنه بعد وفاته وفشلت، لذات السبب الذي دفعه لأن ينهي بحسم اللقاء التلفزيوني، وأدركت أكثر من أي وقت مضي تأثير عمق العلاقة الانسانية عند محاولة الكتابة أو الحديث عن فقد انسان عزيز بعد وفاته مباشرة، وعودة لم يكن صديقا ولا أخا ولا منبعا ننهل منه معرفة ونقاء انسانيا، ولكني كنت شريكا له في معركة سياسية كبيرة، مع مئات آخرين من كبار الكتاب والمفكرين والصحافيين والسياسيين وشبابهم، دفاعا عن ثورة يوليو وزعيمها خالد الذكر جمال عبدالناصر ضد الهجمة الهائلة التي تعرضا لها، خاصة جانبها الذي شاركت فيه قوي خارجية لتصفية ما تحقق من منجزاتها لصالح الأغلبية الشعبية ولذلك قررت ألا أكتب عنه منذ بلغني خبر وفاته الا بعد فترة، بل انني لم أكتب عنه أثناء مرضه رغم أن كثيرين فعلوها وكان رأيي انني لو فعلت مثلهم فكأنني أنعي مقدما عزيزا لا يزال يصارع المرض الرهيب، وقد يخرج من المعركة فائزا رغم ما علمته بأنه لا أمل، وهي مسألة وقت لن يطول كثيرا، وهو ما دفعني لأن لا أزوره بعد عدة زيارات.فلم يحتمل قلبي أن أراه وهو يقترب كل يوم من حفرة القبر، ولم أفعلها الا مرة واحدة في مناسبة احتفال أحبائه بعيد ميلاده في مستشفي قصر العيني الفرنساوي، وظللت مركزا بصري عليه طوال الجلسة، تدهورت صحته الي حد بعيد، ولكن روحه لا تزال كما كانت عفية متفائلة بمستقبل مصر وثقته المفرطة في قدرة شعبها علي تجاوز المحن التي يواجهها، نفس الروح التي كان يتحدث بها منذ ثلاثين وعشرين وعشر وخمس سنوات وسنة، والكلمات تخرج بصعوبة منه ومعظمها غير واضح!! تلك الروح الواثقة من المستقبل رغم أن ملك الموت اقترب كثيرا منها ليقبضها ويرفعها لخالقها؟! بكيت في السيارة وأنا في طريقي من المستشفي لمنزلي، واتخذت قرارا نهائيا ألا أزوره مرة أخري، فقلبي لم يعد يحتمل رؤيته علي هذه الحالة رغم أنها من جانب آخر تعطي درسا في العزيمة والثقة في المستقبل.ولهذا لم يكن متصورا ان اكتب الآن عن عودة لولا لما للغيطاني من مكانة في قلبي، ولمكانة عودة في قلبه وعقله.وحتي هذه الجمل كتبتها بصعوبة شديدة، فما بين كل فقرة وأخري كنت أتوجه للحمام لأغسل وجهي لازالة آثار الدموع، وأعود لحالتي الطبيعية وأستطيع أن أقول وأنا هادئ الي حد ما، أن عودة لم يكن واسع الثقافة ومطلعا عليها، ولكن التقت فيه اتجاهات سياسية متعددة ومتناقضة في بعض الأحيان، هي الوطنية المصرية والاشتراكية والماركسية والعروبة والاسلام، وتراث الوفد بثورة 1919 بزعامة خالد الذكر سعد زغلول وخليفته خالد الذكر مصطفي النحاس، وقبلهما الثورة العرابية وزعيمها أحمد عرابي ثم مصطفي كامل، وانتهاء بثورة يوليو وخالد الذكر جمال عبدالناصر. هذه المنابع تجمعت وشكلت عجينة متميزة هي محمد عودة وحددت توجهاته لذلك لم يكن غريبا أن تجده متحمسا لتجربة الثورة الشيوعية في الصين بقيادة ماوتسي تونغ وأصدر عنها كتابا، ومتحمسا أيضا لتجربة الهند الاشتراكية الديمقراطية أيام نهرو وابنته انديرا غاندي، وكتب عنهما كثيرا، رغم العداء بين الدولتين والذي وصل الي حد الحرب، ومتحمسا لثورة عرابي ولثورة 1919 ومحبا لأبعد الحدود لسعد والنحاس ثم لعبدالناصر ولم أدرك مدي حب عودة للنحاس، الا عندما كنت أعد في عام 1979 لكتابي ـ عروبة مصر قبل عبدالناصر من 4 شباط (فبراير) 1942 ـ 23 تموز (يوليو) 1952، وكان يعرف تقديري للوفد قبل الثورة ومحبتي للنحاس، ففوجئت به ونحن نجلس وحدنا في مقهي درويش بالحسين، يسألني، لمن ستهدي الكتاب؟، فقلت له، لم أفكر حتي الآن، وان كنت أميل لاهدائه لعبدالناصر، فقال لي، فيما يشبه الرجاء، وأهده أيضا للنحاس، ما دمت تتعرض لفترة ما قبل الثورة، بل اختار الاهداء بنفسه وهو: الي الزعيم الخالد مصطفي النحاس، والي الزعيم الخالد جمال عبدالناصر الذي واصل المسيرة وهو موجود في الطبعة الأولي من الجزء الأول الصادر في عام 1981، وهذا سر أفشيه الآن، لأن عودة كان قد دخل قبلها في معركة عنيفة مع حزب الوفد الجديد بزعامة المرحوم فؤاد سراج الدين بعد عودته في 4 شباط (فبراير) عام 1978 وجمد نشاطه في الأول من حزيران (يونيو) من نفس العام، عندما قام بالرد علي كلمة سراج الدين في نقابة المحامين بتاريخ 23 آب (أغسطس) عام 1977 في الاحتفال بذكري وفاة خالد الذكر سعد والنحاس، وكان أول ظهور علني له بعد الثورة وتمهيدا لعودة الوفد، وجاء رد عودة في كتاب الباشا والثورة، وقمت أنا أيضا بالرد علي فؤاد سراج الدين في كتاب عنوانه ـ مستقبل القوي السياسية بعد ظهور الوفد ـ وهو ما اعتبره عودة بداية خلاف بيني وبينه لأنه اعترض علي ما اعتبره من جانبي لينا في مهاجمة سراج الدين، ثم زاد الخلاف بسبب سراج الدين بعد أن أعددت له ذكرياته السياسية، ونشرت في شهر ايلول (سبتمبر) عام 1979 في جريدة الشرق الأوسط علي عشرين حلقة، وكان رأيه، أنني وقعت أسيرا لاغرائه لأنه كان يحمله ومعه كبار ملاك الأراضي الزراعية المسؤولية عن سيطرة الاقطاع علي الوفد، وعلي كل فهذه كانت آراء عدد من الكتاب للنحاس، وقد كان يحلو لي أن أهدده بأن أفشي السر اذا احتدم الخلاف بيني وبينه حول الوفد، فيضحك ويقول:خلاص، خلاص. المهم أن المنابع السياسية والفكرية المتعددة والمتناقضة التي شكلت عودة هي سر انجذاب كل من يعرفه اليه، سواء كان وفديا أو ماركسيا أو اشتراكيا أو اسلاميا أو من أنصار ثورة يوليو، لأنه سرعان ما يكتشف انه جزء منه، أو له نصيب في نفسه، وهو ما أضفي علي شخصيته البساطة والعمق والاتساع، والانسانية، وما أكسبه تلك الثقة المفرطة في المستقبل رغم لحظات اليأس التي تنتاب الجميع مع كل هزيمة سياسية لنا، وانتصار لاسرائيل وأمريكا وأعوانهما مصر والعالم العربي.أما دوره داخل مصر بالنسبة للحركة الناصرية فيحتاج الي دراسة أخري، وشهادات من الذين عاصروه وشاركوه معاركه، ولا أسمح لنفسي بالانفراد بالكتابة عنه.ولا أعرف وأنا انتهي من كلامي ان كانت عاطفتي غلبتني أم لا.مدير مكتب القدس العربي في القاهرة0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية