تناقض الفتاوى الدينية ينعش فايروس كورونا في العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
2

بغداد-“القدس العربي”: ليس تناقض الفتاوى الدينية جديدا ولا غريبا في عراق اليوم، إلا أن تداعياتها السلبية ازدادت مؤخرا مع انتشار وباء كورونا، وسقوط ضحايا كثيرة، ما خلق موجة رفض لجعل الفتاوى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة على حساب حياة المواطنين.

وفي خضم أزمة انتشار كورونا في العراق، وتصاعد أرقام ضحاياه المعلنة وغير المعلنة، برزت فتاوى دينية متناقضة في كيفية التعامل مع الوباء، يسعى الكثير منها لاستغلال الكارثة من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، ويؤدي إلى إفشال الجهود الحكومية لحصر المرض والسيطرة عليه.

وقد دعت أغلب المراجع الدينية إلى الالتزام بتعليمات الحكومة للوقاية من كورونا، ومنها تشديد السيد أحمد الصافي ممثل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، على اتخاذ إجراءات الإحاطة من الوباء، ودعوته العراقيين إلى عدم الاستهانة بالفيروس، كما ألغت المرجعية الصلوات الجماعية في المراقد المقدسة وبيوت الله، وكذلك كان موقف المجمع الفقهي لعلماء أهل السنة، إلا أن بعض رجال الدين أصدروا فتاوى معاكسة.

وفي هذا السياق، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الزائرين إلى عدم الالتزام بتوجيهات خلية الأزمة الحكومية، والاستمرار في التوجه نحو مرقد الإمام الكاظم في ذكراه السنوية، إضافة إلى قيام أنصاره بتنظيم تظاهرة ضخمة أمام مرقد الإمام علي في النجف بعد إغلاقه أمام الزائرين، ما أجبر إدارة المرقد على إعادة فتح أبوابه، كما أقام أنصار الصدر صلاة الجمعة في مسجد الكوفة، وذلك رغم توجيهات خلية الأزمة بعدم التجمع في المراقد الدينية والجوامع خوفا من انتشار المرض. ومع أن الصدر برر دعوته لاستمرار التوافد على المراقد، بأن اعتراضه كان على إغلاقها أمام الناس، إلا أن التراجع لم يعد له معنى بعدما توجه عشرات الآلاف من الزائرين إلى الكاظمية، وهو ما جعل وزير الصحة والبيئة جعفر صادق علاوي، يوجه رسالة إلى الصدر يدعوه فيها إلى تقديم النصح للزائرين الذين أدوا مراسم الزيارة للإمام موسى الكاظم ولم يلتزموا بحظر التجوال، للبقاء في منازلهم كحجر طوعي لمدة 14 يوما للتأكد من سلامتهم.

وكانت وزارة الصحة العراقية أعلنت أن عدد إصابات كورونا بلغت 359 ضمنها 33 حالة وفاة، حتى يوم الجمعة الماضي، وهي أرقام يتفق العراقيون على أنها أقل بكثير من الأرقام الحقيقية لضحايا الوباء. وطبعا كان هناك العديد من رجال الدين الذين أرادوا استثمار الأمر، للمزايدة والبروز أمام أتباعهم.

فقد انتشر فيديو لرجل الدين الشيعي قاسم الطائي يقول فيه إن “فيروس كورونا لا يصيب المؤمنين المخلصين، بل لعله لا يصيب المسلمين الملتزمين بأحكام الشريعة، والفيروس عقاب للبشر على ما كسبت أيديهم” حسب تعبيره. وطالب الطائي بالاستمرار بالشعائر الدينية من صلوات الجمعة والجماعة وزيارة المراقد الدينية في النجف وكربلاء وقم، فيما أعلن القيادي في التيار الصدري حازم الأعرجي، أن “العلماء يوصون بزيارة الإمام الكاظم عند المرض، وأن قبر موسى بن جعفر ترياق، وهو دواء مجرب، وهو طبيب بغداد” مؤكدا أنه “الأمان لأهل بغداد وبالتالي المرضى” حسب قوله.

ومن نتائج تلك الفتاوى، انتشار أفلام فيديو عن قيام بعض الزائرين المتوجهين للكاظمية، بالاعتداء بالضرب على بعض رجال الأمن عندما حاولوا منعهم من الاستمرار في الزيارة، عملا بحظر التجوال المفروض من الحكومة، كما أن نوابا عن صلاح الدين، انتقدوا تدخل سرايا السلام التابعة للتيار الصدري لإجبارها القوات الأمنية على السماح بدخول زائرين إيرانيين إلى سامراء لزيارة المراقد الشيعية رغم حظر الزيارات للمدينة، وهو ما يعكس ضعف الحكومة أمام نفوذ أحزاب الإسلام السياسي.

ومن الجانب الآخر، كان هناك العديد من رجال الدين الذين انتقدوا بشجاعة، بعض الفتاوى التي تشجع على التجمعات، حيث وجه رجل الدين المنشق عن التيار الصدري والناشط في التظاهرات في مدينة الناصرية أسعد الناصري، انتقادات كبيرة لرجال الدين الذين يحثون الناس على الاستمرار في إقامة الشعائر الدينية رغم خطورة انتشار كورونا، وكذلك عدم إغلاق الحدود مع إيران ومنع الإيرانيين من دخول المدن العراقية. وقال الناصري في تغريدة على تويتر: “الكثير من رجال الدين جهلة في اختصاصهم، فضلا عن اختصاصات بعيدة عنهم، فلا تصدقوا خرافاتهم وخزعبلاتهم لأن همهم هو الحفاظ على رأس مالهم وهي الأوهام وتضليل العقول”.

وعدا الفتاوى الدينية حول مرض كورونا، يبدو أن ضعف الوعي لدى البعض من خطورة الموقف، كان سببا لانتشار المرض، حيث قامت القوات الأمنية بفض العديد من التجمعات في مناسبات مثل الأعراس والوفيات، فيما رفض بعض الأهالي عزل بناتهم المصابات بالمرض لوحدهن في مراكز صحية بحجة مخالفة الأعراف الاجتماعية السائدة. إضافة إلى موقف غريب من أهالي بعض المناطق القريبة من المقابر، عندما منعوا الفرق الصحية من القيام بدفن موتى فيروس كورونا في المقابر المعروفة، بل وحتى في المناطق النائية البعيدة عن المدن، بحجة الخوف من انتشار الفيروس عن طريق الموتى، وسط تحذيرات من مخاطر تكدس جثث المتوفين بفيروس كورونا في ثلاجات المستشفيات منذ نحو أسبوع.

وإذا كان الجميع يتفق على أن الاجتهاد في القضايا الشرعية الدينية هو ظاهرة صحية ومطلوبة في الإسلام، إلا أن الجميع يتفق أيضا على أن الفتاوى التي تخفي أغراضا سياسية وتكون لها نتائج سلبية، هي أمر مرفوض قطعا، لأنها تلحق الضرر الفادح بمصلحة الناس، خاصة عندما ينتقل بعض رجال الدين من القضايا الدينية إلى القضايا العلمية المتخصصة مثل الطب، إلا أن أحزاب الإسلام السياسي، تصر على التدخل في كل تفاصيل حياة المجتمع، حتى وان تسببت في نتائج كارثية، كما رأينا في طريقة إدارتها لشؤون البلد منذ 2003.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية