تناقض في الموقف الغربي من إنتخابات سوريا ومصر… أمريكا تريد العودة للوضع القائم والديمقراطية في المرتبة الثانية

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: علقت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية على الإنتخابات السورية قائلة « ذهب السوريون بطواعية لصناديق الإقتراع هذا الإسبوع لاختيار الرئيس في عملية يمكن وصفها بأي شيء لكن ليست ممارسة ديمقراطية حرة ونزيهة»، وأضافت أن الفائز كان معروفا ولم يتم التصويت إلا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما يعني أن ألالاف السوريين في مناطق المعارضة لم يستطيعوا التصويت «ولم تكن النتيجة مفاجئة، فقد كانت ولاية ثالث وسبع سنوات حكم للرئيس بشار الاسد».
وقالت الصحيفة «لا يستطيع أحد التظاهر بأن هذه انتخابات تتطابق مع المعايير الديمقراطية الحقيقية، فقد كان للأسد منافسين ونظر إليهما بشكل واسع على أنهما بيادق في لعبته الهزلية، أما بالنسبة للمراقبين الدوليين فحقيقة مجئيهم من إيران وروسيا وكوريا الشمالية الدول غير الديمقراطية يتحدث بنفسه».
وتقول إن أهم ملمح ومدعاة للضيق عن الإنتخابات أنها جاءت لتصديق الحقيقة القاسية: «فالسيد الأسد الذي طالب قادة العالم برحيله منذ مدة لا يزال في السلطة وليس من المحتمل مغادرته المنصب في وقت قريب. فيما تستمر الحرب الأهلية ومعها يتزايد القتلى الذين وصل عددهم 160.000 شخصا وشردت الملايين في داخل سوريا وإلى دول الجوار.
ويواصل الأسد بدون بوصلة أخلاقية تردعه تسوية المدن بالتراب ومنع وصول الطعام والدواء لمناطق المعارضة، واستهداف منظم للأطباء ومراكز العناية الصحية بحسب منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان وأفعال شنيعة أخرى تخرق قوانين الحرب وتعتبر جرائم ضد الإنسانية بحسب القانون الدولي».
والقت الصحيفة اللوم على حلفاء الأسد خاصة إيران التي أمدته بقوات إضافية ونصائح وكذا روسيا التي تقدم له السلاح وتواصل عرقلة القرارات في مجلس الأمن التي تجبر الأسد على تأمين مرور القوافل الإنسانية أو مواجهة العقاب أمام محكمة جرائم الحرب الدولية.
وتضيف أن تكهنات متفائلة تقول إن الأسد سيستخدم انتخابه الجديد لوقف الحرب وإعادة بناء البلد المهشم «لكن التاريخ يقترح أنه سيقوم بمضاعفة عملياته وسفك دماء في حملته الوحشية لطمس أعدائه».

بين مصر وسوريا

وفي هذا السياق علق إيان بلاك محرر الشؤون الدولية في صحيفة «الغارديان» على نتائج الانتخابات المصرية والسورية التي فصل بينها اسبوعا واحدا، فقد أكدت الأولى قبضة العسكر على الحكم فيما أعادت الثانية الأسد ليحكم مدة 7 أعوام وسط دمار الحرب الأهلية التي أخرجت معظم البلاد عن سيطرة الحكومة. وفي البداية يقول بلاك أن «لم يحبس أحد أنفاسه حول نتائج الإنتخابات السورية التي تكون نتيجتها عادة فوز بشار الأسد بالرئاسة». وتحدث الكاتب عن نكتة قاتمة انتشرت بين الناشطين المعارضين للأسد عن تحول صناديق الإقتراع إلى براميل متفجرة.
وقارن الكاتب بين النسب التي حصل عليها الأسد فعندما واجه في عام 2007 استفتاء على رئاسته ولم ينافسه أحد حصل على نسبة 97.6٪ ولكنه حصل على نسبة 88.7٪ من أصوات الناخبين عندما خاض الإنتخابات مع مرشحين وافقت عليهما الحكومة في تصويت غريب وعجيب.

أقل من السيسي

ويقول بلاك لم يكن سهلا على الأسد أن يتجاوز وبمصداقية النسبة التي حصل عليها الجنرال عبد الفتاح السيسي، آخر جنرال يصل للسلطة في مصر بعد سلسلة من العسكريين الذين تعاقبوا على حكمها منذ ثورة عام 1952. ويمضي الكاتب بالقول إن نسبة الذين شاركوا حسبما أعلنت الحكومة 47٪ وهي نسبة إن صحت تقارن بشكل جيد مع نسبة 52٪ الذين انتخبوا محمد مرسي عام 2012. ويقول بلاك، ربما لم يكن مرسي حاكما يحظى بشعبية كما يقول أعداءه لكنه لا يزال يحمل لقب الرئيس الوحيد المنتخب ديمقراطيا عندما أطاح الجيش به قبل عام. والملاحظ أن ساعات التصويت قد مددت في كل من القاهرة ودمشق، ومع ذلك فالمقارنة بين العمليتين الإنتخابيتين على المستوى الدولي تظل تحمل مفارقة.

بين ترحيب وشجب

فقد اندفعت كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لتهنئة السيسي على فوزه عندما أعلنت النتائج النهائية يوم الثلاثاء الماضي- مع ان هذه الدول قدمت كلاما شفويا عبرت فيه عن قلقها على حقوق الإنسان وأهمية المحاسبة، فيما بدت الأمم المتحدة أكثر برودة. أما الدول الخليجية، خاصة السعودية التي لا تقلق على مواقف الناخبين ولا يهمها جماعات الضغط التي ربما تقوم بمساءلة سياستها الخارجية، فقد وعدت بدعم مالي جديد لتعزيز الإقتصاد المصري المتداعي.
و الدول نفسها التي عبرت عن استعدادها للعمل مع مصر رفضت الإنتخابات السورية باعتبارها سخرية من الديمقراطية تهدف لتعزيز موقع الأسد في الداخل والخارج والتأكد من أن فكرة السلام ما هي إلا منظور بعيد المنال. وبالنسبة لروسيا وإيران وفنزويلا فقد قدمت مصادقة واضحة على نزاهة الإنتخابات. ونقل بلاك ما كتبته الناشطة منى طحاوي في تغريدة لها أن الإنتخابات المصرية غريبة بدرجة كبيرة ولا يمكن العثور على كلمة لوصف الإنتخابات السورية.
ويعلق الكاتب هنا أن تزامن إعلان نتائج الإنتخابات في خلال 24 ساعة يشير للوضع القاتم في منطقة الشرق الأوسط، فلا توجد في المنطقة باستثناء تونس حكومة تتمتع بشرعية ديمقراطية أو تعددية سياسية كما تفهم في الدول الغربية.

ليبيا وأخواتها

ويعلق الكاتب على ليبيا والسياسة فيها والتي يرى أنها في حالة من الفوضى الدائمة، ولم تكن الحكومة قادرة على فرض السلطة أو الحد من سيطرة الميليشيات المستقلة، وهناك حالة من الغليان المتزايدة بين الجماعات الإسلامية التي تمثل اتجاهات مختلفة والجنرالات السابقين الذي يتبعون خطى السيسي.
ويقول الكاتب أن دول الخليج اشترت نفسها بإنفاق أموال ضخمة على مواطنيها، و في الوقت نفسه قامت بقمع الإسلاميين وغيرهم ممن يتحدون سلطة الحكومة. ولم يكن الأداء أحسن في كل من المغرب والأردن التي تتمتع ببرلمانات، أما الجزائر التي خافت من تكرار الحرب الأهلية في التسعينات من القرن الماضي عادت وانتخبت الرئيس مدى الحياة وتقدم نفسها باعتبارها حاجزا ضد التشدد الإسلامي.
وفي العراق ولبنان تتشكل السياسة بناء على البعد الطائفي وبالنسبة لليمن الذي عاش «عملية تحول مدارة» لكنه يعاني من مشاكل عميقة. والدروس واضحة وهي أن الإنتخابات وحدها لا تبني ديمقراطيات.

تحديات

وتحدث الكاتب عن التحديات الكبرى التي تواجه السيسي، كما أن المشاركة المتدنية في الإنتخابات لا تضمن له دعما قويا والذي كان يرغب بالحصول عليه حيث وعد بمكافحة الفقر والبطالة وجذب الإستثمار الأجنبي. ويقول بلاك، «قام حسني مبارك بقمع الإخوان المسلمين لكن الرجل القوي قادم لمحوهم، وهو موقف لا يدعم استقرارا دائما».
وعن مستقبل الأسد يقول الكاتب إن «مستقبله ليس مؤكدا، فخلف نصره الحتمي تقف حقيقة واضحة وهي ان الناخبين صوتوا فقط في نسبة 40٪ من مناطق سوريا التي تسيطر عليها الحكومة، ولم تشارك مناطق واسعة في شمال البلاد ولا شرقها.
ولا تزال دول السعودية ودول الخليج الإخرى تدعم فصائل المقاتلين بسبب عدائها لإيران، ولكن الدعم الغربي لا يزال في مسار متدن خاصة أن المخاوف من هبوب رياح تأثير الأزمة السورية عليها، وأصبحت المخاوف من القاعدة على رأس الأجندة في كل العواصم الغربية، واشنطن، باريس ولندن وغيرها، وهي قضية أهم من تغيير النظام أو تحرير سوريا.
ونقل الكاتب عن شادي حميد، الباحث في معهد بروكينغز «عادت الولايات المتحدة لموقفها الداعي للحفاظ على الوضع القائم في مرحلة ما قبل الربيع العربي. وتحدث حميد في تشاتام هاوس- لندن أمس الأول حيث قال «وتم إرجاع الديمقراطية للمرتبة الثانية».

رياح سوريا تهب على أوروبا

وصار الخوف من القاعدة وأثار الحرب السورية شغل المسؤولين الأمنيين الأوروبيين الشاغل ويراقبون بنوع من الفزع الصور القاتمة في سوريا والتي تحفل بها مواقع الإنترنت، عن شاب يحمل سكينا وآخر يضع في حجره بندقية إي كي-47 وخلفه راية القاعدة، وآخر يقف إلى جانب شاحنة محملة بأطنان من المتفجرات، وكل ما يجمع بين هذه الصور هو أن الأفراد الذين يظهرون فيها شبانا أوروبيين. ويقدر عدد المقاتلين من أوروبا بحوالي 3.000.
ووصلت حالة الخوف من ترددات الأزمة السورية في الأيام القليلة الماضية أن القت الشرطة الفرنسية القبض على مهدي نيموش الذي يتهم بتنفيذ هجوم 25 أيار/ مايو على متحف يهودي في مدينة بروكسل. وكان نيموش يخضع لمراقبة الشرطة الفرنسية لمدة طويلة وقضى عاما في سوريا. وفي حالة إدانته فسيكون اول حكم قضائي في حادث له علاقة بالحرب في سوريا.

تأكيد الخطر

وتقول صحيفة «فايننشال تايمز» إن العملية في بروكسل قد بلورت بشكل أكبر مخاوف أوروبا من شبابها الذين يسافرون لسوريا.
وتخضع المشكلة للنقاش منذ عدة أشهر لكنها برزت كتهديد واضح يترك أثاره الواضحة. وقال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالز هذا الإسبوع إن فرنسا «لم تواجه تحديا مثل هذا» اي الخطر القادم من المقاتلين الأوروبيين في سوريا، فيما قال متحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية متحدثا للصحيفة ان الإرهاب الجهادي العالمي «يمثل في الوقت الحالي أعظم تهديد لأمن العامة».
والسياق بنفسه عبر مسؤولون أمنيون بريطانيون عن نفس المخاوف فنصف الملفات التي يتعامل فيها مسؤولوا المخابرات الداخلية «أم أي فايف» لها علاقة بخطر الإرهاب في سوريا على أمن بريطانيا الداخلي.
وبحسب ريتشارد باريت، المدير السابق لعمليات مكافحة الإرهاب الدولي في المخابرات الخارجية البريطانية «أم أي-6» «من الواضح تماما أن السلطات الأمنية في أوربا تشعر بالخشية من هذا» مضيفا أن سوريا هي التي «تسيطر على النقاش بين المسؤولين الأمنيين هذه الأيام». وحدد باريت الذي يعمل في مؤسسة الإستشارات «صوفان» في تقرير له معالم وحجم المشكلة: حيث قال إن عدد الذين ذهبوا للقتال في سوريا خلال الأعوام الثلاثة الماضية هو أكبر من عدد الذين ذهبوا للقتال في أفغانستان خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، حيث اعتبر الجهاد ضد الإتحاد السوفييتي السابق البوتقة التي ولد منها تنظيم القاعدة. وبحسب فرانسوا هولاند الرئيس الفرنسي فقد قاتل 20 فرنسيا في صفوف المجاهدين الأفغان فيما ذهب لسوريا أكثر من 700 متطوع. وفي الوقت الذي يعتبر الهجوم الذي نفذه نيموش الأنجح في الوقت الحالي إلا أن هناك هجمات ثلاثة اقتربت من النجاح. ففي آذار/مارس الماضي فككت الشرطة الفرنسية هجوما بالقنابل المحشوة بالمسامير في كوت أزور.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر كوسوفو تم اعتقال ستة أشخاص بعد اعتدائهم على مبشرين أمريكيين. وفي بريطانيا تم إحباط هجوم على غرار الهجوم على مدينة مومباي الهندية والذي يشمل على سلسلة من القتل والتفجيرات في العام الماضي. وبالإضافة لإحباط الهجمات فالقادة الأمنيون يحاولون دراسة والتكهن فيما إذا كانت الهجمات في المستقبل ستكون من عمل شبان يعتمدون على تجربتهم في سوريا أو نتيجة لتخطيط فردي أو أن الجماعات الجهادية هي التي خططت وأشرفت عليها. وينظر المسؤولون بعين القلق لأحرار الشام وجبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام كمصدر للتطرف والعمليات التي قد تلهم الشبان. وفي الوقت الذي يؤمن فيه القادة الأمنيون بأن هذه الجماعات تخطط لعمليات في الخارج لكنها تظل ضمن طموحاتها والإحتياجات داخل سوريا تتفوق على الرغبة في تنفيذ عمليات خارجية.
وفي ضوء التنافس بين الجماعات الراديكالية قد يتغير الوضع بشكل مفاجيء. ويقول رفائيلو بانتوشي، الباحث في مركز الدراسات المتحدة «في حالة قامت بها داعش بتقديم نفسها على أنها بديل عن القاعدة فعليها أن تظهر هذا» بعملية مضيفا «أن شيئا سيحدث».
والسؤال الكبير هو كيف تقوم الدول الأعضاء في الإتحاد الاوروبي بالتعامل مع الأزمة ووقفها بشكل جماعي. وكان ممثلوا دول تشعر بالتهديد القادم من سوريا قد اجتمعوا في مقر الإتحاد الأوروبي لبحث خطط التصدي للأزمة وضم الإجتماع دول مثل هولندا والدانمارك وفرنسا واسبانيا والدنمارك وإسبانيا والسويد وبريطانيا ويرى بانتوشي أن هذه «قضية رئيسية»، «فعلى مستوى الإتحاد الأوروبي قمنا بنقاش كثير وما ينقص هو دفعة أوروبية متماسكة للرد» على الوضع.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية