بغداد-“القدس العربي”: تواجه حكومة عادل عبد المهدي أصعب تحد لها يتمثل في إصرار القوى الشيعية في البرلمان على طرح مشروع لإخراج القوات الأمريكية من العراق لتحقيق أجندات محلية وإقليمية، في وقت تسعى الحكومة للإبقاء على الدعم الأمريكي لها بمواجهة مخاطر عودة تنظيم “الدولة الإسلامية” ووسط معارضة قوى كردية وسنية لهذا المشروع.
وفي تأكيد حكومي للحاجة إلى الدعم الأمريكي، عبر عبد المهدي في تصريحاته عن رغبته في استمرار الدعم العسكري الأمريكي للعراق لمواجهة العمليات المتصاعدة لتنظيم “داعش” التي شهدت مؤخرا تصعيدا يهدد الاستقرار في المناطق المحررة إضافة إلى الحاجة للاستثمارات الأمريكية.
وخلال لقاء وزير الخارجية العراقي محمد على الحكيم بالمبعوث الأمريكي بريت ماكغورك، قبل أيام، طلب من الولايات المتحدة ان “لا تسمح بعودة تنظيم “داعش” الإرهابي مجددا إلى العراق”.
كما “تم بحث سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين وملف محاربة داعش وجهود التحالف الدولي وتحديدا في مناطق غرب العراق والحدود مع سوريا” بينما دعا الحكيم واشنطن إلى “التعاون لتنشيط الاستثمار في العراق والمساهمة في إعادة إعمار المدن المحررة”.
وبالضد من هذا التوجه لحكومة عادل عبد المهدي، أعلنت العديد من الكتل والفصائل الشيعية عزمها على طرح ملف إخراج القوات الأمريكية من العراق، على مجلس النواب الحالي.
فقد كشف نواب ومصادر مطلعة، عن وصول مسودة قرار سحب القوات الأمريكية إلى اللجنة القانونية النيابية من أجل صياغته وطرحه للتصويت أمام البرلمان.
ويدعو مشروع القانون المراد تقديمه إلى البرلمان، إلى مغادرة كل القوات الأجنبية، بما فيها الأمريكية، من البلاد بحلول نهاية العام المقبل، في مهلة غير قابلة للتمديد، كما يتضمن مشروع القانون إلغاء الاتفاقية الأمنية الاستراتيجية الموقعة بين واشنطن وبغداد، والتي تم بموجبها الانسحاب الأمريكي من البلاد عام 2011.
وفي تأكيد للموضوع، أعلن النائب عن تحالف سائرون غايب العميري، أن إخراج القوات الأمريكية وإنهاء وجودها في العراق هو أحد بنود برنامج حكومة عادل عبد المهدي، وأن “الدورة البرلمانية الجديدة ترفض وجود القوات الأمريكية في البلاد”.
ووصف النائب كريم المحمداوي، عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، القوات الأمريكية المنتشرة على الحدود العراقية – السورية بـ”المخرب والمثير للفوضى الأمنية في العراق” عادا جميع الخروقات الأمنية في المناطق الحدودية حصلت برعاية ما يسمى بالتحالف الدولي الذي تتزعمه واشنطن، وإن “بناء القواعد الأمريكية بالقرب من الحدود العراقية – السورية محاولةٌ لخلق مشاكل أمنية وفتح ثغرات لعصابات داعش”.
وتفيد المصادر المطلعة أن مشروع القانون، سيتم تقديمه للمناقشة بعد انتهاء أزمة تشكيل الحكومة، وسط توقعات بأن تتم الموافقة عليه عند طرحه للتصويت نظرا للأغلبية الشيعية الواضحة في البرلمان، مما سيعرض حكومة عبد المهدي للإحراج.
ومعروف أن قوات التحالف الدولي بقيادة القوات الأمريكية، أقامت خلال السنوات الأخيرة عدة قواعد على امتداد الحدود العراقية السورية وفي إقليم كردستان، وخاصة عقب ظهور تنظيم “داعش” عام 2014. وما زالت تنفذ عمليات برية مشتركة مع القوات العراقية والبيشمركه إضافة إلى دور مؤثر لطيران التحالف الدولي في محاربة التنظيم الإرهابي.
والمتابع لمواقف القوى الشيعية إزاء الوجود العسكري الأمريكي، يلمس اتفاقا كاملا بين تلك القوى على إخراج القوات الأمريكية، ولكن بدوافع مختلفة. وإذ يقود التيار الصدري توجها قويا لإخراج القوات الأمريكية انسجاما مع مواقفه المناهضة ومشاركته في المقاومة ضدها خلال فترة الاحتلال المباشر للعراق، وامتدادا لشعاراته ووعوده خلال الانتخابات الأخيرة بتحقيق الاستقلالية والسيادة في الحكومة الحالية، نرى أن مواقف بقية الأحزاب والفصائل الشيعية منسجمة مع رغبات إيرانية معلنة لإخراج القوات الأمريكية، بهدف إضعاف تأثير الولايات المتحدة في المشهد العراقي ولتكون الساحة مفتوحة للنفوذ الإيراني وحده.
وعلى كل حال، ليست محاولة طرح إخراج القوات الأمريكية في البرلمان هي الأولى، حيث كانت هناك محاولات مماثلة في فترة البرلمان السابق للضغط على حكومة حيدر العبادي من أجل جدولة إخراج هذه القوات من العراق، إلا أن ظروف الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” وقيادة الولايات المتحدة للتحالف الدولي ضد التنظيم، جعلت الأمر غير قابل للتطبيق آنذاك.
ويؤكد المراقبون للوضع العراقي ان المحاولات الشيعية لإخراج القوات الأمريكية من العراق، ستواجه معارضة من أغلب القوى الكردية والسنية والصديقة للولايات المتحدة، التي تجد في التواجد الأمريكي في العراق، رغم تحفظ بعضها عليه، ضمانة لها من الهيمنة الشيعية على السلطة.
وبينما يكون موقف القيادة الكردية إزاء مشروع إخراج القوات الأمريكية خاضعا لحاجتها الدائمة إلى طرف دولي قوي في تعاملها مع حكومات بغداد وللعلاقة التاريخية الاستراتيجية الكردية الأمريكية، فأن القوى السنية والوطنية ترى في الوجود الأمريكي توازنا ولو محدودا مع تنامي النفوذ الإيراني في العراق. لذا ستكون هناك مساحة تسعى الولايات المتحدة من خلالها للتحرك لإفشال المشروع أو عدم التزام حكومة عبد المهدي به.
ومن المتوقع أن إقرار مشروع إخراج القوات الأمريكية من العراق إذا تم تمريره في البرلمان، ستعده الولايات المتحدة امتدادا لموقف حكومة عادل عبد المهدي بعدم التقيد بالعقوبات الأمريكية على إيران، أي أن الحكومة العراقية أصبحت أقرب إلى ايران منها، وبالتالي ستترتب عليه مواقف أمريكية متشددة إزاء العراق ستكون لها تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية، خاصة ان للولايات المتحدة أوراقا كثيرة تستطيع ان تلعبها في العراق، إضافة إلى طبيعة قيادة الرئيس الأمريكي ترامب المعروف بالاندفاع في المواقف العدائية تجاه الدول العربية.