الشعور العربي المبعثر حول نتائج الربيع العربي بين مؤيد بدأ يراجع قناعته وبين ممتنع ازداد إقتناعا بأنه ليس في الامكان احسن مما كان. مثل هذا النمط من التفكير، سببه الرؤية الميتافيزيقية التي تقوم عليها الثقافة لعربية وهي رؤية دينية ترى فى وجود حلول مكتملة تتنزل دفعة واحدة، فالديمقراطية من وجهة النظر هذه روشته، فبمجرد إزالة الاستبداد تتكشف وتنتشر، والاصلاح كذلك بمجرد زوال الفساد يتَسيد ويغطي المكان، والعدالة تتَنزل بعد الظلم، نظرة آخروية ميتافيزيقية دينية بإمتياز. هذا ما يسبب التململ اليوم بعد زوال نظام مبارك الاستبدادي وعدم بزوغ فجر الحرية والدولة المدنية والعدالة والمساواة، وهي إيضا ما يسبب التشاؤم في تونس بعد رحيل بن علي، والتردد فى اليمن بعد إصابة صالح.
في نفس الوقت تتأكد مثل هذه النظرة ويزداد اتباعها وتترسخ في البنية العقلية كطريق أحادي للخلاص في ما نشهده في ليبيا وسورية وإنسداد الأفق الى حد ما في وجه التغيير، فكرة’الصراع’ غائبة كجدلية مستمرة وطريق وحيد لتحقيق الرؤى والتطلعات. الديمقراطية منجز ولكنه صيرورة صراع، العدالة النسبية قيمة ولكنها صيرورة صراع، الحرية قيمة إنسانية كبرى ولكنها صيرورة صراع، لا شي خارج جدلية الصراع.
فلا يتشاءم البعض من عدم إكتمال الحلم لأن على الشعب أن يكمله، ولا عن عدم تحقق الأمن لأن الشعب من يحققه، ولا عن الحرية لأن الشعب من يصوغها، لا شي مكتمل بل الامور عبارة عن صيرورة صراع مستمر، الايمان نفسه عملية تجدد وإستمرار، الانسان في الحديث الشريف قد يصبح مسلما ويمسى كافرا. فجوهر الصراع ذاتي ومجتمعي كذلك، من يتوقع الانتقال السلس من منظومة قيَمية الى أخرى دونما عناء وجهد لا يعى الطبيعة البشرية التي جُبلت على ثنائية الخير والشر، خاصة وأن مجتمهاتنا العربية لا تملك اساسا ذاكرة مدنية، بمعنى لا تملك من التاريخ المدني شيئا يذكر.
وتعيش على الذكرى بدل الذاكرة، حيث الذكرى حنين لماض لن يعود والذاكرة تجدد واستمرارية وخلق يتراكم وتجربة تكتسي حداثتها يوما بعد آخر، الماضي بالنسبة لأمتنا ذكرى وليس ذاكرة، بمعنى أن الجيد أو السمين منه تحول إلى ذكرى ولم يعد ذاكرة يمكن البناء عليها، لذلك يبدو الصراع حتمية حتى يتحول إلى ذاكرة مدنية يمكن الاستفادة منها والبناء فوقها. يختفي الصراع بشكله الدامي عندما تنشط الذاكرة التاريخية للأمة إذا كانت تملك ذاكرة مدنية أيقد أنتجت عبر تاريخها من الاساليب المدنية ما يكفي من استعادته، الصراع ينشأ ويبدأ أساسا عند البدء في بناء الذاكرة المدنية للأمة، فلذلك ما نشهده حاليا هو بداية تَكَون ذاكرة مدنية للأمة ليس إلا. ثمة صراع مستمر بعد ذلك، لكنه أقل تكلفة من صراع بناء الذاكرة المدنية، حيث أنه صراع مَدني حينئذ وليس دموي كما نشاهده اليوم عيانا. عندما تفكروا في الحلول أيها السادة، لا تنسوا جدلية الصراع كمنظومة حاكمة، حتى لا نفرح ولا نيأس فالطريق بين الاثنين سالك وأحرى بأن يتبع.
عبدالعزيز الخاطر[email protected]