اعتبر العقيد هيثم عفيسي، نائب رئيس أركان الجيش الحر التابع للحكومة السورية المؤقتة، خطوة تشكيل جيش نظامي في منطقة “درع الفرات” أنها عبارة عن “نواة لجيش نظامي للمعارضة السورية، وبداية مأسسة المؤسسة العسكرية من خلال تشكيل ثلاثة فيالق تتبع لقيادة الأركان”. وعن كفاية أعداد المقاتلين أشار عفيسي، في حديث إلى “القدس العربي”، أنه يبلغ تعداد مقاتلي درع الفرات 25 ألف مقاتل حسب السجلات العسكرية لدى الفصائل، وهو “عدد كاف تنظيميا للهيكلة الإدارية”.
مصدر عسكري في درع الفرات قال لـ”القدس العربي” إن الاتفاق تمّ برعاية تركية فقط، ولم تشاور الفصائل المدعومة من البنتاغون، أو من غرفة عمليات “الموم”، الدول الداعمة نهائيا، وهو ما مكن من سرعة اتخاذ القرار. ولو “شاورت الفصائل داعميها لما استطعنا الوصول إلى قرار بتشكيل جيش والاتفاق على قضية المعابر”. الأمر الذي أيده العقيد عفيسي: “لا نعتقد أن هناك تعارضا أبدا والمصلحة الوطنية هي أولوية لدينا”، باعتبار أن اللواء 51 يقوده عفيسي ويتلقى دعما من برنامج التدريب الذي تشرف عليه وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاغون.
واجتمعت فصائل درع الفرات في مقر القوات الخاصة التركية، الثلاثاء الماضي، بحضور كل من والي غازي عنتاب، والي كيليس، وقائد القوات الخاصة التركية، وممثلين عن الاستخبارات التركية والحكومة السورية المؤقتة ونائب رئيس “الائتلاف الوطني” وقادة فصائل الجيش الحر المتواجدين في منطقة درع الفرات. واتفق الحضور على “توحيد إدارة المعابر الموجودة في في منطقة درع الفرات وإدارتها من قبل الحكومة السورية الموقتة”.
كذلك تمّ الاتفاق على جمع واردات المعابر في خزينة واحدة تحت تصرف الحكومة السورية المؤقتة، على أن توزع “بشكل عادل على الحكومة السورية المؤقتة والمجالس المحلية والجيش الحر”، دون تحديد نسبة كل من الأطراف الثلاثة، ما يعني احتمال انتقال الخلاف إلى داخل مؤسسات الحكومة المؤقتة أو بينها وبين الفصائل.
ويأتي الاتفاق بعد إقفال الحكومة التركية معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا، عقب اقتتال بين “الجبهة الشامية” التي تسيطر على المعبر، و”فرقة السلطان مراد” المقربة من تركيا، بسبب رفض “الشامية” تقاسم موارد باب الهوى مع باقي فصائل درع الفرات.
ولم يقتصر الاتفاق على حل قضية المعابر، إذْ من الواضح أن تركيا أرادت حلا شاملا لقضية فصائل “درع الفرات”. فمسألة الاقتتال على واردات معبر باب السلامة ليست جديدة مطلقا، إضافة إلى أن تركيا فتحت معبر جرابلس لإدخال البضائع التجارية مع سيطرة الفصائل على بلدة جرابلس، ودحر تنظيم “الدولة الإسلامية” منها.
ونص الاتفاق على انتقال الفصائل من “مرحلة مجموعات وفصائل إلى مرحلة الجيش النظامي”. خلال المرحلة الأولى تتشكل خلالها ثلاثة فيالق تجمع كتلة الجيش الوطني في الفيلق الأول، وكتلة السلطان مراد في الفيلق الثاني، فيما تشكل الجبهة الشامية الفيلق قوام الفيلق الثالث. وتُجرد الفصائل من مسمياتها وتدخل في هيكيلية الجيش النظامي حسب هيكليات الجيس السوري، حيث يتشكل الفيلق من ألوية يضم كل لواء ثلاث كتائب عسكرية.
ومع الدخول في عملية الهيكلة ستقوم الفصائل بتسليم كامل مقراتها وسياراتها وأسلحتها ومعداتها إلى وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، مع وضع شرط لفسخ عقد التمويل والدعم على الفصائل التي لن تلتزم.
الحضور التركي الكبير، متمثلا بواليي كيليس وغازي عنتاب، والقوات الخاصة التركية والاستخبارات، يظهر حجم الرغبة التركية في ضبط فصائل درع الفرات، وتنظيمها والحد من تمرد بعضها وعدم انصياعه. والأسباب عديدة، منها داخلية تتعلق بفوضى السلاح التي تعم منطقة درع الفرات، وارتفاع نسبة السرقات والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة دون رادع. وهذا ما بدأت تركيا في حله من خلال إنشاء الأمن الوطني والشرطة، حيث تقوم بتخريج نحو 50 ألف شرطي جديد دربتهم أكاديميات الشرطة في تركيا وسوريا.
وتأتي عمليات تشكيل الوحدات العسكرية في سياق التفاهم السياسي والعسكري بين روسيا وتركيا في منطقة درع الفرات سابقا، وانتقاله الى ادلب بعد مؤتمر أستانة – 6. فتركيا التي اعتمدت على تلك الفصائل في درع الفرات ودعمتها بشكل مباشر من أجل محاربة تنظيم الدولة، تجد أنها تحولت إلى عبء عليها. ويزيد من هذا العبء أنها استطاعت التدخل في إدلب من خلال الاتفاق مع “هيئة تحرير الشام” دون الحاجة إلى الاستعانة بفصائل درع الفرات، بعد أن كانت نقلت قسما منها إلى ولاية هاتاي المقابلة لمحافظة إدلب، لتقوم بإعادة الـ800 مقاتل إلى منطقة درع الفرات مجددا، بعد اعتراض تحرير الشام على دخولهم والموافقة على دخول الجيش التركي فقط.
ومع مشارفة “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة أمريكيا من السيطرة على دير الزور، ستصبح فصائل المنطقة الشرقية الموجودة في درع الفرات عبئا آخر على المنطقة. فتركيا كانت دعمتها وجهزتها من أجل شراكة مرتقبة مع أمريكا لمعركة الرقة أولا، ومعركة دير الزور ثانيا. لكن إصرار واشنطن على الاعتماد على الحليف الكردي القوي والمنضبط دون ادخال تركيا الى منطقة النفود الأمريكية شرق نهر الفرات، قلل من أهمية فصائل “الشرقية” في درع الفرات.
كل تلك الأسباب تدفع أنقرة الى الإسراع في ضبط الوضع العسكري والأمني في منطقة درع الفرات، خشية انفجاره مع هدوء جبهات القتال خصوصا في تلك المشتركة مع النظام. في المقابل فإن تركيا تنتظر دورا وظيفيا آخر لفصائل درع الفرات، في حرب محتملة قد تشهدها عفرين باتفاق بين النظام السوري وروسيا، وذلك في حال رفض “وحدات حماية الشعب” لمقترح روسيا بإنشاء حكم محلي مدني يمنع تواجد الوحدات وذراعها الأمني في عفرين، ويعيد سلطة “الحكومة السورية” مع الوقت.