أنطاكيا – «القدس العربي»: اخترق مقاتلو «قوات سوريا الديمقراطية»، أخيراً، وبدعم حاسم من التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، الدفاعات اليائسة لآخر جيب يسيطر عليه «تنظيم الدولة» في قرية الباغوز على مقربة من الحدود العراقية. وقد لجأ للباغوز كثير من مقاتلي التنظيم مع أسرهم، بعد أن غادروا العراق ومناطق أخرى في سوريا بسبب الغارات الجوية والقصف المدفعي، وكذا الهزائم المتتالية أمام تحالف دولي هائل، وصفته تقديرات موقع «أونتي وار» الأمريكي بأنه كان «صراعاً كبيراً وطويلاً»، أطول من الحرب العالمية الأولى، وشاركت فيه حوالي 80 دولة، وكانت المعركة أشد بكثير من الحرب على أفغانستان.
واستغرق الأمر أكثر من أربع سنوات وحشد دولي، لحشر التنظيم الجهادي في هذه الزاوية الصغيرة. لكن على الرغم من القصف الوحشي، فإن المعاقل النهائية في الباغوز رفضت الاستسلام حتى آخر مقاتل، إذ مكَنتهم شبكة الأنفاق والخنادق التي حفروها من الصمود لفترة أطول من المتوقع، ومقاومة قصف التحالف، الجوي والمدفعي. ومع كل هذا، لا يزالون يرون فيه تهديدًا، لهذا حورب التنظيم بمنتهى الشراسة إلى آخر لحظة.
ويكاد يتفق أغلب المحللين والمراقبين على أن «التنظيم»، الدولة والكيان المترامي الأطراف، انتهى، ولكن «التنظيم» الفكرة والعقيدة القتالية الصارمة وصنيعة المظالم السنية والدمار والخراب، لا يزال باقياً.
فمحاربو التنظيم ومؤيدوهم، سيصنعون نسخة جديدة ونمطاً مختلفاً، ربما أكثر غموضاً وتعقيداً وتستراً، وليس كياناً قائماً يسيطر على مناطق، وهم بهذا، ملزمون باتباع نهج مختلف تمامًا في قتالهم.
الباحث السوري الأمريكي الذي تعود أصوله لدير الزور، حسن حسن، رأى أن التحدي الذي تفرضه «الدولة الإسلامية» ما عاد عسكرياً في المقام الأول، وإنما هو تهديد أمني، ولهذا تبحث لها عن خلايا نائمة ومتعاطفين وناقمين وشبكات دعم في العراق وسوريا وحتى في الخارج.
وكان مسؤولون عسكريون أمريكيون صرحوا أن مستوى الالتزام الإيديولوجي القوي غير المستسلم لمقاتلي تنظيم «الدولة» في الباغوز يمثل تهديدًا طويل المدى، وهذا ما أشار إليه مؤلف كتاب «الدولة الإسلامية : جيش الرعب»، حسن حسن، من أن الفكرة نفسها ستبقى مصدر إلهام وتعبئة، لأنها لم تبدأ مع «التنظيم»، فقد سبقت التنظيم وستظل محفزة لمقاتليه الزمن القادم.
فالتنظيم انما هو صنيعة مظالم سنية وبيئة باعثة على التمرد، وهي كلها ظروف لا تزال قائمة، وربما أسوأ مما كانت عليه وأكثر دفعاً وتحفيزاً على الانخراط في الصراع الطويل المرير.
الصحافي في قناة «فرانس24»، المتخصص في شؤون الحركات الجهادية، وسيم نصر، يرى أن ما حدث في الباغوز نهاية لحلم التنظيم في دولته وكيانه، المثير للجدل، لكنه ليس نهاية للفكرة والمجموعة. فصعود تنظيم «الدولة» وقتاله في الباب ودير الزور والفلوجة والموصل والرقة، ثم بلدة الباغوز، وما آلت إليه الحرب الوحشية عليه، من دمار وخراب، ولجوء الملايين إلى المخيمات، قصة قد لا تنتهي قريباً، وربما ستطول.
وفي المحصلة، يقول، «على الرغم من انتهاء سيطرتها الميدانية، فلا تزال «الدولة الإسلامية» قادرة على الوصول إلى أي مكان ترغب فيه. وستعود لإستراتيجية الاختفاء وإعادة الانتشار في الصحراء، البيئة التي يعرفها وتعرفه، واحتضنته في بدايات ظهوره وكان يلجأ إليها عندما يشتد عليه الضغط والخناق، وربما ظل محافظاً على وجود له، وإن كان محدوداً، في أكثر أوقات الصراع منذ صعوده».
وتشير التقديرات إلى أن التنظيم سيستأنف أسلوب عمليات التمرد في البيئة الريفية والمناطق التائية، الذي اعتمده في الفترة الممتدة من 2007 إلى 2013 في العراق، في شن هجمات أو تفجيرات انتحارية على حواجز الطرق أو القوافل، وتنفيذ أعمال قتل واستهدف سياسيين أو شخصيات أو مسؤولين.
التخطيط لهذا «الخيار التكتيكي» ليس وليد لحظة انهيار الكيان، وإنما تم الاعداد له منذ فترة، لأن تنظيم «الدولة» أدرك أنه في النهاية سوف يفقد السيطرة على المناطق والأقاليم الحضرية التي اجتاحها، ويتيح له هذا الخيار أن يشكل تهديداً دائماً، وأن يكون غير مرئي أو بعيد المنال، دون وجود خط أمامي ثابت، وبالتالي يصعب من عملية مواجهته.
وقد تمكن التنظيم من زرع شبكة من الأشخاص بعد سنوات عدة من السيطرة الإقليمية والإدارية. وهو حتى وإن خسر كيانه، فلم يفقد «ثورته»، كما كتب الباحث الأمريكي في شؤون «الشرق الأوسط» ديفيد كينر.
وقد أشارت تقديرات محللين إلى أن الغرض من هذه الإستراتيجية المعتمدة، هو مضايقة وإلحاق الضربات بعيدًا عن خط المواجهة لإبقاء الخصم تحت الضغط من خلال التسبب في خطر دائم وتعطيل طرق إمداده. وتسمح هذه الاستراتيجية بإثبات أن مقاتليهم موجودون وقادرون على ضرب ما يريدون، اعتمادًا على الفرص.
ولا يزال تنظيم «الدولة» يسيطر على مناطق معزولة في البادية السورية في دير الزور. ويمكن لمقاتليه القيام بدوريات بسهولة في الصحراء، الخاضعة جزئياً لمراقبة النظام، من بادية حمص الشرقية، بالقرب من دير الزور، وحتى بادية السويداء، وربما ستشكل خلاياه تهديداً هناك لقوات سوريا الديمقراطية وميليشيات النظام. وقد نفذت تلك الخلايا ومجموعات منتشرة في الصحراء وتابعة لها، هجمات كثيرة بين منتصف كانون الأول/ديسمبر وأواخر شباط/فبراير، وستستمر بذلك ما دامت أسباب ظهوره ودوافع انتشاره قائمة، وكما كتبت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية أن «الخراب في سوريا والعراق يغذي التهديدات المتطرفة التي ما زالت تتحدى القوى الأجنبية».
وما يمكن استنتاجه، حتى الآن، وهو ما يميل إليه أيضاً كثير من المراقبين والباحثين، أن هزيمة نهائية للتنظيم لا تزال بعيدة المنال، وهنا مهم التفريق بين نهاية الكيان السياسي والإداري للتنظيم، وبين نهايته باعتباره حركة تمرد سنية مسلحة متطرفة تغذيها المظالم والتدخلات الأجنبية وانهيار منظومة الحكم المحلي في العراق وسوريا .