إبراهيم حسويتخذ الشاعر إبراهيم الجبين في جديده الشعري (تنفس هواءها عني) التاريخ وشخصياته مطية يبني عوالمه الشعرية على أحداثه ومجرياته وبالتحديد منطلقاً من تاريخ مدينة دمشق منذ ولادتها حتى وقتنا الحالي، ومن الفاتحين لها بدءا بصقر قريش وانتهاءً بصلاح الدين ليمارس مزج الحضارة الدمشقية القديمة مع الحياة الدمشقية المعاصرة في لوحات فسيفسائية وعلاقات بشرية تنهض على وقع نشيد عشقي لا ينتهي ولا يهدأ من سرد تفاصيل وأحداث تجري كل ثانية وثانية في معانقة شعرية ذات تقنية عالية وإنجاز فني تتخلله مؤازرة خيالية تغور في فضاءات أكثر من 2000 سنة من ولادة دمشق، أحداث بالجملة وأسماء وأمكنة مختبئة في زوايا الكلام وأسماء تظهر وتعلن حضورها في كل تفصيل وكل معطى فكر أو خيال يحاول الشاعر منحها صفة الأسطورة أو حكايات عشق مضمرة مكتوبة على كل حجر من أحجار قلعة دمشق والتكيات السليمانية أو على رأس ذلك الفارس التدمري الذي يتكرر في النص كأنه مربط الحكاية الدمشقية وساردها، نصوص في مقام الياسمين الدمشقي مهداة إلى تلك الفتاة الفارسية (كوكوش) القادمة من حكايات ألف ليلة وليلة التي كانت ترقص على كلمات كتبها الإمام الخميني في نصوص (لقد أسرني الخالُ الذي على شفتكَ أيها الحبيب وعندما نظرتُ إلى عينيكَ ـ المريضتين ـ مرضتُ) بحيث أصبحت هذه الكتابة منظومة فكرية خالصة لتفتيت الدلالات التاريخية واستعمالها بطريقة تقربها من الواقع المعاش وتصبح حياة مستعملة يربط بها التاريخ والخيال والجمال في سلة واحدة عنوانها (الأسطورة اليومية: (أنا دمشق ُ والوقتُ الذي يمرُّ قطراتٌ تتساقطُ من قرميد المباني العثمانية في مدينة المعدنِ في الأرصفة العاجِ والمثلثات التي تصنعها البيوت في الشوارع الجديدة القديمة أنا دمشقُ الكتابات بالذهب في الجقمقيّةِ بالخطِّ الثُلُثِ على الجلد اليابس في حديقة بيبرس والساحة ذات البرج والتمثال الكئيبِ حامل السيفِ أنا..دمشقُ الهويّةُ والحجر الأبيض والأسود أنا الجمعُ واللحظةُ أنا الواحدُ والكلُّ أنا …دمشقُ رهبانُها والكنائسُ نوافذ البيوت المهجورةِ) و الأهم في كتاب (تنفس هواءها عني) هو استدراج الشخصيات التاريخية التي تعاقبت على تخليق دمشق مع سرد تفاصيل حياتهم الشخصية ومسيرتهم الحياتية الأخرى من قصص الحب والشوق والحنين إليها، وهو استدراج تقني لتشكيل أو إعادة ترميم معالم دمشق بأنظمة شعرية جديدة مغلفة بأسرارها وظلالها وأوراق الليمون المبعثرة على قبر عبد الرحمن بن معاوية وضريح صلاح الدين الأيوبي خلف أقبية تختنق بأنفاس طيور الحمام التي لا تهدأ من السؤال عن مولانا جلال الدين وبلبله الدائر ليل نهار في فراغ دمشق: (في غرفة الحجر المسوّد والمحفور بأزاميل العاشقين، في التكية السليمانية حيثُ تَمورُ الأرض تحت المارة والعابرين في الجانب القبلي من دمشق تحت النهر وفوق القدم الأشراف لا يأتي من أنتظر أشكو وحدتي لمن لا جواب لديهم وأترك المكان إلى مكان آخر فيه كأنني طير المنطق كأنني لا شيء وكأنْ لا مكان نحن فيه الآن). وقد يغيب التاريخ قليلا ليحضر الواقع الحياتي بتمهل وكل ذلك في سبيل استراحة لغوية يبين من خلالها الشاعر ولعه بالكلمات وشغفه الجنوني بالتركيب الصوري للكلمة الواحدة التي تتعدد فيما بعد لتشكل بؤرة من الدلالات والتأويلات، ونص (الشاعر) ما هو إلا شرخ أو كسر لجليد المعنى الواحد الذي يخفي ويظهر أسرار الكلمة تبعاتها وتلاحقها وما تخلقها من ايقونات جمالية يهندسها الشاعر على شكل أصوات تصدر من بياض النص وسياقاته: (لا رائياً ولا رجيماً ولا إلهاً ولا مهرّجاً ولا نبيّاً ولا حكيماً ولا كاهناً ولا مغنيّاً ولا عاشقاً ولا والياً ولا خادماً ولا كاتباً ولا ملاكاً ولا شيطاناً ولا صورةً ولا لغةً ولا عالماً ولا جاهلاً ولا آيةً ولا كتاباً ولا قولاً ولا زخرفاً ولا حتفاً ولا مهندساً ولا زائلاً ولا خالداً ولا هيئةً ولا بقاءً ولا هرماً ولا حفرةً ولا نهراً ولا ساقيةً ولا هدهداً، الشاعر هو السؤال). يميل الجبين في مطولاته (تماثيل دمشق) إلى ترداد الصورة الواحدة أو الاستئناس بها أكثر من مرة بحيث تتبدل الصورة وتتفكك وتتحلل في لحظات التوتر الشعرية إلى تشكيلات لغوية هادرة ولا تكاد تعثر عليها إلا وهي قد فقدت لمعتها الشعرية وأصبحت ظلالا سريعة أو مرايا تعكس سراب اللغة العادية، إن الصورة وهي في هذه الحالة تتشرذم وتتبعثر ولا تعثر على إطارها الخاص ولا تقوى على محاكاة المتلقي ومجاراته في تقبل النص ومحاكمته جمالياً ( ………………… ليكتب صاحب الزمان ما يشاء.) ‘ شاعر من سورية (تنفس هواءها عني) شعر إبراهيم الجبين عن دار المشرق 2010