الناصرة- “القدس العربي”:
حاول جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود أن يقوم بتغيير رؤيته القتالية وبنيته بما يتلائم مع تغيّر التحديات العسكرية من جهة، وتغيّر ما يسمى بـ”بيئة التهديدات” من جهة أخرى.
وخلال السنوات الأخيرة، يلائم جيش الاحتلال في إطار هذا التصور توجهاته القتالية من حيث التسليح، وأفضلية الوحدات القتالية على تنوعها، وذلك في عهد ما أسماه عالم الاجتماع الإسرائيلي، أوري بن إليعازر، بـ”الحروب الجديدة”.
بناء على ذلك يرى المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” أن الجيش الإسرائيلي يسعى كل الوقت لأن يعيد بناء تصوره ووحداته وبنيته بحسب مرحلة الحروب الجديدة التي تتميز بالحروب غير المتجانسة، أي بين جيش نظامي أو جيش دولة وبين منظمة عسكرية أقل من جيش نظامي، وصعوبة الوصول إلى نقطة الحسم العسكري، فضلاً عن دخول الجبهة المدنية كجبهة مركزية، إضافة إلى أهمية الإعلام والصورة كجزء من الحرب أو المعركة على الوعي. ولذلك قام كل قائد أركان جديد ببناء تصور لما يراه مناسباً للجيش الإسرائيلي بموجب تغير بيئة التهديد وطبيعة الحرب وهذا ما فعله مثلاً رئيس هيئة الأركان السابق، غادي أيزنكوت، عندما عرض خطته المسمى “جدعون”.
خريطة التهديدات
في المجمل يمكن تحديد خريطة التهديدات العسكرية لإسرائيل في المحاور التالية: أولاً، التهديد الإيراني: يتمثل هذا التهديد في سعيّ إيران لتطوير قدراتها النووية، وتحسين مدى ودقة صواريخها البالستية، وتعزيز تواجدها في سوريا والعراق ولبنان، وزيادة دعمها للحركات الفلسطينية وحزب الله.
ثانياً: التهديد من الجنوب، والذي يتمثل في وجود حركات فلسطينية مسلحة ومنظمة على مستوى عال من الناحية العسكرية.
ثالثاً، التهديد من الشمال، والذي يتمثل في الترسانة العسكرية والصاروخية لحزب الله. على ضوء ذلك، نشر قائد جيش الاحتلال أفيف كوخافي، خطة سميت بـ”تنوفا” (رافعة أو اندفاعة) تهدف إلى إعادة بناء وحدات الجيش وإنشاء وحدات جديدة فيه. وأشار إلى أن من أبرز أهدافها زيادة قدرة الكشف عن قوة العدو وزيادة قدرة التدمير لأذرع الجيش المتعددة.
وأعلن الجيش أن كوخافي ينوي، كجزء من الخطة، تعيين لواء يهتم فقط بالقضية الإيرانية، بدءاً من الاهتمام ببرنامج طهران النووي وحتى توسعها العسكري حيال إسرائيل. كما سيتم أيضاً إنشاء قيادة منطقة عسكرية خاصة جديدة للتعامل مع الساحة الإيرانية.
وأشار الجيش إلى أن كوخافي عرض الخطة أمام كل من وزير الأمن ورئيس الحكومة وأمام جميع قادة الجيش الإسرائيلي، وأكد أن من أهداف الخطة زيادة قدرة تدمير أهداف العدو في بداية أي حرب بسبعة أضعاف القدرة الحالية، بالإضافة إلى تعزيز الهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية في ساحة القتال، ودعم ميدان المعركة بآلاف الطائرات المسيّرة الانتحارية والصواريخ المتطورة.
كما أشير إلى أنه من المخطط إجراء تغييرات في بنية القوى العسكرية، إذ سيتم تعزيز الفرق النظامية، وسيقوم الجيش بتجديد أسراب طائرات الهليكوبتر الكبيرة، وسيمتلك أسلحة دقيقة لسلاح الجو تضاعف الأجهزة المتوفرة حالياً. كما وضع الجيش هدفاً يتمثل في إقامة بنية تحتية رقمية تسهّل التواصل بين الجميع، وتمكّن من نقل المعلومات بصورة فعالة وسريعة إلى الوحدات الجانبية. كذلك تنص الخطة على قيام إسرائيل بإطلاق قمر صناعي جديد إلى جانب استخدام أقمار صناعية صغيرة.
أهداف الخطة
تهدف الخطة في الأساس إلى جعل الجيش أكثر تكنولوجيةً وأشدّ فتكاً، وهو هدف وضعه كوخافي بعيد دخوله إلى منصبه الحالي، حيث صرح بعد استلامه المنصب بأنه سيعمل على جعل الجيش أكثر فتكاً، من خلال توسيع قوة النار التي يستعملها، وبصورة واسعة ومتعددة في البحر والجو واليابسة، وفي حرب السايبر والحرب الإلكترونية.
ويشكل الدفاع عن الحدود ركنا مركزيا في خطة كوخافي، غير أن خطته تعتمد على الاستثمار بالجيش بحيث يكون 70% للهجوم و30% للدفاع. ويشير محللون إسرائيليون إلى أن هذا التوجه قد لا ينسجم مع تصور نتنياهو حول رؤيته التي تركز في العقد القادم على السايبر، سلاح الجو والدفاع الجوي.
وفي عرضه لخطته الخمسية، قال كوخافي إن “تنفيذ الخطة متعددة السنوات “تنوفا” سوف يُمكن الجيش الإسرائيلي من اكتساب قدرات كبيرة، فهي تعزز القوة الفتاكة للجيش، سواء في الحجم أو الدقة، وتخلق ظروفاً لتقصير مدة المعركة، والتحديات حولنا لا تعطينا الامكانية للانتظار ولذلك وبرغم تعقد التعقيدات، فإن الخطة بدأت تُنفذ”.
ويعتقد قادة الجيش الإسرائيلي أن الفرصة مواتية لتنفيذ خطة “تنوفا” وذلك بسبب الفرصة التاريخية السانحة في الشرق الأوسط، التي تؤجل أي حرب مرتقبة، ويعود ذلك لعدم رغبة حزب الله وحماس في البدء بمواجهة عسكرية مع إسرائيل في أعقاب تحسن العلاقات بين إسرائيل ودول عربية “معتدلة”.
ويكمن تحد آخر للخطة وتنفيذها، كما ذكر “مدار” في الثمن المالي الباهظ لها، فميزانيتها أعلى من ميزانية الخطة السابقة، وذلك يعود للغلاء. ويشير محللون إسرائيليون إلى أن الجيش قادر على التغلب على العائق المالي، حيث إنه مع الزيادات الخاصة التي منحتها وزارة المالية للجيش وميزانيته، علاوة على الزيادة السنوية لميزانيته بمبلغ ملياري دولار، وفي حالة لم تندلع حرب في السنة القادمة، فإن الجيش يستطيع البدء بتنفيذ خطة “تنوفا”، بشرط أن تتشكل في إسرائيل حكومة ثابتة.
مميزات الحرب القادمة
الجيش الإسرائيلي مقتنع أن تنفيذ الخطة سوف يُمكن الجيش من تحقيق أهدافه أمام سيناريو المواجهة المركزي الذي يتميز أولاً بقدرة الجيش على إدارة معركة على جبهتين في نفس الوقت، وثانيا أن تكون إحدى هاتين الجبهتين مركزية والجبهة الثانية هامشية، وثالثاً إدارة مواجهة عسكرية أمام عدوين مركزيين في ذات الوقت، حماس في الجنوب، وحزب الله في الشمال.
على ضوء ما ذكر أعلاه، فإن بناء الجيش بحسب خطة “تنوفا” يهدف إلى تدمير كلي لمراكز القوة الأساسية التابعة لقوات حماس وحزب الله : أولاً: تدمير القدرات الصاروخية لحركة حماس وحزب الله، ثانياً: تدمير مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحركتين والتي تتولى مهمات التغلغل إلى إسرائيل، وثالثاً: توجيه ضربة قوية إلى كتائب الرضوان التابعة لحزب الله ووحدات الكوماندوز في حماس.
وسيتم تحقيق هذه الأهداف من خلال تعزيز عملية الدمج والتنسيق والعمل بين الأذرع المختلفة للجيش الإسرائيلي، سلاح البر، الهندسة، سلاح الجو وسلاح البحرية؛ بحيث تشمل عمليات الهجوم وسائل تكنولوجية متقدمة تساهم في كشف سريع وفعّال للعدو، وتدميره وتحييد حركته من خلال التسلح بأسلحة دقيقة، فضلاً عن استعمال أنظمة السايبر ووسائل تمويه سيتم استعمالها خلال الحرب ضد الحركتين. وكل ذلك سوف يزيد، حسب ما ترتئيه الخطة، قدرة الفتك القائمة الآن في الجيش الإسرائيلي من خمسة إلى سبعة أضعاف.
وبحسب المحلل العسكري لصحيفة ” هآرتس” عاموس هارئيل، سيتم أيضا إدخال منظومات جديدة من أسلحة الدفاع، مثل مقلاع داود، وغيرها من المنظومات الدفاعية المتطورة ضد الصواريخ والقذائف قصيرة المدى، بحيث تكون إسرائيل قد حصنت غلافها الدفاعي ضد الصواريخ المتوسطة والقصيرة، فضلا عن المدى البعيد والذي توفره منظومة حيتس الدفاعية.
الحرب المقبلة وتوازن الرعب
وترى جل التحليلات التي تناولت خطة “تنوفا” أن الرد الذي يقدمه الجيش على التهديد ولا سيما في الجبهة الشمالية هو تضافر الاستخبارات مع قوة هجومية من الجو ومناورة برية في لبنان، من أجل احتلال المنطقة التي تُطلَق منها الصواريخ. لكن المتخصص في الشؤون الأمنية أوري بار يوسف، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة حيفا، ذكر أنه ظاهرياً، يبدو هذا جيداً، لكن ثمة شك في نجاحه.
وأضاف في مقال نشره في “هآرتس” أنه إذا كانت الاستخبارات احتاجت إلى سنوات للعثور على أنفاق ضخمة في الشمال، فمن المعقول الافتراض أن قدرتها على العثور على مواقع أنفاق أصغر في عمق أرض لبنان خُزنت فيها الصواريخ، محدودة أكثر.
ويملك سلاح الجو الإسرائيلي قدرات مذهلة، لكن يوجد فارق بين تدمير 44 منصة إطلاق صواريخ في إطار عملية في بداية حرب لبنان الثانية (حرب تموز 2006)، وبين تدمير 15 ألف صاروخ أو أكثر، تستطيع إصابة منطقة تل أبيب.
وخطة “تنوفا” قد تقصّر مدة الحرب المقبلة، لكن قوات البر ستحتاج إلى وقت ليس قليلاً لاحتلال المناطق التي تطلَق منها الصواريخ. وإلى أن تنجز المهمة، فإن خنادق الصواريخ ستكون قد أصبحت خالية. كذلك الأمر فيما يتعلق بمنظومة الليزر، فالرد جيد، لكن بشرط أن تكون الأجواء صافية عندما تنشب الحرب، وليس هناك تسرب لمواد خطرة، ومع توفر عدد من الشروط، على ما يبدو قد لا تتوفر في الحرب المقبلة.
كما أن المنظومات الدفاعية الموجودة (“القبة الحديدية” و”مقلاع داود” وغيرهما) جيدة لاعتراض صواريخ مفردة، وليس عشرات أو مئات القذائف والصواريخ، كما هو متوقع في الحرب المقبلة.
ويعتقد بار يوسف أنه في ظل عدم وجود رد تكنولوجي- عسكري فعال ضد تهديد الصواريخ، فإنه “لا مفر من الاستنتاج أنه يوجد بيننا وبين أعدائنا حالة توازن رعب. ويتابع: “حالياً أيضاً تستطيع إيران وحلفاؤها إلحاق ضرر بإسرائيل يمكن أن يكون غير محتمل، وهذه القدرة يمكن أن تزداد. ومن جهتها، تملك إسرائيل ما يكفي من القوة القادرة على الرد، وعلى إعادة إيران وحلفائها أيضاً إلى العصر الحجري”.
وخلص بار يوسف إلى أن هذا الوضع يفرض على واضعي سياسة الأمن القومي في إسرائيل طريقة تفكير لم نعرفها في الماضي: ليس التفكير في كيف ننتصر في الحرب المقبلة- لأن هذا الانتصار سيكون باهظ الثمن- بل كيف نمنع الحرب المقبلة.
وهنا الردود معقدة ومؤلفة من استخدام “عصا” رادعة غليظة إلى جانب تقديم “جزرات” سياسية، هدفها التخفيف من حدة النزاع. وماذا ستتضمن “العصا” وكيف ستوضح التهديد، وماذا ستكون “الجزرات” وأي منها ستكون فعالة؟ هذه أسئلة مهمة. لكن لا شك في أن الوقت حان لمناقشتها بهدوء، لأن الحلول التكنو- عسكرية التي يقترحها الجيش الإسرائيلي وخبراء خارجيون هي أيضاً غالية جداً، وفي الأساس لا تقدم رداً حقيقياً على التهديد.