ليلى زكيري
تقدم التشكيلية الإيرانية ليلى زكيري مادة حروفية ذات جماليات متنوعة، وذلك قياسا بما تطرحه زخارفها وتشكيلاتها الفنية من تركيب فني مختلف، ومواضيع تصب في القيم الجمالية وقيم الحياة المنفتحة، فهي تتجه إلى مناحٍ دقيقة في صياغتها الحروفية، سواء ما تعلق منها بعمليات التركيب المتنوعة، أو بالتشكيل. فالأشكال الزخرفية والمادة الحروفية حاضرة في مفرداتها الفنية، وهي تمتح مقوماتها من أسلوب يتأسس على الحيادية والتقنية الكبيرة في معالجة مختلف التركيبات الحروفية، إذ تنتج أعمالها الفنية وفق زخم حروفي متماسك ومتداخل إلى حد التشابك الفني. وهي تبني هذا الزخم الحروفي بنوع من الوعي بأهمية التركيب وبمستويات اللون المطلوبة التي تتناسب وتصوراتها المعرفية ورؤاها الفنية وحسها الإبداعي وذوقها الرفيع.
وهي بذلك تنطلق من البؤر الحروفية لتنوع الأساس الفني بأسلوبها التشكيلي الذي يخدم رؤيتها الممزوجة بلب المعالم الثقافية العربية الإسلامية فتغوص في حضرة الفن الحروفي بكل مقوماته الحضارية والجمالية، حيث لا تكتفي باستدعاء المادة والاشتغال عليها؛ وإنما تتجاوز ذلك إلى كل ما هو حروفي فارسي له خصوصيات ذاتية ورمزية وتعبيرية وإيحائية ودلالية.

وفي سياق آخر، فإن زكيري تُكسب الألوان أهمية فنية تجعلها توازي خاصيات التركيب الحروفي، باستخدام التقنيات العالية لتصريف مختلف المفردات الفنية التي تجمع بين اللون والتشكيل والحرف، مع إيلائها لكل ذلك أهمية كبرى، سواء من حيث التكوين الجمالي الذي يرصد السمات العديدة التي تتوفر عليها أعمالها، أو من حيث صنع الإيحائية لديها، والتي تنبني على التوازن وعلى عدة مقومات قاعدية تخص الفن الحروفي المعاصر. وتوظف لعمل ذلك النظرة الفنية التي تظهر سحرية أدائها، فتكشف ما تضمره أعمالها من محمولات جمالية تزخر بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة، وفقا لما تعبر عنه في مساحات مختلفة، بقدر ما تتوافر فيها من دلالات فنية. وهذا يعد إبداعا مميزا في تجربة المبدعة التي تقوي في أدائها الفني الحروفي العلاقة بين الإشارة الحروفية والمضامين، لتشحن منجزها الحروفي بطابع رمزي ودلالي، ينم عن أفكارها، وعن ثقافتها الفنية المنفتحة على مستوى التكوين والتركيب والبعد الجمالي. وهو ما يضع القارئ أمام أعمال تنطق بمعانٍ ودلالات متعددة، غنية بالإشارات في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية، من خطاب حروفي منفتح، وما تكتسيه لوحاتها الفنية من وظائف بنائية ودلالية تحيل إلى مجال فني فارسي لوضع تمظهرات الحروفية بعمق في تصوراتها الجمالية، التي تعج بالإيجابية في التعبير عن العالم البديل المليء بالحب والحياة. ما يظهر الاتجاه الجاذب في حروفياتها التي تحمل فلسفة تأملية ذات معنى فني وجمالي.
كاتب وتشكيلي مغربي