تهافت المزاعم البنديكتية
تهافت المزاعم البنديكتية لو أتانا بابا روما البنديكتوس السادس عشر من جزر فيجي بما أثار اللغط حوله من قضايا متهافتة لقلنا: رجلٌ يعيش في مناطق نائية من العالم ويصدق ما دار في خلد المستشرقين من ترهات عن الحضارة الاسلامية، ونقلها كما وصلته. أما أن يكون آتياً من اوروبا النصرانية، تلك التي استعمرت الأرض وسامت أهلها سوء العذاب، بل وتحديداً من المانيا، تلك التي تسببت بحربين عالميتين طاحنتين أهلكتا الحرث والنسل وأودتا بحياة عشرات الملايين من البشر ودمرتا البلاد وأنهكتا العباد، حينها ندرك طبيعة الحقد الدفين والكراهية المتأصلة النابعة من مفاهيم سقيمة في نفوس القوم، تلك المفاهيم التي مررها البنديكتوس علي لسان امبراطور بيزنطة، زاعماً قتل المسلمين غيرهم لاكراههم علي اعتناق الاسلام، وأن ما أتي به نبي الاسلام لا يتعدي كونه كتلة شر متجردة من القيم الانسانية. ومن ثمّ فان البنديكتوس يحمل مفارقة أخري لا تقل غرابة عن سابقتها فيما صوره عن العلاقة المضطربة والمتضاربة بين العقل والاسلام، حيث أن تلك الصفة محلها أصلاً وفصلاً كاثوليكيته التي لا تقنع عقلاً ولا تقبل به حكماً عليها، فيما يُجمع أهل الاسلام علي وجوب أخذ أصول العقيدة بالعقل وعدم جواز التقليد فيها، حيث أن اثبات صدق الرسالة والرسول من الله واجب الوجود هي أمور عقلية صرفة، يلزم أخذها بالدليل من غير اكتراث بالعادات والتقاليد.لا غرو أن للبانديكت السادس عشر أن يتحدث عن الاسلام وأن يختلف معه وأن يظهر معارضته له، بل وأن يعمل علي دحض حجته ان استطاع، فان كل هذا مفهوم ولا غرابة فيه، بل وينسجم مع الموقع الذي يتبوأه البنديكتوس كرأس الكنيسة الكاثوليكية، ولو فعل ذلك، لصدقنا دعوته الي الحوار الجاد والعقلاني، ولتلقي عندها من الأجوبة ما يكفيه مؤونة اللف والدوران. أما أن يعمل البنديكتوس سيف البذاءة والطعن في الاسلام ونبيه بذلك الشكل المشين مدعياً أنها آراء امبراطور بيزنطا!! فان هذا يحط من قدر صاحبه ولا يليق بأهل العلم وأحبار الدين، وبخاصة من هم في مثل مكانة البنديكتوس العلمية والدينية. ولو افترضنا جدلاً أنه علي النحو الذي ادعاه (أي أنها ليست آراؤه) فما هي آراء البنديكتوس يا تري؟ وما منعه من الادلاء بها عوضاً عن سرد قناعات امبراطور بيزنطا (الذي أبرز في محاضرة البنديكتوس كعالم متبحر)؟ بل لماذا يتخفي أصلاً من آلت اليه رياسة الكنيسة الكاثوليكية في القرن الواحد والعشرين وكان باحثاً أكاديمياً وراء آراء امبراطور القسطنطينية المحاصر من قبل المسلمين في القرون الوسطي!؟ أم هو امتدادٌ للوصايا والقناعات كما هو امتدادٌ للحملات الصليبية!؟ لو كان الأمر مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان لأدي ذلك الي انضاج رؤية حقيقية عن واقع الاسلام والنصرانية والعقائد الأخري، ولبات الصراع فكرياً محضاً، ولما أثار غيظاً ولما تسبب بموجات غاضبة عارمة لدي المسلمين. أما أن تأتي تصريحات البنديكتوس الأكاديمي في سياق محاضرة يلقيها في جامعة متخصصة، مدلياً بدلوه المشبوه، مستلهماً مزاعم الامبراطور البيزنطي، في أسبوع المناسبة السنوية الخامسة لأحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، تلك التي أعقبها بوش باعلانه حرباً صليبية جديدة لم تنته بعد، ورافقتها حملة مضطردة شنت علي الاسلام وقيمه ونبيه، فأن تأتي تصريحات البنديكتوس في هذا السياق، فان لها مما لا شك فيه مغزي لا يمكن اغفاله أو اعتباره محض صدفة أو مجرد خطأ عابر. وهو ما اعتبره البعض امداداً لبوش بالزيت المقدس ليتم مهماته التي يزعم أن الربّ قد كلفه بها، بعد أن تلاشت حججه في حروبه المسعورة ضد الاسلام والمسلمين، تارة تحت مسمي الحرب علي الارهاب، وأخري لنشر الديمقراطية، وثالثة في حرب وقائية لنزع أسلحة غير موجودة أصلاً، وهكذا! حسن الحسننائب ممثل حزب التحرير المملكة المتحدة6