إسماعيل ألقاسمي الحسني لم يكتف اللانظام الجزائري مع الأسف الشديد بتبديد الأموال، والتي تجاوزت حسب تقارير رسمية تريليون مليار دولار خلال العشرية الماضية، وهو مبلغ يبني دولة معاصرة من العدم، وإنما لم يعدم وسيلة لخدمة أعدائها، إلا وظفها بكل دهاء وإصرار، ولعل أخطرها على الإطلاق، العمل والحرص على تهجير أدمغتها المتخصصة في البحث العلمي؛ ومن المعلوم أن الاقتصاد يمثل لجسد الأمة ما يمثله الدم من الجسم، هو من يمد كل خلاياها بالغذاء والطاقة، لينهض بمهامه ويجدد خلاياه وما إلى ذلك، كما هو معلوم كذلك أن العلماء يقومون من الأمة مقام المادة الرمادية، التي من دونها لا يمكن التحكم في وظائف الجسد فضلا عن العجز على التمييز بين الخطأ والصواب، فإذا اجتمع على الجسد نزيف دموي كما هو حال المال الجزائري، وتلف المادية الرمادية، فيكف ليت شعري يعيش هذا الجسد؟.
أقول هذا الكلام مقدمة، بعد أن استمعت مليا، للأستاذ المحترم محمد، وهو شاب جزائري لم يتجاوز 24 سنه، على أبواب مناقشة أطروحته هذا الشهر، مهندس باحث في علوم الإحياء، متخصص في مراقبة النوعية؛ لا أستعرض هنا معاناته التي تبلغ درجة المأساة حقا، فقد تعذر علي تصديق وثيقة أجرته الشهرية التي لا يتجاوز مبلغها 20 دولارا، ولا ظروف المخبر الذي يزاول به أبحاثه المعمقة وذات الصبغة العالمية، وهي ظروف اقل ما توصف به أنها عبثية، منها توقف الأبحاث ثلاثة أشهر بسبب عطب أنبوب مياه يستدعي إصلاحه ساعة من الزمن؛ ولا شعوره الشخصي بالمهانة وهو يرزح تحت وطأة بيروقراطية يتفنن أميون في صناعتها حد الإبداع، كل تلكم التفاصيل المقززة لا تستدعي كتابة مقال بشأنها مع أنها تتعلق بوضعية واحد من علماء الجزائر الواعدين. وتؤشر لأهم أسباب نزيف المادة الرمادية لهذا الشعب.
الصدمة كانت في الاكتشاف الذي عرضه الشاب؛ الذي أنقل كلامه حرفيا:
ب… دور الأنزيم (الذي اكتشفه) هو تفكيك الدهون دون غيرها من مواد عضوية، فعاليته هي إزالة البقع الصعب غسيلها حيث أن الصابون (الغسول) وحده، فعاليته محدودة مقارنة بالأنزيم.
أنزيم الليباز أو الأنزيم مفكك الدهون موجود ومعروف غير أنه لا يحتمل الحرارة ولا التراكيز القوية، الأنزيم الذي اكتشفناه هو الثالث في العالم: إنزيم بنفس الفعالية المعروفة غير أنه يحتمل درجات الحرارة العالية والتراكيز القوية، والأوساط الحمضية نسبيا كذلك.- مراكز البحث:*جامعة فلوريدا، أول من نشر البحث بخصوص الأنزيم*جامعة هاتاي تركيا: نشرت بحثها شهرا قبل أن أتحصل على نتائجي النهائية*مخبر المكونات الطبيعية جامعة الجلفة (محافظة جنوب الجزائر): أين قمت بأبحاثي – طبعا بالشراكة مع جامعة فلوريدا والمركز الفرنسي للبحث العلمي– حجم السوق العالمية للصناعات التحويلية التي تحتاج الإنزيم، للتغلب على مصاعب كانت إلى وقت قريب دون حل، ضخم ضخامة السوق نفسها: صناعة الأدوية، الغذاء، مواد التجميل، المواد الكيميائية، الكيمياء الدقيقة….. إنما المثال الذي تحدثت عنه هو عن الشركة الأمريكية التي قدمت عرضا مغريا لشراء براءة الاختراع -براءة لم تر النور إلى يومنا هذا-….’ انتهى كلام المهندس الباحث محمد.
يومين بعد هذا اللقاء تفجر الصحافة الوطنية، في 26/05 قضية وضع يد مصالح الأمن على سلع مهربة إلى الجزائر من الكيان الإسرائيلي، تفوق 8 ملايين دولار، عبارة عن مواد تجميل وغسول شعر، وما زاد المصيبة خطرا، عند تحليلها تبين أنها منتهية الصلاحية، ومركبة أصلا من مواد تسبب السرطان حتما، موجهة عن قصد للجزائر. جدير هنا لفت الانتباه إلى أن اتحاد الصناعيين الإسرائيليين يقر في بيانه 14/08/09 أن مجموع صادرات الكيان للدول العربية 5.37 مليون دولار؛ لنقف اليوم على عملية صغيرة واحدة في الجزائر تزيد عن 8 مليون، فقد أعلن مدير الشرطة القضائية (الشروق 29/05) بأن هناك 500 حالة من بينها 40 تصنف ‘حمراء’؛ أقول صغيرة لان مجموع ما تم استيراده عام 2011 يزيد عن 200 مليون دولار(31/05/12 الخبر)، 70 بالمائة من كيان العدو الإسرائيلي، بذات الخصائص والأهداف؛ إنها حرب ضد الشعب الجزائري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والمتحكمون في البلد يعلكون: ‘اليوم خمر وغدا خمر وإلى أن نموت خمر’. والحال أن الكفاءات الجزائرية وما يزخر به الوطن من ثروات طبيعية، تؤهله لأن يكون رائدا في إنتاج مواد التجميل على المستوى العالمي. هذا الشاب المهندس ليس استثناء، فالتقارير الرسمية تفيد بأن عدد الأدمغة التي هاجرت يزيد عن 200 ألف خلال العقدين الماضيين، مقسومة عليهما بالتساوي تقريبا، وإن كانت العشرية الأولى مفهومة دواعيها، فالثانية تعود لسياسة منهجية، ذلك ما تؤكده الأرقام التي صرح بها المدير العام للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي (31/3/12/المساء) ملخصها 700 باحث لكل مليون ساكن، والحال في المغرب وتونس الشقيقتين 2200 لكل مليون، وهو ما يتجاوز المعدل العالمي 1600 لكل مليون، لا أقيس باليابان 5400 ولا فرنسا 3500. لتحتل الجزائر بفضل هذه السياسة التدميرية المرتبة 150 من بين دول العالم، أي الأكثر تخلفا وتأخرا.
و في الختام، إن رفع الحكومة لميزانية البحث العلمي لمليار دولار، 60 بالمائة منها للإدارة، لا يعني في الواقع سوى 0.4 بالمائة من الناتج المحلي، أي ما يعادل ثلث ما يرصده المغرب أو تونس؛ والمضحك المبكي في كل هذه الأرقام، المعادلة الخلاصة: اللانظام الجزائري يخصص 400 مليون دولار للبحث العلمي لكنه يستورد في المقابل ما قيمته 6 مليار دولار من الكيان الإسرائيلي، منتجات مسببة لمرض السرطان، من بينها 500 مليون دولار مواد تجميل… ثم يتساءلون باستغباء مقزز: ما علاقة تهجير علماء الجزائر بخدمة إسرائيل؟
؟ ؟….’ فلاح جزائري[email protected]