بدأت الصواريخ الفلسطينية بدائية الصنع تشكل قلقا كبيرا للحكومة الاسرائيلية ورئيسها ايهود اولمرت، خاصة بعد ان باتت تصيب اهدافها وتوقع خسائر في صفوف الاسرائيليين في البلدات والمستوطنات المستهدفة شمال قطاع غزة مثلما حدث امس، عندما سقط احدها علي سيارة فادي انفجاره الي مقتل اسرائيلية واصابة آخرين.
مصدر القلق يأتي من الآثار النفسية التي هي اخطر بكثير من الاخطار المادية التي تحدثها مثل هذه الصواريخ، لان الامن الداخلي يحتل المرتبة الاولي بالنسبة الي اي حكومة اسرائيلية. ولهذا تتعاظم الضغوط علي حكومة اولمرت لمنع هذه الصواريخ بأي شكل من الاشكال.
خمسة آلاف اسرائيلي اضطروا للهروب من سديروت وعسقلان طلبا للسلامة وخوفا علي ارواحهم من هذه الصواريخ التي باتت تهطل مثل المطر في الاونة الاخيرة، بعد اعلان كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس انهاء التزامها بالهدنة، وانضمامها الي الجماعات الفلسطينية الاخري التي لم تتوقف عن اطلاق هذه الصواريخ، مثل سرايا القدس التابعة للجهاد الاسلامي، و ألوية الناصر صلاح الدين التابعة للجان المقاومة الشعبية، وكتائب الشهيد ابو الريش وغيرها.
خيارات الحكومة الاسرائيلية تمتد من تكثيف سياسة الاغتيالات لرموز المقاومة وقادتها العسكريين، الي ارسال الدبابات الاسرائيلية لاجتياح قطاع غزة مجددا ومحاولة القضاء علي الجماعات المسلحة.
سياسة الاغتيالات لم تحقق النجاح الذي تتمناه الحكومة الاسرائيلية، اي وقف اطلاق الصواريخ، وبدأت تعطي نتائج عكسية تماما، خاصة ان آخرها الذي استهدف خليل الحية احد قادة حماس في قطاع غزة قتل ثمانية اشخاص، ليس من بينها الشخص المستهدف، فالجناح العسكري في الحركة الاسلامية الذي عارض التهدئة بات يملك اليد العليا، واصبح اكثر تصميما علي العودة الي اشكال المقاومة كافة ومن بينها ارسال الاستشهاديين باحزمتهم الناسفة الي العمق الاسرائيلي، مثلما كان عليه الحال قبل الهدنة.
بالامس ارتكبت الحكومة الاسرائيلية خطأ آخر قد يكون قاتلا، يكشف عن ارتباكها في معالجة الازمة، عندما هدد آفي ديختر وزير الامن الداخلي الاسرائيلي باغتيال السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في اي مكان يتواجد فيه حتي داخل دمشق نفسها.
السيد مشعل لا يخشي التهديدات بالاغتيال، مثله مثل كل عناصر حركة حماس وقادتها السياسيين والميدانيين، فهؤلاء يتطلعون الي الشهادة وينتظرونها، لانها اقصر الطرق الي دار البقاء، ولكن الاقدام علي عملية الاغتيال هذه قد تكون له نتائج خطيرة علي اسرائيل نفسها، اي تصعيد المقاومة، والعودة بقوة الي ضرب العمق الاسرائيلي، ونقل عملية الاغتيالات الي القادة الاسرائيليين انفسهم، سواء في تل ابيب والقدس المحتلة او خارج فلسطين. صحيح ان اغتيال الشيخ احمد ياسين مؤسس حركة حماس وبعض قادتها الآخرين مثل عبد العزيز الرنتيسي واسماعيل ابو شنب لم يؤد الي نقل حرب الاغتيالات الي الخارج، ولكنه قاد الي سلسلة من العمليات الاستشهادية في قلب تل ابيب والقدس المحتلة زعزعت استقرار الدولة العبرية، وبثت الرعب في صفوف مستوطنيها.
القيادة الاسرائيلية تعيش حالة من الارتباك تنعكس في قراراتها، واي قرار تتخذه سيكون مكلفا للغاية، خاصة اذا كان قرارا باجتياح قطاع غزة كعمل انتقامي لضحايا الصواريخ التي تنطلق منه. حكومة اولمرت اضاعت سلسلة من الفرص الذهبية لتثبيت التهدئة، واستئناف السلام عندما دفعت حركة حماس الي التشدد عندما حرضت الولايات المتحدة واوروبا علي مقاطعة حكومتها، ومنع الاموال عنها، واستخفت بمبادرة السلام العربية واتفاق مكة، وقاطعت حكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عنه، ولذلك لن تحصد الا المزيد من الصواريخ والهزائم وزعزعة الاستقرار الداخلي الاسرائيلي.