د. علي محمد فخرو
ما إن يحاول الإنسان العربي ممارسة حريته وعفويته في الكتابة حتى يشده عقله الباطن، بآلامه وأحزانه ومخاوفه، إلى قفص الكوابيس العربية.
حاولت أن أكتب عن أزمة الدين الامريكي من خلال ما يسمح به الفكر الاقتصادي العولمي الرأسمالي من إغواء وتشجيع للحكومات وللسياسيين الانتهازيين للإستدانة المجنونة حتى يصلوا إلى العجز الكامل عن دفع مستحقات وفوائد الديون كما حصل لليونان وإيرلندا أو يصلوا إلى العجز عن دفع الرواتب ومستحقات الخدمات الاجتماعية للفقراء والمهمشين دون أن يستمروا إلى ما لا نهاية في تراكم المزيد من الديون والفوائد كما يحصل للولايات المتحدة الامريكية.
لكن ما إن نظرت إلى جدول أسماء الدول التي تشتري سندات الخزانة الامريكية، وبالتالي تسهل الإستدانة الامريكية، حتى صدمت بمئات المليارات من الدولارات التي خرجت من خزائن دول البترول العربية لتصب في الخزانة الامريكية التي بدورها تصرفها على جيوش الإحتلال في العراق وبلدان الخليج وعلى هيئات التجسس والمؤامرات التي تسند الإستبداد وتحارب الثورات وعلى ترسيخ الوجود الصهيوني الاستيطاني في فلسطين المحتلة.
وهكذا تنتهي الفوائض العربية لتكون عوناً لإحتلال الأرض العربية أو أداة لقتل المدنيين المسلمين كما يحصل في أفغانستان أو باكستان. والنتيجة أن الغضب والإشمئزاز مما يفعله العرب بأنفسهم كان أقوى وأشد من محاولة التحليل الاقتصادي، فكان أن سكت القلم.
حاولت أن ألخص كتاباً عن تأثير الاستعمال المكثف لتواصل الأنترنت على قدرة الإنسان على التركيز والتعمق الفكري. وكان الكتاب يحتوي على دراسات جاءت بشأن هذا الموضوع تستحق أن يعرفها شباب العرب. لكن ما إن بدأت المحاولة حتى تذكرت بأن ثورات الشباب العربي المباركة ما كان لها أن تنجح لولا الاستعمال المكثف من قبل الثوار الشباب لوسائل الإتصال تلك فتوقفت عن المحاولة خوفاً من أنني سأساهم في خلق بلبلة في صفوف القراء الشباب، بينما الحاجة الآن ملحة لاستعمال واسع ومتصاعد لوسيلة أثبتت نجاحها في الإلتفاف حول بطش واستبداد الأنظمة الأمنية العربية. فكان أن توقف القلم عن الكتابة.
حاولت أن أكتب عن الإعتداء الإرهابي الإجرامي الذي قام به شاب نازي متعصب ضد مواطنين مدنيين في النرويج. وكان الهدف هو إظهار التعصب العرقي والكره اللاأخلاقي الذي يعشش في المجتمعات العربية حتى بعد أكثر من قرنين من ثقافة الأنوار التي شعت من أوروبا وأن الديمقراطية الغربية ليست كافية لحل إشكالات الكراهية للغير. لكنني ما إن بدأت بالكتابة حتى تذكرت الإرهابيين في بلادي وقتلهم الذي لا يتوقف للأبرياء وأننا آخر من يستطيع شجب ما حدث في النرويج. ومرة أخرى أقلعت عن المحاولة، إذ أن واقع الأرض العربية أقوى من محاولة فهم واقع المجتمعات الغربية.
حاولت أن استشرف مستقبل التيار المضاد للاستعمار الامريكي في أمريكا الجنوبية بعد رحيل الرئيس الفنزولي شافيز الذي يعاني من مرض السرطان حالياً. ولم أستطع الاستمرار في الكتابة بعد أن فجر الموضوع في ذاكرتي ذكرى رحيل الزعيم العربي جمال عبدالناصر والذي أدى موته المبكر إلى توقف حركة التحرر العربية، بل وحركة التحرر في العالم الثالث برمته. وغمرتني غصة ولوعة وأنا أتذكر الأقزام الذين جاؤوا من بعده فسمحوا لرجوع الاستعمار وهيمنة الصهيونية وانكفاء مشاعر الوحدة والتحرر. وعندها جف القلم وتوقف عن الكتابة.
هل يستطيع العربي الذي يريد أن يكتب أن يخرج من قفص الكوابيس العربية فيكتب بحرية وعفوية؟ الجواب مع الأسف هو كلا. فممارسة حرية القول وعفويته لا تعيش في قفص يملؤه الظلم والاستبداد والفساد والتخلف. الأمل في شباب الثورة العربية الحالية لا ليفتحوا باب القفص فقط وإنما تهشيمه على ما فيه من عفن. عند ذاك ستتحرر حرية وعفوية القول ومعهما سيتسع مكان الأمة وسيمتد زمنها عبر آفاق الكون.