في الوقت الذي تسلط الدراسات الإعلامية الأحدث، اهتمامها على واقع ومستقبل الإعلام التقليدي بشكل جدي، في ظل ما يعصف به من تحولات عميقة بفعل التكنولوجيات واسعة الانتشار وقليلة التكاليف، وملامح نظام دولي يعيش طلقا لسنا نعلم بعد زيفه من حقيقته، يبني جدرانا جديدة للجغرافيا ويزيل حواجز التاريخ، تتجاور فيه دولة توراتية، خلافة سنية، غير بعيد عن حكم إمامي، ضمن فضاء أعم تجاوز العقائد، أو يسعى لذلك.
«نشوة لحظية» تعيشها تلفزيونات المنطقة العربية عامة في شهر رمضان لهذه السنة، مستفيدة من ارتفاع وتنوع في الإنتاج الدرامي تحديدا، يدعمه تغلغل الـ»سوشيال ميديا» في حياة المنطقة، وما أصبحت تلعبه من أدوار كخلفية، أو حاضنة للإنتاجات التلفزيونية عامة، بالإضافة لدين «الجدل» الذي أسست له.
لا نصلح سوى لأدوار الكفار
قد نتفق وقد نختلف حول الجودة الفنية لمسلسل «معاوية» آخر إصدارات مؤسسة «أم بي سي» السعودية، وأحد أضخمها على الإطلاق كعمل درامي تخييلي، إلا أن ما خلفه من جدالات على وسائط التواصل شكل مستوى آخر لقراءته. العمل الذي حمل اسم شخصية إشكالية في التاريخ الإسلامي، خلف جدالات بأضعاف ألوان الطيف من المحيط وحتى الخليج. إن كانت المسألة الطائفية – التي حركت إنتاجه مدفوعة بمنافسة جيو -سياسية غريبة – أكثر ما شغل رواد المواقع في المشرق عموما، إلا أن النقاش في المغرب الكبير شغل مطارح أخرى. تونس التي تعرف إنتاجا دراميا وفيرا ككل سنة، بل متنوعا، مستغلة الوسائط الجديدة كمسلسل «أريار لقدام» لبسام الحمراوي»، الذي سيعرض حصريا على موقع «يوتيوب»، انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي فيها لأيام بتصريحات الممثل التونسي جمال المداني، الذي شارك برفقة مجموعة من مواطنيه في مسلسل «معاوية» كهادي الماجري، وسهير بن عمارة، إذ عبر عن سخطه من تعامل «المشارقة» معه وغيره من الممثلين التونسيين، بالإضافة إلى سيطرة مهنيي المجال في المشرق العربي على عوالم الإنتاج الدرامي. الممثل الذي طلب منه التعليق على تفاعل مواقع التواصل مع انحسار أدوار التونسيين المشاركين في العمل على «كفار»، علل ساخرا أن الأمر يعود لصعوبة أدوار الكفار مقابل بساطة أدوار الصحابة والتابعين التي تسيطر عليها أسماء «سوبر ستارز» في المشرق عامة. تنوعت ردود الفعل بين رواد الفضاءات الرقمية التونسية بين من وجد في تصريحات الرجل شجاعة قل نظيرها، البعض تهكم على قبوله أداء دور أبا جهل تحديدا، في حين سخر كثر من تخصص مواطنيهم بأداء أدوار أهم «كفار قريش»: أهي صدفة أم هو أمر مقصود؟ كرروا.
«سيزيف» جزائري
لسيزيف الجزائري صخور كثيرة وقمم أكثر حكم عليه يقضي أوزاره متجثما عناء وزنها وقوة الجاذبية، أما رمضان الذي لا يقدس «وقتا»، كما يقدسه الجزائري، فيحمل صخرة آماله مع بداية كل يوم فيه متأملا في عمل درامي وطني يرضيه. هذا الموسم ينزل سيزيف خائبا خيبات مضاعفات، فالدراما لم تعد تقتصر على التلفزيون، بل تواصل أشواطها الفضية والذهبية على مواقع التواصل الاجتماعي. لم يسبق أن وصل الإنتاج الدرامي في البلاد الكم الذي عرفه خلال السنوات الأخيرة، ربما لعب تضاعف عدد القنوات التلفزية، واكتسابها مكانة سوقية مقترنة بسنوات حياتها – القصيرة نسبيا عدا الرسمية منها – دورا في هذه الوفرة الطارئة، في مقابل غياب منصات رقمية متخصصة وطنية ومغاربية، وقلة التفاعل الجماهيري مع التجارب السابقة التي استغلت منصات عربية لعرض إنتاجاتها.
عكس مسلسلات تاريخية سابقة لم يثر مسلسل «معاوية» اهتماما جزائريا مميزا، اللهم النقاشات انخرط فيها منظرو أيديولوجيات قومية من تيار أو آخر محاولين إعادة محاكمة التاريخ – محاكمة سطحية – بما يخدم هذه السردية أو تلك، بل أثار العمل سخرية واسعة تعقيبا على الحوارات التي بدت ساذجة، أو اللغة التي بدت باهتة، بل حتى الديكورات والأحداث التي نالت نصيبا واسعا من السخرية بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي وقد عزوها لجهل القائمين على العمل. وليمة الإنتاجات الدرامية في الجزائر جاءت متنوعة بين الكوميديا، والدراما الاجتماعية ككل موسم، لكن ورغم تبلور ملامح سوق إنتاج وطني، إلا أن الأعمال في أغلبها جاءت ضعيفة، تفتقر إلى نصوص مقنعة، أمر شغل رواد مواقع التواصل الاجتماعي في البلاد الذين برر أغلبهم الأمر ساخرين: «يبدو أن المخرجين يشرحون الفكرة للممثلين ويتركونهم يعيثون كما شاءوا». التكرار أمر آخر أثار الحفائظ. كان كافيا لمسلسل «الخاوة» الذي عرض منذ أكثر من خمس سنوات أن يتميز في قص حكاية عائلة ثرية تمتهن تجارة المخدرات في الخفاء، حتى يتحول الموضوع إلى ثيمة غير قابلة للإزاحة عن صدور الجزائريين، فلا يكاد يمر موسم دون أن يقدم مخرج وخلفه منتج «مقاربته» للظاهرة وانتصاره «الشعاراتي» للهامش الذي غدا منفرا، أمكن مطالعة تفاعل الجزائريين المتفاوت مع هذا النوع من الأعمال «مللنا لوك الأعمال»، «نصوص تستنسخ»، «ألا يمكنكم إنتاج غيرها؟» من أكثر التعليقات التي تتكرر على وسائل التواصل. الضحك جزء من «الوجبة الإنسانية» التي لا يمكن أن تغيب عن طاولة الجزائري في رمضان تميزت في هذا الموسم بقدرة غير مسبوقة على إثارة الجدل. شخصيات غير منتهية البناء، حوارات بسيطة، كاريكاتير ساذج، كانت توليفة كافية لتثير انزعاج أطياف كبيرة من الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي، عبروا عنها في تعليقات مناوئة عوض تداول نكاتها.
مروان قروابي، ممثل كوميدي جزائري شغل رواد الفضاءات الرقمية خلال الساعات الأخيرة، لا لتميزه في أداء دور معين هو الذي يعد قائمة لا بأس بها من الأدوار التي عرفت قبولا واسعا خلال السنوات الماضية، بل لأنه أدى دورا تنكر فيه في ثوب امرأة – ومكياجها وشعرها – أمر لم يبد كافيا لتبرير الحملة الشعواء التي راح ضحية لها، لم تتوقف حتى بعد خروجه للعلن لمرات، آخرها باكيا، طالبا الغفران ممن تسبب في إيذائهم -أياما قليلة بعد 8 الشهر الجاري، الذي يعرف وطنيا بتسمية عيد المرأة وأي عيد!
هل المطلوب منا أن نضحك على ما تقولونه؟ نصوصكم لم تتجاوز حقبة السبعينيات، «لماذا تتحدث شخصياتكم الرئيسية هكذا»؟
كانت شيئا من التعليقات التي تداولها رواد مواقع التواصل تعليقا على أعمال اتخذت من السخرية من الشكل، اللهجة، والريف (الذي لم يتبق منه شيء في الجزائر، عدا في أذهان بعض كتاب النصوص) سبلا في إضحاك الجزائريين.
كاتبة من الجزائر