محمد عبدالحكم دياب
يبدو أن تأثير ما جري في لبنان سيكون له أبلغ الأثر علي أوضاع مصر الداخلية، فما نسمع ونقرأ واردا علي ألسنة القلة الحاكمة، وأحاديث وكتابات الغالبية الرافضة لها، هو الذي يجعلنا نقول بهذا الرأي.. الكل يقول: ماذا فعلت بنا يا شيخ؟
، والمقصود بالشيخ هنا هو سيد المقاومة حسن نصر الله، زعيم حزب الله، والسؤال لدي القلة الحاكمة مصدره زيادة الشعور بالخطر، والقلق من المصير المجهول، بعد وصولها إلي محطة النهاية، أما الكثرة فقد اكتشفت أن الدور الذي يقبل به الناس يتجاوز مجرد الإعلان عن الموقف والتظاهر والنزول إلي الشوارع، ومواجهة بطش العائلة الحاكمة ومواليها، وأن الديمقراطية وحدها، في نطاق الدعوة، لا تكفي، وإذا لم تُعِد هذه الديمقراطية الاعتبار للمقاومة، فهي ناقصة وذات جدوي محدودة. ولن تكون إلا من ذلك النوع الذي نراه في أفغانستان والعراق، غطاء للاحتلال الأجنبي، الذي يصبح، بدوره، الوصي الضابط للجرعات الديمقراطية المسموح بها.
ومن اطلع علي الصحف الصهيونية، الصادرة في تل أبيب وواشنطن ولندن والقاهرة والرياض وعمان وبيروت، وغيرها من عواصم إسلامية وغربية أخري، ويتابع أجهزة الإعلام الغربية، عشية صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، الأسبوع الماضي، سوف يلحظ قَصْر كثير من المحللين والمعلقين الشكل والنموذج الديمقراطي المطلوب علي النموذجين الأفغاني والعراقي، معلنين أن تصفية حزب الله والمقاومة اللبنانية عمل ديمقراطي يتكفل به أولمرت وبوش وبلير ومواليهم، واعتبر هؤلاء أن الديمقراطية هي التي أتت بحزب الله وحماس، في تناقض مفضوح يكشف عنصرية الخطاب السياسي والإعلامي الصهيو غربي، وهو يضرب بالشرائع الإنسانية والدولية، التي تعطي الحق لمن احتلت أرضه وبلده أن يقاوم المحتل بكل السبل حتي يتحرر ويسترد ملكه المغتصب يضرب بها عرض الحائط.
وليس مقصدنا في هذا المقال هو بيان مدي عنصرية أولمرت وبوش وبلير، إنما القصد هو بيان متغيرات من المتوقع أن تطرأ في مواقف القوي الوطنية والقومية والإسلامية من قضية الديمقراطية فتتخذ مسارا جديدا نتيجة لانتصار المقاومة، حيث عاد هدف التحرير يتصدر المشهد الوطني العربي والإسلامي، وبدا اليقين بأن المقاومة هي الحل هو اليقين الأسلم للفطرة والوصول إلي حل للصراعات المماثلة للصراع الصهيو غربي مع الوطن العربي والعالم الإسلامي، فهذا التأييد الشعبي العارم للبنان، والتقدير الكاسح لوعي شعبه العظيم، كان استفتاء علي هذا الحل، وليس بالتخلي عنه تحت أي دعوي أو ذريعة، ومعني هذا تراجع نهج ادعاء الحصول علي الحقوق الوطنية أو الديمقراطية أو الإنسانية بالتفاوض أو التوسل أو التسول، كما يصرح بذلك مسؤولون عرب، وبهذا تقهقر طلب الإصلاح بالطريق الديمقراطي أمام هذا الحل الناجع، وهذا أعاد القضايا العربية، غير المصرية، إلي قلب المشهد الوطني المصري، وكان ذلك صادما للقوي الانعزالية وللصهاينة، الذين يشغلون أعلي المراكز في هرم السلطة بالقاهرة.
وليت المشكلة تُحْصر في هذا النطاق، لقد خرجت عنه بسبب ما لحق القوات المسلحة المصرية من إهانة، من جراء تصريحات متواطئة أظهرتها وكأنها غير قائمة ولا مبرر لوجودها، وجاء وقع هذه الإهانة أكبر مما تصور كثيرون، فمصدرها شخص محسوب علي هذه المؤسسة، فحين يصف عمل حزب الله بالمغامرة، وحسن نصر الله بـ البتاع، ويضفي علي الدولة الصهيونية صفة الأسد، حين علق علي ما قامت به المقاومة: مين يحط إيده في بق الأسد، واستطراداته التي دارت حول أن مصر لن تحارب من أجل لبنان، وتعليقه علي محرقة قانا بأنها تصرف غير مسؤول، وكانت الجريمة الكبري في محاولة توفير الغطاء العربي للعدوان، مع السعودية والأردن. ويأتي تصريح أولمرت مؤكدا لذلك، بوجود دول عربية أيدت العدوان الصهيوني البربري علي لبنان.. وكل هذا جاء سحبا من رصيد القوات المسلحة المصرية لدي المواطن العربي، وهذه التصريحات، فضلا عن أنها الترجمة العربية للخطابين السياسي والإعلامي الأمريكي والصهيوني، فإنها مثلت خنجرا في ظهر القوات المسلحة المصرية.. أحاديث وتصريحات تصدر وكأن مصر بلا جيش، وإذا وجد تظهره التصريحات الرسمية بأنه فاقد النخوة ويعدم الإحساس بالخطر، ويجهل اعتبارات الأمن الوطني المصري، الذي لا ينفصم عن الأمن العربــي أو الإقليمي.
يري خبراء استراتيجيون وعسكريون أن تغييب دور القوات المسلحة لم يحدث عفوا، وهو يدخل ضمن خطة عزل مصر وإلغاء دورها وانتزاعه من مجاله الحيوي. وإذا كان المصريون يألمون لهذا التغييب وضياع الدور، فإن الخبراء يرون أنه صناعة الإضعاف الممنهج والمنظم، استنادا إلي التجارب التاريخية في التعامل مع الجيش المصري، منذ تحديثه علي يد محمد علي، مرورا بأحمد عرابي وعزيز علي (المصري)، وصولا إلي الضباط الأحرار وجمال عبد الناصر. وهذا سبب من أسباب التململ الذي أكدته مصادر موثوقة. مما أعاد إلي أجواء العسكرية المصرية تلك الغيوم الملبدة التي أعقبت نكسة 1967، والتي لم تنقشع إلا بفعل حرب الاستنزاف ونصر 1973 العسكري، وهو النصر الذي حوله السادات إلي هزيمة سياسية، انتهت بتوقيع اتفاقية إذعان عرفت باسم كامب ديفيد.
ويشهد تاريخ المؤسسة العسكرية المصرية أنها رفضت الهزيمة مرارا، وفي كل مرة كان حضن القوي الوطنية ملاذها، فبعد هزيمة عرابي قاومت، ثم صفيت من قبل المستعمر البريطاني، إلي أن خرجت من تحت رمادها جذوة تنجح في إقامة الحزب الوطني، بقيادة محمد فريد ومصطفي كامل، بعد 25 عاما من الهزيمة العرابية. وعندما ذاقت مرارة النكبة في فلسطين 1948 جاء الرد في 1952، وفي اللحظة التي وجدت فيها أن ميزان القوي العسكرية ليس في صالحها سنة 1956 قاومت بالشعب، وألقت إليه بالسلاح في الشوارع فانتصرت به انتصارا أحدث مدا عربيا وعالميا، صب في صالح التحرر من الاستعمار والاحتلال والاستغلال، وبنفس الروح لم تستسلم لهزيمة 1967.. أصلحت من نفسها وأشعلت حرب الاستنزاف واستعادت اعتبارها في معركة 1973، وإذا كانت فلسطين 1948 أحد أهم حوافز ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952، فمن المتوقع ألا يمر التواطؤ الرسمي المصري وتأييده للعدوان البربري علي لبنان هكذا بلا فعل أو رد فعل، خاصة أن الشارع المصري زاده هذا العدوان غليانا، وزاده التواطؤ إصرارا علي محو العار الذي لحقه من جرائه. وعن فتح الملفات المتعلقة بالجيش المصري، تكون البداية بالملف التاريخي، الذي يؤكد أن هذه القوة غير مطلوبة غربيا، وإذا كانت معاهدة 1840 قد نصت علي تقليص عدده إلي 18 ألفا، وعليه الانسحاب من بلاد الشام والجزيرة العربية، تأتي اتفاقية كامب ديفيد بعد 139 عاما لتنص علي إضعافه بطرق مغايرة، تحقق نفس الهدف، فأبعدته أولا عن سيناء، تُرِكت عارية بلا دفاعات، وحيدته ثانيا، ومنعت خروجه في مهام قتالية إلا ضمن المجهود العسكري والسياسي الأمريكي، وهو مجهود صهيوني كامل. بجانب تقليص عدده بما لا يمثل خطرا علي الدولة الصهيونية، وقد ذكر الفريق سعد الدين الشاذلي، قائد العبور، ورئيس الأركان المصري الأسبق، لكاتب هذه السطور، أن القوات العسكرية التي كانت تحت قيادته، علي الجبهة المصرية فقط عشية العبور، بلغت مليون ومئتي ألف جندي، منهم مئة وستون ألف ضابط برتبهم المختلفة.. هذا العدد تقلص الآن إلي أقل من الثلث، وأضحي أدني من قوته السابقة بكثير، ويقدر خبراء هذه القوة بعُشر ما كانت عليه قبل المعاهدة.
وإذا ما تم فصل الحرس الجمهوري عن باقي أفرع القوات المسلحة، بعد تحوله إلي مليشيا، مسؤوليتها حماية العائلة الحاكمة، أعيد بناؤها علي غرار الحرس الحديدي، الذي أنشأه الملك فاروق لحماية عرشه، وهو مكون من لواء مدرع، ولواء مشاة ميكانيكي، وعدة كتائب من المدفعية والمهندسين والدفاع الجوي، ومجهز بأسطول طائرات حوامة (هليوكوبتر) منها طائرات الأباتشي الضخمة، وكتيبة صواريخ، هو باختصار جيش متكامل مجهز علي أعلي مستوي من التدريب والتسليح، وعدده يقدر بعشرات الآلاف. وإذا ما تم اقتطاع الجزء الكبير الذي يذهب لحساب الأمن الداخلي ويلحق بوزارة الداخلية، وتكليفه بمهام قتالية ضد المعارضة، في شكل قوات أمن مركزي مجندة إجباريا، في الأصل، لحساب القوات المسلحة، ثم يجري إلحاقها بالشرطة، بكل ما في ذلك من تجاوز للدستور والقواعد القانونية والأخلاقية التي تقوم عليها الدولة الحديثة.. وبسحب هذه الأعداد من الحجم الكلي للقوات المسلحة المقلصة أصلا، نستطيع أن نحسب إلي أي مدي ضعفت المؤسسة العسكرية المصرية وأكثر من هذا تركت أسلحة أخري مهماتها القتالية واستبدلتها بأعمال الزراعة وتسمين الحيوانات وإنتاج اللحوم والبيض والخبز، وبناء قاعات الأفراح والمناسبات داخل الثكنات العسكرية وتأجيرها لمن يدفع، بجانب شركات لبناء مساكن ومبان، تمنح للعسكريين بأسعار مخفضة، وتباع للجمهور بأسعار السوق، وتغلبت بذلك مهام الاستثمار والتجارة علي الواجبات الدفاعية والقتالية.
وترتب علي ذلك تصفية دورية للقيادات والرتب فوق الوسطي، فمن رتبة المقدم فأعلي تخضع لعقود عمل تتجدد سنويا، ولهذا فإن عدد الخارجين من القوات المسلحة صار أكثر من عدد الملتحقين بها، ويبدو أن هذا يتلاءم مع الاتجاه نحو توريث الحكم، وتأتي تصفية الصناعات العسكرية تستكمل حلقات التصفية المحكمة حول القوات المسلحة المصرية، وخضوع القوات المسلحة لنظام تسليح تسمح به الإدارة الأمريكية، بما لا يهدد الدولة الصهيونية أو المصالح الأمريكية في مصر أو المنطقة العربية والعالم الإسلامي، يصب في مخطط الإضعاف. ومثل هذا الجهد يصبح في أمس الحاجة إلي تصريحات تغطي علي هذه المؤامرة المحبوكة، وعذرا لضيق المساحة عن بيان مستوي حضور الجيش الوطني في الوجدان الشعبي، وقد يبدو رأينا، في هذا الشأن مخالفا لتحليلات المعادين لوجود جيش وطني قوي، من بين دعاة الليبرالية الجديدة والمستشرقين والمتصهينين، ونأمل أن تواتينا الفرصة لتغطية هذا الجانب في أقرب فرصة.. والمهم أن انتصار المقاومة اللبنانية فتح ملفات كانت مهملة داخل مصر وخارجها، وأهمها ملف الجيوش العربية!!9