تواصل تداعيات الحكم القضائي بملكية مصر لدير سانت كاترين في سيناء

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لا تزال تتواصل تداعيات الحكم الذي أصدرته محكمة مصرية الأسبوع الماضي، في الدعوى المرفوعة بشأن قطع الأراضي المتنازع عليها في محافظة جنوب سيناء، والذي قضى بملكية الدولة لدير سانت كاترين، والمواقع الدينية الأثرية حوله، واعتبارها كلها، أملاكا عامة.
فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، تقدم بطلب إحاطة عاجل في البرلمان موجه إلى رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أكد فيه أن احترام أحكام القضاء مبدأ لا جدال فيه، إلا أن تداعيات هذا الحكم تتجاوز النطاق القضائي إلى أبعاد دينية وثقافية ودبلوماسية خطيرة، خاصة وأن دير سانت كاترين يُعد من أقدم الأديرة المسيحية المأهولة في العالم، ويحتل مكانة فريدة على خريطة التراث الإنساني العالمي.
ولفت إلى أن الحكم أثار ردود فعل دولية غاضبة، من بينها بيانات رسمية من بطريركية القدس، وبطريركية القسطنطينية، ورئيس أساقفة أثينا، ورئيس لجنة الثقافة في البرلمان الروماني، معتبرين أن القرار يُهدد حرية العبادة ويُمثّل مساسًا بالوضع التاريخي والقانوني للدير، الذي يحظى بحماية تاريخية منذ العهدة النبوية وحتى اليوم.
وطالب النائب الحكومة بتقديم إيضاحات رسمية للبرلمان حول موقفها من الحكم، ومدى تأثيره على الوضع القانوني للدير، وضمان عدم المساس بقدسيته أو طرد رهبانه، بالإضافة إلى استراتيجية التعامل مع الضغوط الدولية المتصاعدة للحفاظ على صورة مصر كدولة تحترم التعددية الدينية وتحمي تراثها الروحي.
واختتم طلبه بضرورة أن تؤكد الدولة التزامها بحماية المواقع المقدسة لجميع الأديان، مشددًا على أن دير سانت كاترين لا يُعد مجرد معلم ديني أو أثري، بل هو رمز عالمي للتعايش الديني وواحد من أبرز شواهد التسامح في التاريخ المصري.
وجاء الحكم القضائي في سياق نزاع قانوني بين الدير ومحافظة جنوب سيناء ممتد منذ عام 2012.
وبينما تؤكد السلطات المصرية أن الحكم لا يتضمن مساسًا بمكانة الدير، ترى أطراف كنسية أن القرار يفتح الباب أمام إجراءات إدارية تهدف إلى تقويض دور الدير كمنارة روحية وتحويله إلى مزار سياحي يخضع لإشراف الدولة.

طلب إحاطة في البرلمان يتساءل عن وضع الرهبان

الحكم القضائي واجه ردود فعل دولية شديدة اللهجة، كان أبرزها بيان صادر عن رئيس لجنة الثقافة في البرلمان الروماني ميهايِل نيانتسو، وصف فيه الحكم بأنه اعتداء بالغ الخطورة على التراث المسيحي العالمي، وانتهاك سافر لحرية العبادة.
واعتبر أن الهدف الحقيقي هو تحويل الدير إلى معلم سياحي دنيوي ونزع طابعه الروحي، وطرد جماعته الرهبانية.
واستعرض المسؤول الروماني الروابط التاريخية العميقة بين دير سيناء ورومانيا الأرثوذكسية، مشيراً إلى قرون من التضامن والدعم المتبادل، شمل منح الأراضي، وتشييد الكنائس، وتقديم مخطوطات ثمينة وأيقونات نادرة.
كذلك أدان رئيس أساقفة أثينا وسائر اليونان، إيرونيموس، الحكم القضائي، واعتبره «انتهاكًا فجًا للحريات الدينية» و«محاولة مرفوضة لإلغاء وجود الدير بجرة قلم».
وأعرب عن تضامنه العميق مع الجماعة الرهبانية الأرثوذكسية العاملة في سيناء، داعيًا الحكومة اليونانية إلى التحرك الفوري واتخاذ موقف حاسم لحماية الدير من «السقوط التاريخي»
وفي بيان شديد اللهجة، عبّرت بطريركية القدس عن قلقها العميق إزاء محاولات الاستيلاء على الأراضي المحيطة بالدير، مشددة على أن دير سانت كاترين يقع تحت سلطتها الكنسية المباشرة، وهو موضع تبجيل لملايين الحجاج المسيحيين حول العالم.
وفي السياق ذاته، أعربت بطريركية القسطنطينية المسكونية عن خيبة أملها العميقة من الحكم القضائي، لافتة إلى أن الحكم يهدد الوضع القانوني التاريخي للدير، ويمنح الرهبان فقط حق الاستخدام دون الاعتراف بالملكية الكاملة.
وطالبت الحكومة المصرية بإيجاد آلية تضمن استمرار الوضع القائم الذي حافظ عليه الإسلام طيلة القرون، مؤكدة أن احترام هذا الصرح الروحي يُعدّ مؤشرًا على احترام مصر للحريات الدينية وحقوق الإنسان.
في المقابل حملت تصريحات المسؤولين المصريين رسائل طمائة عن وضع الدير، وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي خلال لقاء جمعه بسفراء الدول الأوروبية المعتمدين في القاهرة السبت، أن الحكم القضائي أكد على عدم المساس بدير سانت كاترين والأماكن الأثرية التابعة له وقيمته الروحية ومكانته الدينية والمقابر التابعة للدير. وبين أن الحكم القضائي يحافظ على وضعية الدير ويؤكد على مكانته المقدسة.
وتناول الاتصال الذي جرى بين الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، والذي تم التأكيد فيه على التزام مصر الكامل بالحفاظ على المكانة الدينية الفريدة والمقدسة لدير سانت كاترين وعدم المساس بهذه المكانة
وأضاف وزير الخارجية أن الحكم القضائي أقر باستمرار السماح لرهبان الدير بالانتفاع به وبالمناطق الدينية والأثرية بالمنطقة.
ولفت إلى أنه سيجري العمل على التوصل إلى اتفاق لتسوية الأوضاع بين السلطات المحلية ودير سانت كاترين.
ويعد دير سانت كاترين أحد أقدم الأديرة في العالم، ويعرف باسم دير القديسة كاترين، تم بناؤه بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لإيواء الرهبان الذين كانوا يعيشون في شبه جزيرة سيناء منذ القرن الرابع الميلادي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية