توبة غريق

حجم الخط
0

لاول مرة اشعر بقساوة الوطن، وحقده علي ابنائه ولاول مرة اخرج راحلا عنه دون الحنين اليه، حسبت ان للوطن طعم ورائحة وذوق، واكتشفت ان الوطن هو انا وانت، وان لم تكن انت لن اكون، واذا قسوت سوف اقسو عليك، لا تلمني في مشاعري، فانا نبهتك ايها الوطن سبع مرات وتوعدتك بالرحيل فان لم تعد عن غيك فاعلم انك مصادر من ذاكرتي، وسادلق كل امعائي التي رضعت منك، ساقطع خلاياي التي تشربت هواءك، وسافقأ عينيي ان دمعت يوما لاجلك وساوقف النبض ان تحرك اشفاقا عليك. لقد حذرتك يا وطني بانني ان رحلت غاضبا لن يمحو غضبي رحمة الانبياء ولن يغسل ذنوبك البحار السبعة، وها انا وبعد تحذيري وغضبي اقول لك لن تكون عودتي الا عودة الفاتحين ولن يكون مقامي كمقام الراحلين، وسارضع اولادي قولاً يريحهم الي ابد الآبدين، فاني والله ابكي علي ولدي وهو يتغني بالوطن وهو يردد كلمات بلادي…. بلادي…. لان المصيبة غداً حين يكبر ويعرف ان الوطن غير الوطن، وان البلاد غير البلاد، وان الانتماء لا يعني قدسية عمياء بل فلسفة وجدلية ذات اطراف متعادلة، واي خلل هو كارثة ستحل بنا جميعا ً.

لقد حذرتك ايها الوطن بان الحروف التي يتعلمها اولادي خارجك هي ليست حروفك، وان الالوان التي يرونها هي غير الوانك، وان الثياب التي يلبسونها هي غير ثيابك، وان طعامهم غير طعامك، فلا تطلب منهم نبتا وطنياً ولا روحا اردنية لانك انت الذي احرقت بيادري ورميتني علي مزابل العالم انبش القمامة لعلي اتقوت ليومي واخيط قطع القماش المهترئة لاستر عورتي، وامسك النار واكوي جرحي، اشرب السم لابلل ريقي، ها انا ايها الوطن عصيتني وانا في قمة نشوتي، وفقأت عيني حينما بدأت بالنظر اليك، وكبلت يدي حينما تحللت من قيود العالم، لا ترجوني ارجوك، فانت الآن لست من معتقداتي، وشمسك غابت عني منذ زمن بعيد، هل تذكرني يوما باطلالة شمسك، او حتي خرير ماءك، لم اذكر منك غير الرحيل حتي قبابك اصبحت رمادا، ومنابرك تحولت الي دعوة للغضب، ومحرابك الذي صليت فيه كثيراً، ومنذ ايام طفولتي لم يعد قبلتي، فانا راحل ورحيلي لن يكون اهزوجة للحزاني والطفرانين بل سيكون لحن الجنائز واجراسا تدق علي روحي.

د. حسين منصور العمريالاردن [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية