القاهرة ـ «القدس العربي»: في محاولة لمواجهة أزمة احتجاز سجناء الرأي لفترات طويلة دون محاكمة، قدم تقرير أعده الباحث الحقوقي المصري، شريف الهلالي، بالتعاون مع مركز التنمية والإعلام «دام» أمس الأحد، 15 توصية تمنع السلطات المصرية من استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة.
ووفق التقرير «الحبس الاحتياطي تحوّل من إجراء استثنائي تلجأ إليه النيابة العامة في حالات خاصة وبشروط محددة لمساسه بحرية المواطن دون ثبوت تهمة بعد وقبل الحكم عليه، إلى قاعدة في السنوات الأخيرة، وبات مثله مثل العقوبة، نتيجة التوسع في استخدام جهات التحقيق كافة الصلاحيات التي منحتها إياها النصوص القانونية من أجل تقييد حرية المقبوض عليهم بمسوغ قانوني».
ثقب أسود
وبيّن أن «التوسع في استخدام الصلاحيات والتعسف في أخرى حول منظومة الحبس الاحتياطي إلى ثقب أسود، حسب وصف حقوقيين مصريين، إذ تعج السجون وأقسام الشرطة بالآلاف في قضايا سياسية لا تستطيع الفرز بينها».
وشبه «استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة في مصر الآن، بما شهدته مصر في تسعينيات القرن الماضي بتطبيق قانون الطوارئ والاعتقال الإداري للأشخاص حتى بعد صدور قرار بالإفراج عنهم، حيث يتم إصدار قرار اعتقال آخر وهكذا، ويستخدم ذلك بشكل خاص ضد أناس عبروا عن آرائهم واستخدموا حقهم في حرية التعبير، وكثير من هؤلاء الشباب هم من الذين شاركوا في ثورة 25 يناير وأعضاء بالأحزاب السياسية المعارضة وحقوقيون ومحامون وصحافيون وأطباء وأساتذة جامعات لمجرد أنهم عبروا عن آرائهم على السوشال ميديا».
ووضع التقرير عددا من التوصيات من شأنها المساهمة في حل هذه الأزمة، في مقدمتها «وقف الحبس الاحتياطي المطول الذي تلجأ إليه النيابة العامة والمحاكم والالتزام بالتعديلات الواردة بموجب القانون 143 لسنة 2006 في اقتصار حق استخدام الحبس الاحتياطي من قبل النيابة العامة على درجة معينة من أعضائها، وإلزام النيابة العامة أو المحاكم بتسبيب أوامرها القضائية بالحبس الاحتياطي».
كما تضمنت التوصيات «ضرورة إعادة النظر في المنظومة القانونية بشكل عام، خاصة في نصوص المواد العقابية ذات العلاقة بممارسة حرية الرأي والتعبير بشكل عام، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، إضافة إلى الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق اللتين تتمتع بهما النيابة العامة بأعمال نظام قاضي التحقيق بشكل دائم، ومعالجة القصور في قانون الإجراءات الجنائية وتحديثه، وإيجاد طرق عقابية لبعض الجرائم المالية غير الحبس ما يخفف الحمل عن السجون وإعادة ترتيب الأوضاع داخلها».
واقترح التقرير «تكوين لجنة قضائية تصدر قرارات الإفراج تباعا وعلى دفعات بما يتناسب وتصنيف المحبوسين احتياطيا، على أن تشمل من هم على خلفيات سياسية وجنائية، ما يحل جزءا كبيًا من أزمة تكدس السجون».
ومن بين التوصيات «وقف ظاهرة التضارب بين قرارات القضاء في شأن الحبس الاحتياطي من دون حد أقصى، ما يستلزم أن تفسر المحكمة الدستورية العليا التضارب الظاهري بين المادة 380 والمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية والتي وضعت حدا أقصى لمدد الحبس الاحتياطي، حيث يتبنى عدد من المحاكم المادة 380 في إعطائهم الحق في الحبس الاحتياطي دون الالتزام بحد أقصى».
تطور الحبس الاحتياطي
وعن تطور الحبس الاحتياطي في مصر، ذكر التقرير أن «المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية خضعت للعديد من التعديلات، فحدد المشرع لأول مرة منذُ نشأة القانون عام 1950 مدد الحبس الاحتياطي بحيث لا تجاوز ستة أشهر في مواد الجنح والجنايات قبل الإحالة إلى المحكمة المختصة، وفي 2006 توسع المُشرع في مدد الحبس الاحتياطي خلال كافة مراحل الدعوى الجنائية بحيث لا تجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهراً في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة هي السجن المؤبد أو الإعدام».
السيسي لصحيفة ألمانية: «نحن لا نعتقل أي شخص بسبب آرائه السياسية»
وتابع التقرير: «في عام 2007 منح المُشرع محكمة النقض صلاحية تجديد حبس المتهم دون التقيد بأي من المدد المنصوص عليها إذا كان الحكم الصادر من محكمة الجنايات هو الإعدام؛ ما يعني أن المتهم يظل قيد الحبس الاحتياطي إلى ما لا نهاية».
وزاد: «أدى هذا الوضع إلى الإسراف في الحبس الاحتياطي دون مبرر لذلك، ﺒﻴﻨﻤﺎ اشترطت بعض التشريعات الأجنبية لجواز الحبس الاحتياطي ﺃﻥ تكون الجريمة الصادر بشأنها الحبس معاقبا ﻋﻠﻴﻬﺎ بعدد بأكبر من مدة الحبس الاحتياطي المقررة، على سبيل المثال التشريع الفرنسي ﻻ يجيز الحبس الاحتياطي إلا في الجرائم التي يصل الحد الأقصى للعقوبة فيها إلى ثلاث سنوات على الأقل، في حين أن القانون الكويتي على سبيل المثال يشير إلى مدد أقل بكثير لا تتجاوز ستة شهور في الجنايات، وثلاثة أشهر في الجنح».
ولفت إلى أن «المحبوسين احتياطيا في قضايا تخص تعبيرهم عن آرائهم لا يحصلون على حقوقهم كاملة داخل السجون بسبب حرية التعبير، خاصة فيما يتعلق بالحق في التريض، أو مدة الزيارة المنصوص عليها في اللائحة، أو إدخال الكتب والمجلات إلى المحبوس احتياطيا بالمخالفة لقانون للائحة التنفيذية لقانون السجون».
وتابع «ورغم أن المشرع أتاح بدائل ﻟﻠﺤﺒس الاحتياطي يمكن المحقق من إقرار الحبس، وفقا للتعديل في القانون رقم 145 ﻟﺴﻨﺔ 2006 إلا أن كثيرا ما لا يتم اللجوء لتطبيق هذه المادة كبديل للحبس الاحتياطي، بل كمكمل لها، حيث إن المتهم يتعرض للحبس الاحتياطي لفترات طويلة، بعدها يتم اللجوء إلى هذه البدائل إلى ما لا نهاية، وهذا ما يؤثر على استكمال المتهم لحياته الخاصة وقيامه بعمله».
وزاد: «نصت المادة 201 ﻋلى ﺃنه يجوز للسلطة المختصة بالحبس الاحتياطي أن تصدر بدلا منه تدابير منها إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو أن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة أو حظر ارتياد المتهم أماكن محددة، وأنه حال خالف المتهم الالتزامات التي يفرضها التدبير جاز حبسه احتياطيا، ويسري في شأن مدة التدبير أو مدها والحد الأقصى لها واستئنافها ذات القواعد المقررة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي».
ووفق التقرير «اتبعت جهات التحقيق الحلول البديلة في أكثر من حالة خلال الفترة الأخيرة، أبرزهم الأكاديمي حازم حسني، الذي ظل رهن الحبس الاحتياطي على ذمة تحقيقات القضية 488، حتى أصدرت غرفة المشورة في محكمة جنايات جنوب القاهرة قرارها في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2020 باستبدال حبسه الاحتياطي بتدابير احترازية بعدم مبارحة مسكنه».
على خلفية انتقادات أوضاع حقوق الإنسان في مصر وتقارير من منظمات دولية منذ عام 2016 تقدر عدد المعتقلين السياسيين في مصر بـ60 ألف معتقل، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي نفيه لصحة هذه التقارير.
وقال في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت» الألمانية نشرتها على موقعها الإلكتروني أول أمس السبت: «ليس لدينا هذا العدد الكبير من السجون التي يمكن أن تستوعب مثل هذا العدد من السجناء. نحن لا نحبس أي شخص بسبب آرائه السياسية».
وأشار إلى أن «ما يسري في مصر حاليا يثير استياء جماعة الإخوان المسلمين، التي وصلت إلى السلطة عقب مساع دامت 90 عاما ثم ثار عليها الشعب بعد عام واحد من توليها السلطة» على حد تعبيره، مضيفا أن الجماعة «تحاول لذلك نقل انطباع سلبي عن حالة حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية في مصر، بغرض تشكيل ضغط أوروبي على مصر».
«علينا مواجهة واقع قاس»
وقال: «لكنني أريد إخراج المصريين من موقف صعب حتى لا تنهار مصر مثل دول أخرى. نريد أن نصبح دولة دستورية. كل ما في الأمر أننا دولة يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة وعلينا أن نواجه واقعا قاسيا».
وذكر أن «النقد مسموح به للجميع، لكن يجب أن يكون نقدا بناء وليس تحريضا» وقال: «الاستقرار مهم للغاية، خاصة في بلد مثل مصر يبلغ عدد سكانه 100 مليون نسمة ويشكل الشباب أكثر من 60٪ منه. نريد دولة دستورية، لكن التحريض على الانقلاب أمر خطير وغير مقبول».
وأكد أن «الأمن لا يجب أن يأتي على حساب الحرية، حتى في بلد يعاني من أوضاع صعبة مثل وضعنا».
وقال موجها حديثه لمحاور الصحيفة: «لقد قطعت بلادك شوطا طويلا وهي الآن من بين أغنى البلدان في العالم. مصر بعيدة عن ذلك، لكن الناس هنا يريدون أن يكونوا قادرين على العيش، والسؤال هو ما إذا كانت أوروبا ترغب في مساعدتهم، مثل الحصول على تعليم جيد حتى يتمكنوا من معرفة الفرق بين حرية التعبير والفوضى، أو لتوفير فرص عمل لشبابنا».
وواصل حديثه للمحاور: «هل أنت مستعد في أوروبا لمساعدتنا حتى نتمكن أيضا من الحصول على نفس المستوى من التعليم كما هو الحال في أوروبا؟ أو نظام صحي جيد مثل نظامك؟ لم ينزل الناس في بلادنا إلى الشوارع من أجل حرية التعبير، بل ليتمكنوا من العيش، هل تحاول حقا وضع معاييرك الخاصة للحرية والديمقراطية؟ كان لا بد أن تنظر أيضا إلى وضع الناس في مصر وترى كيف يعيشون فقراء وغير متعلمين».
وزاد: «لا أريد أن أطلب المال لمصر. قدم لنا بعضا من خبرتك وصناعتك وتقنيتك. نريد أن نحصل على جزء من تقدمك، تماما كما تريد منا أن نتبنى تصوراتك عن الحرية».
وعلق المحامي الحقوقي نجاد البرعي على حوار السيسي، قائلا في تدوينة الأحد: «لن تستطيع الحكومة أن تسوق إنجازاتها ـ أيا كان الرأي فيها ـ في أي مجال دوليا وربما محليا طالما ظل ملف الحبس الاحتياطي المطول والمكرر على ما هو عليه».
وتابع: « في حوار الرئيس عبد الفتاح السيسي مع صحيفة ألمانية قال إن الأمن لا يجب أن يأتي على حساب الحرية، حتى في بلد يعاني من أوضاع صعبة مثل وضعنا».
وأضاف «قلت لكل من أسعدني الحظ بلقائهم وأقول هنا وسأظل أردد أنه لا يمكن التطلع إلى فرص استثمارية حقيقية أو دعم دولي لافت في قضايا مصيرية دون إصلاح جذري لملف مرفق العدالة وتصفية ملف الحبس الاحتياطي بشكل قانوني عادل، من لدى النيابة عليه دليل فلترسله إلى قاض يحكم له أو عليه، ومن لا يقوم لديها عليه دليل، فلتطلق سراحه فورا ودون تدابير احترازية».
وواصل: «سمعة مصر على المحك، ومصر جرى تصنيفها في المركز 125 من 128 دولة في مؤشر العدالة العالمي عام 2020، أي ليس بينها وبين القاع غير دول ثلاث، وجزء من انهيار هذا الترتيب هو ملف الحبس الاحتياطي المطول والمكرر».