توضيح حول المنشور المنسوب للدكتور صادق جلال العظم

حجم الخط
2

أعتقد بأن توضيحا للمرة العاشرة خارج نطاق الثقافة “السائلة” والمعرفة المرتجلة وسهولة تغيير الحقائق، ومن ثم البناء عليها. أحكاما ونتائج وتصنيفات. يمكن أن يكون مفيدا لنرَ كيف تتم آليات نقاش الأفكار في افتقاد الوجهة والهدف، والعيش مع حالة الإذابة للمعرفة المصهورة، وتقديمها بصور مختلة، هو بالضبط يعكس ما سماه زيغمونت باومان، الهلع مما لا يمكن إدارته، وحرفيا ينطبق هذا الوصف على وسائل التواصل الاجتماعي.

في بدايات عام 2013 كتبت موقفي من الثورة السورية على صفحتي على الفيسبوك، كالتالي: ” الثورة السورية هي ثورة، سواء تأسلمت أو “تعلمنت”. هي كاشف أخلاقي وإنساني وثقافي لكل البديهيات القديمة. هي ثورة ضد التبرير والقبول الكاذب لواحد من أكثر الأنظمة الشمولية تفسخا وعنفا. كل من هو منخرط في جوهرها لا يخشى منها، ولا يخشى عليها، كل من هو جالس على حافتها سيصيبه الرعب منها. أصلا الرعب واحد من أهم سمات الثورات. الثورة السورية هي من أعمق ما قامت به جماعة بشرية في منطقة جغرافية على امتداد العالم، توقيفها مستحيل، ببساطة لأنها نضجت بفعل الزمن، ولا أحد يستطيع إيقاف الزمن. وانا العبد الفقير لله وحرية الإنسان سأبقى معها.. حتى لو التهمتني، حتى لو كنت من ضحاياها، حتى لو دفعت الثمن غاليا جداً لا يقل عن حياتي. سأبقى منحازا لها ما دمت قادراً على التنفس”.

 انتشر الرأي بشكل طبيعي بين أصدقائي ومن يتابع الصفحة على منصات التواصل، لكن الالتباس الذي حصل حين قام موقع  طوابع الثورة السورية، بأخذ “البوست” معتقدا أن الكلام للدكتور صادق نظرا لأنني كنت قد شاركت قبله بالترتيب مقالا للدكتور العظم يقول فيه: لماذا الثورة السورية هي ثورة، ما هي سماتها الجديدة؟ وكان يمكن تصحيح الأمر وقتذاك لكن وضع اسم قامة فكرية بحجم صادق جلال العظم على محتوى عاطفي مكتوب بلغة أقرب للذاتية والبوح منها إلى اللغة العلمية، التي يكتب بها عادة الدكتور العظم جعلت عددا من الأسماء الثقافية “اليسارية” تتناقل المنشور على أنه له.

المنشور لا يشبه أو يتقاطع أو يشرح أيا من الانشغالات النقدية والفكرية التي عمل عليها صاحب “نقد الفكر الديني” و”الاستشراق معكوسا” و”ذهنية التحريم”، وحتى في عمله المؤثر مثل “في الحب والحب العذري”، أو مقالاته وسجالاته النقدية على مدى نصف قرن، وأي قارئ بسيط لإنتاج الدكتور العظم يدرك أن اللغة المستخدمة في المنشور مستحيل، أن تكون للدكتور العظم بأي حال من الأحوال. فعقل نقدي أنتج كتابا بحجم “دفاعا عن المادية والتاريخ لا يمكن أن يستخدم أسلوبا ذاتيا عاطفيا ويقول أنا العبد الفقير لله .

الذي حصل كان جديرا بالتأمل حول سهولة النسب والاستنساب في فضاء السيولة الثقافية. وكيف يمكن لمنشور ذاتي أن يأخذ سياقا مختلفا ويدخله في اشتباك خارج حدوده بمجرد أن يتم تغيير اسم كاتبه.

متى بدأ اللغط؟

كان من السهولة بمكان لمن تفاعل مع المنشور أن يكتشف أن كاتبه ليس الدكتور صادق أن يشعر بالأحراج. وهذا مفهوم بشكل طبيعي أن يخطئ المرء، لكن بدلا من التصحيح صار يود إخفاء إحراجه بإيجاد تبرير بأن هناك تلاعبا مقصودا من الكاتب الأساسي، هدفه المزاح أو الشهرة أو القصدية، بخلق مثل هذه الالتباسات غير المبررة. ورد الفعل هذا الذي قام به بعض من يملكون تصورات صلبة عن أنفسهم، كان أسهل عليهم خلق تبرير واهٍ، بدلاً من تصحيح الالتباس البسيط المفيد للجميع. فأدى لاحقا إلى خروج المنشور من فضاء التواصل الاجتماعي، وقيام كتّاب مرموقين بمناقشته في صحف رزينة، وجرّ سيلا من اللغط على موقف الدكتور صادق، حول موقفه الحقيقي من التاريخ والمادية والدين. وللأسف حتى بعض المقربين من عائلة الدكتور صادق، تبنوا فكرة أن الموضوع كان مزحة من كاتب المنشور، لمحاولة تقليد أسلوب صادق العظم، أو خلق حجج واهية وترديد انطباعات المثقفين المحرجين من أنهم لا يميزون لغة الدكتور صادق العلمية والنقدية، عن لغة منشور ذاتي على الفيسبوك. وبدلا من التصحيح  المباشر الذي كان يمكن أن يمنع أي التباس لاحق. قاموا بالحذف، باستعلاء وارتجال التبريرات  حول القراءة المستعجلة وسهولة الاقتباس، وهنا كان السبب الحقيقي للخلط الذي ما زال يعاد ويستعاد كل فترة.

خلاصة القول هذه  دعوة وخاصة للكتاب والصحافيين الذين إلتبس عليهم الأمر ونشروا تحليلات أو مقالات بناء على هذا المنشور أن يقوموا بالتصحيح من أجل إرث الدكتور العظم وتاريخه وموقفه ومن أجل الأمانة والمهنية في المقام الأول.

كيف قرأ صادق جلال العظم المنشور؟

حين وصل الأمر للدكتور صادق جلال العظم، يمكن لنا أن نلاحظ الفرق الثقافي والمهني والإنساني بين الدكتور صادق وتواضعه، وطريقته في معالجة مثل هذه الالتباسات، والطريقة التي عالج بها الأمر بعض محبيه ومعجبيه ومريديه.

شكر الدكتور صادق موقع الطوابع، وأعلن تبنيه لمضمون النص، ونفيه أن يكون هو كاتبه مع تحفظه على جملة واحدة “أنا العبد الفقير لله” باقي الجملة لم يكن لديه مشكلة معه.. التي تقول أنا العبد الفقير لله وحرية الإنسان. لكن للأسف لم يشأ حتى من وقع في الالتباس أن يشارك هذا التوضيح الكافي والوافي والحاسم، ولو تم في وقته لكان وفّر الكثير مما سبق. استخدم المنشور في العديد من المقالات في صحف بارزة، وتناوله عدد من الكتّاب بين إدانة وتحليل وتحميل الدكتور صادق ما لم يقله. وإدانته ومحاولة تصويره كمنقلب على العلمانية، أو متراخٍ مع نقده لأصولية التفكير الديني وهذا ما لم يحصل أبدا. وهنا يطرح تساؤل في صميم النقل ليس لرواد التواصل الاجتماعي، بل للعاملين في الإعلام الرسمي والمنتمين إلى تقاليد صحافية يعتبر فيها تحري الدقة العلمية والنزاهة في الطرح والموضوعية في المناقشة والنقد، أس أي مادة صحافية محترمة. بقليل من الجهد والبحث والهدوء والتواضع، كان يمكن الوصول إلى المصدر، والتأكد منه. لكنه زمن السيولة النقدية والانطباعية الهشة، وانحلال المتن الصلب لأي أرضية نقاش، يساهم فيها الجميع، بقصد أو بلا قصد بوعي أو بعدمه، وها نحن نحصد نتائجها اليوم، بالغرق في مناقشة النتائج، بدلا من تمكين المتن المعرفي الذي نعمل عليه. وما هذه الحادثة البسيطة التي تم الانزياح بها عن مدارها الأصلي، وزجها في حقل آخر، إلا نموذج يطرح إشكاليات أكبر بكثير حول جدوى ما ينتج؟ وكيف ينتج؟ وحقيقة ما ينتج؟ خاصة في سردية مشوشة مثل سردية الثورة السورية. ويطرح أيضا فكرة حول التواتر المنقول، فإذا كنا نعيش في هذا العصر والأحداث والكتابات أمام أعيننا مثبتة وموجودة، وكتّابها موجودون، يمكن سؤالهم، أو الاستفسار منهم  ونقع في التباسات من هذا النوع؟ ماذا حصل فعلا حول نقل المعرفة لنا من قديم الزمان، ماذا أهمل؟ ما هو المنحول؟ ما هو الحقيقي؟ كيف يتم تقديس منشور بمجرد نسبته لاسم، ومن ثم تدنيس المنشور نفسه، إن تمت نسبته إلى اسم آخر. وبالطبع السؤال الأصعب حاليا عن سؤال زيغمونت باومان كيف يجب التعامل مع الثقافة السائلة في زمن اللايقين؟

 بيان صادق جلال العظم حول المنشور

نشر الدكتور صادق التوضيح باسمه يوم 21-1-2013 على صفحة زوجته، ونعيد نشره هنا عله يكون درسا لنا جميعا، واستذكارا في هذه الأيام لمنتج الدكتور صادق الفكري وموقفه الأخلاقي من الثورة السورية.

أنا صادق جلال العظم: أتقدم بكل امتنان بشكري العميق لمبدعي فكرة طوابع الثورة لتكريمي بهذا الطابع الذي اعتبره شرفا كبيرا أعتز به. منذ بدء الثورة يحيط بي شعور قلما فارقني، وهو أن أبناء هذه الثورة العظيمة طفلات وأطفال شابات وشباب، أصبحوا آباء‘ لنا وأمهات يقودوننا ويعلموننا ويضيئون لنا الطريق. فاانتهز الفرصة لأوضح بشأن ما نُشر تحت اسمي على صفحات الفيسبوك، وعلى هذا الطابع، وبالذات في المقطع الثاني من التعليق. بالتأكيد أن التباسا لا أدري لم وكيف وقع؟ فأنا لم أكتب تلك الكتابة الجميلة ببهاء بساطتها وتدفقها العفوي. مع الأسف هو ليس أسلوبي في التعبير، وإن كنت موافقا على مضمونها العذب، خاصة إنني لست فقط منحازا للثورة، وإنما أيضا أنا أحاول أن أعمل من أجلها بإمكاناتي التي هي – وبكل ألم – لا تقاس بمدى التضحيات التي يقدمها شعبي على الأرض. عندما قارنت زوجتي وبعض الأصدقاء عدد الإعجابات التي وضعت على البوست، ومدى الانتشار للمقطع، ونقلوا لي ذلك ضحكت، رغم قتامة العبوس الذي يلاحق محنة ثورتنا العظيمة، وقلت لعل من وضع البوست باسمي، إن لم يكن مرتبكا في توضيح ما استشفه من مقابلاتي وكتاباتي، فهو ولد شاطر وظريف، كائنا ما كانت مقاصده. إنه أسعدني على كل حال، فهو عبر بطريقة سلسة عن كوني جزءاً من أهل بلد ثاروا على الطغيان، من أجل حريتهم وكرامتهم مهما كانت الأخطاء، التي علينا أن نتكاتف لإصلاحها. فقط اعترض على العبد الفقير لأنني لن أرضى بالعبودية، واعتبر أن الشعب السوري غني، لأنه استطاع أن يفجّر ثورة من أغنى الثورات التي سطرها التاريخ الحديث، والتي أسرت قلبي وماتزال تفطره، لما تلاقيه من إجحاف نتيجة عبثية وقاحة سادة هذا العالم المتوحش.

خلاصة القول هذه  دعوة وخاصة للكتاب والصحافيين الذين إلتبس عليهم الأمر ونشروا تحليلات أو مقالات بناء على هذا المنشور أن يقوموا بالتصحيح من أجل إرث الدكتور العظم وتاريخه وموقفه ومن أجل الأمانة والمهنية في المقام الأول.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية