توطين القاعدة: اشكالية العرب في ميزان الشرق

حجم الخط
0

يريح الأمريكان خروج القاعدة من افغانستان وتوطينها في جغرافيا عربية متعددة، وهو أمر يريح طالبان المقبلة على استلام الحكم، وتغيير أولوياتها بحسب متغيرات السياسة التي طرأت مؤخراً وتتطلب لاحقاً فتاوى تناسب مرحلة جديدة، ويريح القاعدة أيضا ان تتوطن في جغرافيا عربية متعددة، لأن ذلك يضعها أمام الخريطة التي كانت تتمناها. هي مفارقة عجيبة، أن تكون عملية توطين القاعدة، مسألة ترضي جميع الخصوم، وبانتظار السنوات المقبلة، التي تعني لكل صاحب مصلحة حجم اللعبة على الأرض.
هذا التوطين ليس بالضرورة في مواجهة الانظمة التي لم تشهد أحداثاً سياسية بارزة في الفترة الأخيرة، وهو مؤشر هام، يدل على ان المنطقة العربية بمجملها تستعد لفوضى السلاح التي ستنتقل تباعاً خلال الاشهر المقبلة في كثير من دول المنطقة، وهي مسألة تشمل الان عناوين الشحن الطائفي والمذهبي، وستشمل كل فسيفساء المنطقة العربية، التي هي أصلا متعددة، قابلة للانفلات، لطالما العناوين الاعلامية المتاحة والمعلنة لدى الشارع العربي تسير بهذا الاتجاه، ولطالما البنى الثقافية هي بنى حزبية ضيقة، نشأت سليلة النظم الوراثية والعسكرية، واستمدت منها بذرتها الاولى، وهي لا تملك تغيير هذه المورثات المكتسبة من الاصل.
الحديث عن الفوضى الامريكية الخلاقة هو نوع من السخف، فالفوضى هي عربية بامتياز، لا يمكن النظر اليها معزولة وحصرها بحدود زمنية ضيقة، هي سلسلة متصلة منذ عشرات السنين وأكثر، انتزعت نفسها من المخزون الذي يميل الى عزل العقل واستغلال البنية والقوة لتشكيل الذات، ما أفرز قائمة – مشاريع دولة اختفت منها كل ملامح الدولة ولم تنتج اكثر من قبيلة صغيرة تستأثر بما فوق الارض وتحتها.
القيمة الحقيقية للمعاناة تكمن في بديل الانظمة، من قادة الاحزاب والنخب المعارضة والذين اعتادوا قيادة الحزب كما يقودون دراجة هوائية، هم أنفسهم الذين يريدون قيادة الدولة وإحداث التغيير، وبذلك هم يريدون قيادة الدولة الجديدة على شاكلة قيادة الدراجة الهوائية، وعلى اختلاف اللون، هم سواء، أكانوا بمظهر اسلامي او علماني، فأبرز سمات الاسلاميين المعاصرين، على اختلافهم من معتدلين واصوليين، هو غياب النموذج المراد تطبيقه، سوى دولة المدينة المنورة، وهذه الدولة كانت دولة مدنية بملامح اسلامية ولم تكن دولة الوحي كما يقال، بدليل أنها قامت على منطق التوافق.
وقامت ايضا على عقد اجتماعي ضم المسلمين وغيرهم، وفي جوهرها من الداخل ارتكزت على استقلالية القضاء، وقيدت الجيش، وكفلت المعتقدات وقدمت الأعظم للأفراد. أنها حظرت التجسس عليهم، وجعلت الخلافة شورى، ولم تأت بالتوريث، ومن أبرز السمات أن القرآن أمر بأن يكون العرف جزءاً من التشريع، والعرف ليس بوحي، ولكنه اجتهاد الناس، كما أن التجارة وحق التنقل والسفر كانت حرة. وتبقى مسألة في التشريع وهي اقامة الحدود، وهذه بالطبع هي شغل الاصوليين اليوم، الذين يريدون أسلمة الدنيا، وهذه الحدود بمنطق العصر الحالي تصبح اقامتها مسألة غاية في التعقيد، والحديث عنها اسراف غير معقول، فحد القطع أوقفته دولة المدينة في عام الرمادة، وهو عامٌ متوفرٌ في أغلب دول الأمة، ثم الكثير من الحوادث غير هذا تم التوقف عند تنفيذ الحد للقاعدة النبوية- ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم- وللحديث اكثر من رواية. فهي دولة قامت لتنظيم امور الناس بما استطاعوا، وكان تطبيق الحد كرادع يمكن تفاديه باحتمالية الشك فقط، وفتح باب الشك واسعاً بما لا يتم تطبيقه كشروط حد الزنى، وهذا يعرفه المتخصصون، فباب الحدود ليس مفتوحاً بحسب الأهواء، واحتمالية الاستثناء فيه قام كأصل.
في الجانب الاخر، تبرز القوى التي تعتقد أنها تمارس العلمانية، فتعمل على استعداء الاسلاميين ودفعهم للتطرف، وهي عملياً أكبر داعم للقوى المتشددة، لأنها لا تريد التقاط اللحظة التاريخية التي تعني بناء الدولة، والاسهام في ذلك، ودفع الاسلاميين لأخذ دورهم فيها، بما يعني عملياً انتصار منطق الاصولية. فهزيمة الاخوان المسلمين في مصر هي بيع بلا ثمن لصالح تنظيم القاعدة، والصناعات الحزبية الضيقة هنا وهناك بتسميات سلفية مختلفة لا تعني أن الدولة صنعت اطاراً ناجحاً للتصدي للتطرف، فنحن امام خيارات، إما ان نشارك الناس أو نقاتل الناس، وهذا عائد الى ضحالة منطق النخب التي تعرض نفسها كبديل للاستبداد، لكنها تمارس الأسوأ من استبداد الماضي.
هل نحن أمام البكاء على الدكتاتوريات العسكرية الحاكمة أو الحكم الوراثي، ولو كان مكلفاً وهي اشكالية نادرة وفق منطق الثورات، نحن مسؤولون عنها، ونعيش عجزها لحظـــــة بلحــــظة، هي إشكالية العرب في ميزان الشرق ذاته، بجولاته وصولاته، فعشرات الأحزاب العربية تعرض نفسها في خندق مكافحة الارهاب وتبحث عن شهــــادة حسن سلوك غربــــية، في الوقت الذي ستصبح فيه جمـــهوريات القاعدة متاحة في أكثر من جغرافيا، وهذه الحالة ستعمل على توحيد كل أصحاب العروش، من ثوريين وحزبيين ومناضلين وملكيين وعسكر وغيرهم. فطريق الاختلاف طويل، وفسيفساء العرب الجميلة ستستعيد مواسم الحروب الدينية التي تركها الغرب وراء ظهره منذ قرون.
جمهورية القاعدة تعني للغرب مسألة واحدة، هي ليست جذب المتشددين الى جغرافيا لسحقهم فيها، لأنه ومع الاسف لطالما لدينا عقول عربية عاجزة عن معاملتنا كبشر، فالمنطقة العربية هي ولاّدة باستمرار لمنطق التشدد، وما يريده الغرب فقط هو اشغال هذه القوى المتشددة داخل البيئة التي انتجتها، وهذا لوحده كفيل باتقاء شرها، وجعل العرب يدفعون ثمن ما أنتجوه بأيديهم. وبالطبع الغرب ليس متآمراً، لأن بيئة الحكام العرب هي أكبر مؤامرة في التاريخ، فحري بنا أن نرى أن ما تنتجه الأنظمة من ويلات على شعوبها، يفوق قدرة ابليس وفكرة المؤامرة ذاتها.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية